قبل أن تشرق الشمس في قرية الحويز، في سهل الغاب شمال غربي سوريا، تجلس عبير شيخو خلف مِقوَد شاحنتها البيضاء بينما تقف 15 عاملة زراعية في صندوق الشاحنة استعدادًا ليوم طويل من العمل الشاق في الحقول.
تغطي العاملات وجوههن بالمناديل لحمايتهن من أشعة الشمس الحارقة، إذ تتجاوز درجة الحرارة في الصيف 38 درجة مئوية تقريباً. بعض النساء، مثل عبير، يرتدين قبعة فوق الحجاب.
هذا المشهد أصبح مألوفًا هنا منذ بداية حزيران، فبعد أن سيطر نظام الأسد على سهل الغاب 2019، ظلت الحقول مهملة لسنوات. كانت الغارات الجوية المكثفة والحصار والاشتباكات المسلحة العنيفة حول القرى والمدن الصغيرة أمرًا شائعًا. فرّ العديد من السكان، بينما هُجّر آخرون.
بعد سقوط نظام الأسد في كانون الأول 2024، عاد عدد من المهجرين من أهالي الحويز إلى قريتهم التي دُمّرت بنسبة تقارب 80%، شأنها شأن كثير من المناطق التي شهدت أهوال الحرب في سوريا، خاصة في أرياف إدلب وحلب وحماة.
واليوم تغيب معظم الخدمات الأساسية عن الحويز، فلا كهرباء في البلدة، شبكات المياه ضعيفة، ولا يوجد صرف صحي، فيما لا تزال أنقاض المباني المهدمة تملأ أحياءها السكنية. كما تكاد فرص العمل تكون معدومة باستثناء ما توفره الزراعة من مورد محدود.
رغم كل هذه الصعوبات، اختار كثير من أبناء القرية العودة، ومن بينهم عبير وعدد من النساء اللواتي يعملن في الحقول. تقول عبير، وهي امرأة طويلة القامة نحيلة الجسد، إن يوم العمل يبدأ عند الخامسة صباحًا، تعمل النساء حتى العاشرة قبل أن يعدن إلى منازلهن للراحة، ثم يستأنفن العمل في الساعة الثالثة بعد الظهر حتى السابعة مساءً.

في الحقول، تقوم العاملات بإزالة الأعشاب الضارة وقطاف الثمار من المحاصيل الموسمية وحصاد القمح ونبات الأعلاف البرسيم، يتم حشو هذا الأخير في أكياس قش كبيرة. يجب ملء 150 كيسًا يوميًا بهذا النبات العشبي ذي الجذور العميقة. الأجر اليومي عن ذلك هو خمسة دولارات للشخص الواحد، وهو مبلغ لا يكفي حتى لوجبة واحدة.
ومع ذلك، تواصل النساء العمل. تقول عبير وهي تضغط القش في أحد الأكياس: ”ليس لدي خيار آخر، يجب أن أعمل لأطعم نفسي وأطفالي، حتى لو كان ذلك وسط الأنقاض“. في أوائل مايو، عادت السيدة البالغة من العمر 39 عامًا مع أطفالها الذين تتراوح أعمارهم بين 8 و 18 عامًا من مخيم للنازحين في إدلب إلى الحويز.
نشأت عبير في القرية، وبنت حياتها هناك مع زوجها الذي توفي قبل عشر سنوات بسبب السرطان. منذ وفاته، تعيل عائلتها بمفردها. الآن، أقامت خيمة لها ولأطفالها بالقرب من أنقاض منزلها، وقامت بتجديد غرفة بمساعدة عمال البناء لتخزين متعلقاتها فيها.
حليمة الجاسم، عاملة أخرى عادت مع زوجها وأطفالها الأربعة من طرابلس في لبنان إلى الحويز في بداية العام، بعد أن طردهم مالك العقار من مسكنهم عقب سقوط نظام الأسد.
تقول الشابة البالغة من العمر 27 عامًا: ”عدنا بملابسنا فقط وبدأنا من الصفر“. في الحويز، شاركت مع أخت زوجها ونساء أخريات في ورش عمل زراعية وانضمت إلى ورشة عمل لتوفير دخل لأسرتها في ظل قلة فرص العمل في وطنها المدمر. تقول: ”الحياة صعبة، لكننا نحاول. ليس لدينا خيار آخر سوى الحقول“.
كل صباح، تودع حليمة أطفالها وتسير على الطريق غير المعبدة قبل أن تصعد إلى الشاحنة لتصل إلى الحقول. أجرة النقل بالشاحنة تقطعها من أجرتها اليومية.
تروي الجاسم مدى خطورة مغادرة المنزل قبل شروق الشمس، إذ توجد في الحقول العديد من الكلاب الضالة والحشرات السامة والثعابين. تصف يوم عملها قائلة: ”أمسك المنجل في يد وهمومي في اليد الأخرى، بينما يبقى قلبي في المنزل مع أطفالي“.
تنظر بتعب إلى يديها الخشنتين وتشرح: ”نعمل ونصمت، وأحيانًا نضحك معًا أو نشكو لبعضنا البعض مشاكلنا وهمومنا. لكن الأهم هو أننا لا نضطر إلى طلب المال من أحد بفضل عملنا”.
عودة عبير شيخو إلى قريتها بعد ست سنوات من النزوح تملؤها السعادة، مثلها مثل العديد من سكان الحويز، لولا أن القرية مدمرة إلى هذا الحد.
يعيش معظم العائدين في أنقاض منازلهم أو في خيام مؤقتة مثل عبير. وهي بحاجة ماسة إلى ألواح شمسية لتوليد الكهرباء، تريد تركيبها على أنقاض منزلها، لكن تكلفة شرائها مع البطارية ورافع الجهد تبلغ حوالي 500 دولار، ولهذا عليها أن تعمل ضعف ما تعمله عادة.
النساء في الزراعة
لطالما كانت النساء هن اللواتي يقمن بأعمال الزراعة في الحويز. وفقًا لتقديرات المجلس المحلي، يشكلن حوالي 70 في المائة من القوى العاملة، وتتراوح أعمارهنّ بين 16 و 60 عامًا. عائلة عبير هي واحدة من حوالي 800 عائلة، عادت إلى القرية من مخيمات اللاجئين في شمال سوريا بعد سقوط نظام الأسد. عاد الكثير منهم بمحض إرادتهم وبسبب حنينهم إلى الوطن. بينما عاد آخرون مؤقتًا للعمل في مواسم الصيف.

زراعة القمح و البرسيم والقطن وأنواع مختلفة من الخضروات مثل الباذنجان والطماطم والفاصوليا والبازلاء لطالما كانت مصدر الدخل الرئيس لسكان سهل الغاب. بالنسبة للكثيرين، هو مصدر الدخل الوحيد.
بعد 14 عامًا من الحرب تنتشر البطالة والفقر مع ارتفاع تكاليف المعيشة في المجتمع السوري. وفقًا لتقرير الأمم المتحدة (في فبراير 2025)، تبلغ نسبة الفقر في البلاد 90 في المائة، ويحتاج 5.7 مليون شخص إلى سقف فوق رؤوسهم، ويفتقر 14 مليون شخص إلى المياه النظيفة.
منذ بضعة أسابيع، تقوم عبير شيخو وحليمة الجاسم، مثل العديد من النساء الأخريات، بحصاد القمح في الحقول. الأيام الطويلة ليست مرهقة فحسب، بل إنها تشكل خطرًا على الحياة أيضًا. إلى جانب الحرارة الشديدة ولدغات الثعابين والعقارب، تتعرض العاملات أيضًا لخطر الألغام.
ما تزال مساحات شاسعة من سهل الغاب ملوثة بألغام نظام الأسد. كما هو الحال في جميع أنحاء سوريا، فإن إزالة الألغام من حقول سهل الغاب تسير ببطء.
ووفقًا لعبد الحليم الحسن، رئيس المجلس المحلي، فإن السبب في ذلك هو قلة المبادرات من قبل فرق المتطوعين المحليين والسكان الذين يعملون مع خبراء من وزارة الدفاع لإزالة الألغام في القرية. كما أن أجهزة إزالة الألغام المتاحة قليلة.
وكما هو الحال في العديد من المناطق الأخرى في المنطقة، لا يمكن التنبؤ، وفقًا لعبد الحليم الحسن، بموعد إعلان خلو الحويز من الألغام. ”تم إزالة الألغام من بعض الحقول الأكثر أهمية، لكن العديد من المناطق المجاورة لا تزال غير آمنة“. كما أنه من الصعب تحديد المناطق الملغومة. وبأعجوبة، لم يصب أو يقتل أي شخص حتى الآن في الحويز بسبب الألغام. لكن قطيعاً من 150 رأسًا من الأغنام تعرض للانفجار.
عندما سُئلَت عن كيفية تأمين عبير في حالة المرض أو وقوع حادث في الحقل، وعما إذا كانت تعرف حقوقها كعاملة، ضحكت. ”أهم حق بالنسبة لي وأصر عليه هو استراحة قصيرة نتشارك فيها نحن العاملات كوبًا من الشاي“. تقول، لا يوجد تأمين صحي أو أي حماية قانونية أخرى للعاملات الزراعيات في القرية. كما لا توجد حماية من استغلال أرباب العمل.
على الرغم من ارتفاع معدل التضخم في البلاد ظلت أجور العمل في الحقول دون تغيير منذ سنوات، ولا توجد نقابات أو هيئات رقابة حكومية تنظم العمل الزراعي وتتحقق من توافر شروط السلامة، أو تقدم تأمينًا صحيًا أو اجتماعيًا، أو تعمل على تحسين ظروف العمل. بل إن علاقات العمل منظمة في ورشات مؤقتة يعمل فيها ما يصل إلى عشرين امرأة، ويشرف عليها عادة رجل يُدعى ”شاويش“، أي ”مدير الورشة“.

يوجد في الحويز حوالي عشر من هذه الورش، ولكن مع عبير يوجد ”شاويشة“ واحدة فقط. إن وجود امرأة مثل عبير مسؤولة عن العاملات في الورشة، وتشرف على عملهن، وتنقلهن يوميًا بسيارتها من منازلهنّ إلى الحقول، هو أمر فريد من نوعه في القرية. تقول: ”عندما أقود السيارة، ينظر إلي الناس بنظرة غريبة“.
إن وجود امرأة خلف عجلة القيادة، ناهيك عن قيادة شاحنة، هو أمر قليل الحدوث في سهل الغاب. اشترت عبير السيارة قبل نزوحها، بعد أن باعت قطعة أرض، وذلك أيضًا لتأمين عمل لها. أصبح حبها للقيادة، الذي أيقظه وشجعه والدها، مصدر دخل آمن.
تعلمت عبير قيادة السيارة في سن الثانية عشرة. قبل ذلك، كانت تقود الدراجة والجرّار، ثم شاحنة والدها الذي كان يقدّر شغفها بالعمل في الحقول والقيادة.
مثل العديد من العاملات، تعلمت عبير العمل في الزراعة من والدتها عندما كانت فتاة صغيرة. ”إنه الشيء الوحيد الذي أستطيع فعله“، تقول. أثناء الحرب، عندما كانت تعيش في المخيمات شمال إدلب، كانت تساعد في حصاد الزيتون أو القمح وزراعة الورود حسب الموسم. كانت تعيل نفسها وأطفالها بيديها.
على الرغم من المشقة اليومية، ما تزال الزراعة هي الأمل الوحيد لبناء حياة جديدة لها ولعائلتها، حتى بعد تحرير سوريا. رغم أن المحصول سيئ هذا العام بسبب الجفاف وتأخر زراعة القمح. والتربة مهملة وقاحلة بسبب الحرب. عبير ونساء الريف في الحويز يواصلن العمل: ”طالما لدينا أرض، لدينا فرصة للبقاء على قيد الحياة“.
