أمام موقد حطب عليه قدر من الحليب، جلست الستينية أم حسام رفقة زوجة ابنها، وهي تروي حكايتها. تنظر إلى الحليب المغلي الذي أحضره البائع لتصنع منه لبناً للبيع مقابل أجرة تتقاضاها من عملها الذي امتهنته بعد نزوحها وسكنها على أطراف مدينة إدلب.
قرية حملت اسم قبر فضة في سهل الغاب، كانت مسقط رأس أم حسام الذي لم تغادره منذ ولادتها حتى نزوحها قبل ست سنوات. لم تتوقف أم حسام عن العمل منذ بداية حياتها. مزارعة تحرث وتبذر وتقطف الثمار، تربي الدواجن، وأخيراً صانعة لبن، مصدر رزق العائلة الجديد.
عن عملها اليوم، ذاكرتها القريبة والبعيدة، التحولات التي عاشتها المرأة الريفية بين الريف والمدينة، الماضي والحاضر، كان حوارنا مع أم حسام التي أجابت عن سؤالنا “كيف تقضين يومك اليوم بعد النزوح” بقولها:
“أستيقظ مع الفجر، أشعل الحطب وأغلي الحليب الذي يُحضره البائع، ثم أبدأ بصناعة اللبن بمساعدة زوجة ابني. أبيع ما ننتجه يوميًا للمحال التجارية في المدينة، وهذا العمل أصبح مصدر رزقنا الأساسي”.
“اضطررتُ إلى هذا العمل بعد أن أُصيب ابني البكر بغارة جوية أقعدته على كرسي متحرك. ورغم التعب، لا أستطيع التوقف عن العمل، لأنني أجد فيه معنى الحياة. أحب رائحة الحليب والموقد، وأشعر أن العمل هو ما يُبقيني واقفة على قدميّ”.
“هو عمل ممتد منذ الطفولة”، تروي أم حسام حين عدنا معها بالذاكرة إلى “الزمن الذي بدأت به صناعة الألبان”، تقول: ” منذ طفولتي وأنا أعمل بتربية الأبقار والأغنام والنحل. كانت حياتنا تعتمد على خيرات الأرض والحيوانات”.
“أذكر أن في منزل والدي كانت لدينا سبعة عشر رأسًا من الأبقار، نربط كل واحدة منها بجذع شجرة في ساحة الدار. كنتُ أحلب خمس بقرات في اليوم ولا أشعر بالتعب. وعندما ظهرت آلات الحليب الصناعية، قلت لأمي، رحمها الله، : “لا أحب هذه الآلات، ولا أحب العمل عليها، أرتاح عندما أعمل بيدي”.
“أحنّ لتلك الأعمال التي تمنحنا شعورًا بالرضا والقرب من الطبيعة”.
عن شبابها كـ امرأة ريفية في القرية، ابتسمت أم حسام وهي تستعيد ما علق في ذاكرتها، تروي لنا: “كانت الحياة بسيطة وجميلة. نزرع ونأكل مما تنتجه أرضنا. كنا نزرع القطن، والشوندر السكري، و “ميّال الشمس” كما كنا نسميه، إضافة إلى الخضروات الصيفية مثل البندورة والخيار والفاصولياء”.
“عند انتقال أهلي إلى سهل الغاب كنت في الثانية من عمري، وكانت أرضنا قريبة من نهر العاصي، خصبة ومليئة بالخيرات. كل شيء كان متوفّرًا من الخضروات إلى الثمار وحتى الأسماك. لم نكن نشتري من الأسواق كما نفعل اليوم”.
“كان الرجال والنساء يعملون معًا في زراعة المحاصيل وحصادها، النساء تجنين الخضروات وتجهزن المؤونة. كنا نقدد الباذنجان و نسلق القمح “السليقة” في قدر كبير نسميه “الحلّة”، نجففها بالشمس ثم نطحنها لتكون جاهزة لطهو وجبات البرغل اللذيذة، و نخزنها بكميات كبيرة، الآن نحن نشتري بالكيلوغرام”.
“كنت أذهب إلى الأرض لأملأ “نقالًا” مصنوعًا من القصب والقش بـ عرانيس الذرة الصفراء، ثم أقشرها وأضعها على أطراف الحنطة المغلية “السليقة”. وعندما تنضج الحنطة والعرانيس، كنا ننتشلها في أوعية كبيرة، ننشر القمح على سطح المنزل ونضع عرانيس الذرة جانبًا. كانت أعمالنا جماعية، تتعاون فيها العائلة والجيران”.
ذات صلة:
المرأة الريفية في المخيمات: منسية ومتروكة لقدرها وقدرتها
يوم المرأة العالمي: رئيفة سميع ناضلت من أجل سيدات إدلب
“الحياة مرّة متل الزيتون” .. حكاية نساء عاملات في موسم قطاف الزيتون
للعلاقة مع سكان القرية حديث مليء بالحنين عند أم حسام، تعدّ أسماءهم ويشرق وجهها كلما تأكدت أنها ما تزال ذاكرتها حاضرة، تخبرنا أن السمة الأبرز التي كانت تجمع السكان هي المحبة، تقول:
” كانت المحبة تجمع الجميع. إذا احتاجت عائلة إلى عمل، يتعاون معها الجيران فورًا. كنا نجلس تحت فيّ شجرة التين قرب منزلنا، نأكل ونضحك ونتبادل الأحاديث. قبل أيام العيد، كنا نسهر في بيوت بعضنا لصناعة كعك العيد، كل يوم في بيت، والفرح يعمّ القرية كلها. كانت تلك الأيام مليئة بالألفة والبركة. في المدينة هنا العلاقات محدودة جدًا، ولا نكهة لكعك العيد كتلك القديمة”.
لمقارنة حياة المرأة الريفية اليوم بالماضي كان لأم حسام رأي في التغيرات التي دخلت إلى المكان، تجيب:
“تغيرت الحياة كثيرًا. اليوم المرأة الريفية أصبحت مثل المرأة في المدينة، لديها غسالة أوتوماتيك وغاز وكهرباء، ولم تعد تتعب كما كنا نتعب نحن. في الماضي. كنا نغسل بأيدينا، ولا تتوفر المياه في المنازل. كنا نذهب إلى نهر العاصي لنملأ الماء، يبعد عنا نحو خمسمئة متر، ونحمل كل يوم نحو خمسة عشر قادوسًا. اليوم، إذا لم تضخ الماء بالحنفية، لا تستطيع المرأة أن تعمل شيئًا. تطور الزمن، لكن بركة الماضي وجماله لا يعوّضان. كنا نعمل بجهد، ولكن بفرح ورضا”.
أكثر ما تشتاق إليه أم حسام كان خبز التنور، تقول “ما تزال رائحته في ذاكرتي. كنت أعجن الطحين ليلًا، وقبل السحور في رمضان أشعل التنور وأخبز خبزًا طريًا نتناوله على السحور. حتى في عزّ الصيف، في شهري تموز وآب، كنت أعمل دون كلل. لا أظن أن نساء اليوم يمكن أن يتحملن ما كنا نتحمله”.
تجربة المرأة الريفية لسنوات طويلة لا يمكن أن تمرّ دون دروس، تخبرنا أم حسام أنها تعلّمت أن “من يعمل لا يشيخ، وأن الرضا يجعل التعب سهلاً. الأرض والموقد والحليب رفقائي منذ كنت فتاة صغيرة، وما زلت أشعر أن فيهم دفء الحياة. رغم النزوح وصعوبة العيش”.
تختصر أم حسام في حديثها صورة جيلين من النساء الريفيات. جيل عايش بساطة الحياة في القرى، حيث كانت المرأة تشارك في الزراعة وتربية الأبقار والأغنام والنحل، وتعتمد على جهدها اليومي في تأمين قوت أسرتها. وجيل آخر يعيش اليوم في ظلّ حياةٍ أكثر راحة وأقل ارتباطًا بالأرض والعمل اليدوي.
من تجربتها الممتدة بين سهل الغاب وأطراف إدلب، ترى أن المرأة الريفية تغيّرت أدواتها وظروفها، لكنها ما زالت تتحمل مسؤولية البيت وتواجه قسوة الواقع بقدرةٍ لا تقلّ عن الماضي.
