فوكس حلب

مجلة الكترونية تغطي أخبار محافظة حلب وعموم الشمال السوري.

عام دراسي على الأبواب ومدارس في إدلب خارج الخدمة

أميمة محمد

هنا، حيث تحوّلت مدارس إلى ركام، يطرح تلاميذ إدلب سؤالهم البسيط والموجع: هل سنجد هذا العام مدرسةً آمنةً نتعلم فيها؟

على أكوام الركام المتناثرة في مدرستها المهدّمة في بلدة حاس بريف إدلب الجنوبي، تقف الطفلة أسيل، تسعة أعوام، تحدّق بصمت في شقوق الجدران المتصدعة والباحة المكشوفة.

تنتقل أسيل بخطواتها فوق الحجارة المبعثرة والزجاج المحطم، تعاين الصفوف الخالية من المقاعد والأبواب والنوافذ، قبل أن تلتفت إلى والدتها وتسأل ببراءة رافعة حاجبيها: “كيف سيبدأ العام الدراسي ولم ترمم المدرسة بعد؟ هل سأبقى من دون تعليم؟”

أسيل، التي اعتادت على التفوق في سنواتها الدراسية السابقة في مدرسة بمدينة سرمدا شمالي إدلب، تخشى أن يفوتها مقعد الدراسة هذا العام. مثل آلاف الأطفال العائدين مع عائلاتهم إلى ريف إدلب الجنوبي، تترقب أسيل بقلق إعادة تأهيل المدارس المدمرة لتصبح صالحة للدراسة، بعد أن تركت المعارك عشرات المباني التعليمية  بلا أبواب ولا نوافذ، بعضها من دون أسقف أو جدران، إثر ما شهدته المنطقة من معارك وسيطرة متعاقبة.

حلول إسعافية لعدد محدود

نقلت مواقع عن وزارة التربية والتعليم السورية، أن 27 ألف مؤسسة تعليمية في عموم المحافظات السورية تضررت، من بينها 500 تحتاج لإعادة بناء كامل، و 2000 منها بحاجة لإصلاحات كبيرة، وأكثر من 19 ألف بحاجة إلى صيانة دورية.

حتى الآن، لم يتجاوز عدد المدارس المرممة في كل بلدة أو قرية بريف إدلب الجنوبي، مدرسة أو مدرستين، بحسب من التقيناهم من أهالي المنطقة العائدين، يقولون إنها لا تكفي للأعداد الكبيرة من التلاميذ العائدين، معظمهم أجلوا عودتهم بعد سقوط نظام الأسد الذي تزامن مع اقتراب امتحانات السنة الدراسية 2024- 2025 لحين إتمام عامهم الدراسي.

أم وليد، سيدة من بلدة حاس مازالت تترقب بأعصاب مشدودة أخبار مدارس البلدة، لما له من دور في قرار العودة بعد أن رحل معظم أهالي المخيم الذي تقطن فيه على طريق سرمدا حارم، تقول: “كنا نظنّ أن تأهيل المدارس لن يتأخر إلى هذا الحد، وأن الحكومة ستعير قطاع التعليم الأولوية في إعادة الإعمار”.

شهدت أم وليد مجزرة الأقلام قبل ثمان سنوات، قتل فيها 36 شخصاً معظمهم من الأطفال والمعلمين أثناء الدوام المدرسي، ففي تشرين الأول عام 2016 استهدفت طائرات حربية تجمع مدارس بلدة حاس بصواريخ حرارية تحمل بمظلات، تدمرت إثرها مدارس القرية الثلاث.

تحديات بالجملة

أم حسن، وهي من العائدين إلى بلدة معرة حرمة بريف إدلب الجنوبي، تحدثت عن مخاوف ابنتها هبة التي ترغب بمتابعة دراستها الثانوية هذا العام، لكنها اصطدمت بواقع عدم توافر مدرسة ثانوية في البلدة.

تقول الأم: “سنضطر إلى إرسالها إلى كفرنبل أو كفرسجنة مع بقية طلاب القرية، وهذا سيزيد من أعبائنا المادية، وإلا ستكتفي بمتابعة مبادرة مسارات التي تستهدف التلاميذ غير القادرين على الوصول إلى المدارس لإعطائهم المناهج الدراسية عبر الهاتف المحمول”.

تأمل هبة أن تخوض عامها الدراسي الجديد دون تكرار تجربة قطع مسافات طويلة للوصول إلى المدرسة أثناء نزوح أسرتها إلى قرية قودة بريف عفرين، حيث كانت تقطع يوميًا نحو سبعة كيلومترات للوصول إلى ثانوية قرية راجو.

تخبرنا أم حسن أن زوجها معلم مدرسة، وكان يتقاضى 2000 ليرة تركية يدفعها أجور مواصلات لهبة وأختها في سبيل إكمال تعليمهن. تقول: “هذا العام كنا نأمل أن تنتهي التحديات السابقة بفتح مدرسة ثانوية تخفف علينا الضغوط النفسية والمادية التي تعرضنا لها فترة النزوح التي تجاوزت ست سنوات”.

تستذكر الأم وابنتيها الصعوبات اليومية “الطريق كان جبليًا ووعرًا يحيط به وادٍ عميق، وفي أيام الضباب والثلج كنت أخشى على سلامتهنّ. ذات مرة تأخرت سيارة الطلاب حتى المساء بعد أن أغلق الثلج الطريق، ولم يتمكن الطلاب من العودة إلا بتدخل فرق الدفاع المدني التي فتحت الطريق أمام السيارات.”

خطط عاجلة لا تلبي الاحتياج

يقول عبد الرزاق الخنوس، مدير مدرسة البنات الإعدادية في معرة حرمة، إن القرية لا تضم سوى مدرسة واحدة يجري تجهيزها بدعم من منظمة ADRA، إذ أعيد تأهيل طابقين منها بانتظار وصول المقاعد نهاية الشهر الحالي.

وأشار إلى أن بقية المدارس إما مدمرة بشكل كلي وتحتاج إلى تجريف، أو متضررة جزئيًا ويمكن إعادة بنائها، ما يجعل من المستحيل استيعاب جميع الطلاب في مدرسة واحدة. ويضيف: “سنضطر إلى تقسيم الطلاب على دفعتين، فوج للذكور صباحًا وآخر للإناث مساءً، وفي حال لم تُرمم مدرسة إضافية فلن نتمكن من استيعاب جميع العائدين”.

يكشف الخنوس عن تحديات أكبر تواجه طلاب المرحلة الثانوية، إذ لا توجد أي مدرسة مؤهلة لهم، يقول: “نحتاج إلى مبنى مجهز بالمقاعد والسبورات واللوازم الأساسية. اخترنا ترميم مدرسة وسط البلدة لتسهيل وصول أكبر عدد من الطلاب، لكن سكان أطراف البلدة سيضطرون لقطع مسافة تصل إلى  ثلاثة كيلومترات.”

وبحسب إحصائية المجلس المحلي، بلغ عدد التلاميذ في البلدة نحو 1200 تلميذًا، دون حساب طلاب المرحلة الثانوية. ومع غياب التمويل الكافي، تبقى المبادرات المحلية عاجزة عن تلبية الحاجة بحسب بعض عائدين من أهل القرية.

يوضح الخنوس: “ترميم أي مدرسة يتطلب ما لا يقل عن عشرة آلاف دولار، وهذا مبلغ لا يمكن للأهالي جمعه بسهولة وسط الظروف المادية السيئة لمعظمهم”. ويحذر الخنوس من أن إغلاق المدارس قد يؤدي إلى نزوح عكسي للأهالي، معتبرًا أن التعليم ضرورة أساسية للاستقرار.

يقول: “لا يمكن لولي أمر أن يترك أبناءه من دون تعليم، ومعظم الأهالي يعتمدون كليًّا على المدارس العامة لعدم توافر معاهد أو قدرة على التعليم الخاص”.

يزداد المشهد تعقيدًا عند عدم توافر المستلزمات اللوجستية، يشير الخنوس إلى ذلك قائلاً: “التربية لم تزودنا بعد بالكتب المدرسية، ولدينا كمية قليلة من الكتب المستعملة لا تكاد تكفي ربع عدد التلاميذ”.

تكاتف بموارد شحيحة

توضح جميلة الزير، معاونة مدير التربية، أن المديرية وضعت خطة تمتد على ستين يومًا لإعادة تفعيل المدارس المتضررة، تخضع من خلالها بعض المباني لصيانة جزئية بهدف استيعاب أعداد التلاميذ العائدين. وفي حال تعذّر إنجاز الصيانة بالسرعة المطلوبة، يتم اللجوء إلى مراكز تعليمية مؤقتة ريثما تُستكمل أعمال التأهيل في القرى.

وتشير الزير إلى أن عددًا من المنظمات المحلية يقدّم دعمًا لقطاع التعليم، غير أن المشاريع تبقى محدودة نتيجة ضعف التمويل، بينما تُسهم جهود المجتمع المحلي والمحافظة في ترميم بعض المدارس. كما رُشحت عدة منظمات لصيانة مبانٍ تعليمية إضافية، لكن الاحتياجات ما تزال كبيرة بسبب هشاشة البنية التحتية، خصوصًا في المناطق التي تمت استعادتها مؤخرًا.

وتؤكد أن مديرية التربية تعمل بكامل طاقتها لمعالجة الوضع، من خلال متابعة أعمال الصيانة، ونقل المدارس من مجمع إلى آخر، إضافة إلى إعادة توزيع الكوادر التعليمية، بما يضمن حق الأطفال في الوصول إلى التعليم.

كما بحث مدير مكتب تنسيق العمل الإنساني مع محافظ إدلب مشروع ترميم 36 مدرسة في ريف إدلب بالتنسيق مع مديرية التربية في خطوة لتحسين البيئة التعليمية لطلاب المدارس.

وأشارت منظمة اليونيسيف  مطلع العام الفائت إلى أن هناك ما يقارب 2.5 مليون طفل خارج المدرسة في سوريا، أكثر من مليون طفل منهم معرضون لخطر التسرب. وأن 7.2 مليون طفل بحاجة إلى دعم تعليمي وأن واحدة من كل ثلاث مدارس غير صالحة للاستخدام بسبب تدميرها أو إتلافها.

بينما ينتظر آلاف الطلاب، مثل أسيل وهبة، أن تتحول وعود الترميم والتأهيل إلى واقع ملموس، تبقى أزمة التعليم في إدلب معلّقة بين نقص الموارد وكثرة الاحتياجات. ومع كل عام دراسي جديد، تتجدد آمال الأهالي بأن يجد أبناؤهم مقعدًا وكتابًا ومدرسة آمنة، تضمن لهم حقهم الأساسي في التعلم.