فوكس حلب

مجلة الكترونية تغطي أخبار محافظة حلب وعموم الشمال السوري.

عام دراسي بلا مدارس.. تلاميذ تل الضمان يواجهون المستقبل بين الركام

خالد الحسين

أطفال تل الضمان يستقبلون العام الدراسي بمدارس خالية من الصفوف والمقاعد والمعلمين، وآمال الأهالي معلقة على استجابة رسمية غائبة

جدرانٌ مثقوبة وأبوابُ مخلّعة وصفوفٌ بلا مقاعد وخزانات مياه، في مشهد يلخص حجم الانهيار الذي أصاب قطاع التعليم في ناحية تل الضمان والقرى المجاورة بريف حلب الجنوبي.

لا يجد علي وحمزة وابن عمهما محمود البنية سوى الركام عوضاً عن الصفوف في قريتهم المجاص بناحية تل الضمان التي عادوا إليها مع عائلاتهم بعد سنوات من النزوح في شمالي إدلب ليبدؤوا عامهم الدراسي في مدرستي قريتهم.

عاد والد علي وحمزة من مخيم النزوح إلى قريته المجاص، على أمل أن يلتحق أطفاله بمدرسته القديمة، إلا أن الواقع كان صادمًا، وجد ركاماً من الأنقاض وبقايا هياكل وجدران تفتقر إلى الأبواب والنوافذ.

يقول علي: “رسم لنا والدي صورة عن هذه المدرسة وكنت أتمنى أن أكمل دراستي هنا”. أما ابن عمه محمود، الناجح إلى الصف الثالث الابتدائي فـ يروي بخيبة: “تركنا مدرستنا بالمخيم وجينا عالضيعة طلع مافي مدرسة”.

ركام لمدرسة في قرية المجاص، ريف حلب الجنوبي، أيلول 2025.
ركام لمدرسة في قرية المجاص، ريف حلب الجنوبي، أيلول 2025.

على بعد أمتار من مدرسة المجاص تقع المدرسة الثانية في القرية، هوبر، المدرسة الناجية جزئياً من القصف والدمار الكلي، لكنها لم تنج من السرقة والتعفيش. وتعد من أقدم مدارس ريف حلب الجنوبي، تأسست عام 1954، وخرّجت مئات التلاميذ على مدى عقود

يقول المدرّس إبراهيم الثلاج، لم يتبق فيها سوى صفين صالحين للاستخدام، في حين تفتقر المدرسة إلى المقاعد والأبواب والنوافذ والوسائل التعليمية.

حال مدرستي هوبر والمجاص لا يختلف عن مدارس القرى الأخرى في ناحية تل الضمان التي تضم 51 مدرسة، ستٌ منها مدارس إعدادية وثلاث ثانويات فيما يشكل الباقي مدارس ابتدائية تخدّم 44 قرية، يقدر عدد سكانها بنحو 25  ألف نسمة. 

برجس الحسين، رئيس المجلس المحلي في بلدة تل الضمان، قال إن معظم الهياكل الخارجية لهذه المدارس هي مبانٍ، باستثناء ست قرى كانت مدارسها عبارة عن غرف مسبقة الصنع، تمت سرقتها على يد عناصر تابعة لنظام الأسد خلال فترة سيطرتها على المنطقة، وهو ما جعل القرى بحاجة ملحة اليوم إلى كرفانات بديلة لتعويض تلك الغرف.

وأوضح الحسين أن ثلاث مدارس في المنطقة تعرضت لدمار كامل: إعدادية تل الضمان والمدرسة الابتدائية القديمة في قرية الحانوتة، ومدرسة المجاص بينما تعاني 48 مدرسة أخرى من أضرار جزئية متفاوتة.

فمنذ 2011 شهدت منطقة تل الضمان بريف حلب الجنوبي أحداثاً ميدانية، وتحولت إلى ساحة قتال بين قوات نظام الأسد وفصائل المعارضة بين عامي 2012 و 2018، أسفرت عن موجات نزوح واسعة وتوقف شبه كامل للخدمات.

مدرسة قرية جب كاس في ريف حلب الجنوبي، أيلول 2025.
مدرسة قرية جب كاس في ريف حلب الجنوبي، أيلول 2025.

في 2018 تمكن نظام الأسد بدعم روسي من استعادة السيطرة عليها عبر هجوم بري موسع تعرضت خلاله المنطقة، مثل سائر بلدات ريف حلب الجنوبي، إلى تدمير البنية التحتية والسرقة والتعفيش الذي طال المدارس أيضاً.

أحمد حمود، أحد أهالي تل الضمان العائدين إليها قبل أشهر من مدينة عفرين، وصف المنطقة بـ المنكوبة من ناحية الخدمات والبنية التحتية.  أحمد أب لأربعة أطفال بينهم اثنان في المرحلة الابتدائية، أعرب عن قلقه بشأن مستقبل التعليم لأطفاله، مؤكّدًا أنه حتى الآن لم تُرمم أي مدرسة أو تُجهز في البلدة وأن المدارس بمعظمها إما مدمرة بشكل كلي أو جزئي، وتفتقر إلى أبسط التجهيزات اللازمة لبدء العام الدراسي الجديد

وفق أحمد فإن الأهالي أمام خيارات ضيقة إما العودة إلى الشمال السوري لمتابعة تعليم أبنائهم رغم ما يترتب على ذلك من استمرار النزوح أو التوجه إلى مدينة حلب بما يحمله ذلك من تكاليف باهظة تتعلق بالنقل والسكن والتعليم.

أما الخيار المتاح بحسب الأهالي، فهو إبقاء أطفالهم دون تعليم في انتظار أن تتحرك وزارة التربية لبدء إصلاح المدارس وتأهيلها. ويؤكد أحمد أنه يفكر جديًا بالعودة مجددًا إلى عفرين مكان نزوحه السابق في حال لم تفتتح أي من مدارس تل الضمان قريبًا.

يغيب دور المنظمات الإنسانية والتعليمية عن منطقة تل الضمان بشكل شبه كامل رغم الحاجة الماسة باستثناء زيارة يتيمة لمنظمة مداد التعليمية التي اطلعت خلالها على أوضاع ثانويتي تل الضمان و البطرانة، ودرست إمكانية ترميمهما وتجهيزهما، إلا أنها لم تبدأ عملها حتى الآن، وفق ما أكده الحسين. يقول “لم تبادر مديرية تربية حلب بأي خطوة فعلية لصيانة أو تأهيل المدارس في المنطقة”.

مدرسة قرية الكسيبة في ريف حلب الجنوبي، أيلول 2025.
مدرسة قرية الكسيبة في ريف حلب الجنوبي، أيلول 2025.

وأشار الحسين إلى أن جميع المدارس في المنطقة تحتاج إلى إعادة تأهيل شاملة، لا تقتصر على الترميم فقط، بل تشمل أيضًا تجهيز الأثاث واللوازم الأساسية مثل الأبواب والشبابيك والسبورات والخزانات ودورات المياه، ما يجعل العملية برمتها ضرورة عاجلة لضمان استمرار التعليم.

المكتب الإعلامي في وزارة التربية قال لفوكس حلب إن المحافظة تضم 99 مدرسة مدمرة كليًا، و 163 مدرسة تعرضت لأضرار كبيرة، إضافة إلى 687 مدرسة متضررة بشكل متوسط و 720 مدرسة بأضرار طفيفة، وأضاف أن إحصائيات منظمة اليونيسف تشير إلى وجود نحو مليوني طالب متسرب من التعليم في سوريا.

إضافة للدمار الكبير في منطقة تل الضمان التابعة لمنطقة جبل سمعان في جنوب محافظة حلب، هناك شبه غياب للكوادر التدريسية فيما تكاد المناهج والوسائل التعليمية تنعدم. ومع محدودية المبادرات الأهلية وغياب الدعم المؤسسي يزداد قلق الأهالي على مستقبل أبنائهم.

يقول محمود إبراهيم، ممثل أولياء الأمور في قرية أبو رويل: “لدينا نحو 28 طفلًا، لا نعرف مصيرهم التعليمي، لا توجد خطة واضحة ولا دعم. الأهالي يفكرون بالعودة إلى مناطق النزوح خوفًا على مستقبل أطفالهم”.

مدرسة قرية مكلحة في ريف حلب الجنوبي، أيلول 2025.
مدرسة قرية مكلحة في ريف حلب الجنوبي، أيلول 2025.

جبر الجبر، الموجّه التربوي في مجمع سمعان، قال لفوكس حلب إن العام الدراسي سيبدأ في موعده رغم كل التحديات، اعتماداً على حلول بديلة مثل تجهيز صفوف مسبقة الصنع في القرى الأكثر تضررًا، واعتماد نظام الدوام بثلاثة أفواج في المدارس المكتظة، والتكيف مع أعمال الترميم بما يضمن استمرار العملية التعليمية. يضيف: “إذا لم ندعم التعليم الآن فنحن نخسر جيلًا كاملًا. التعليم هو حجر الأساس، وبدونه لا استقرار ولا عودة حقيقية ولا مستقبل”.

واقع التعليم في ريف حلب الجنوبي لا يمكن معالجته دون تدخل حكومي فعّال يعيد تأهيل المدارس ويوفر الكوادر ويضع خطة شاملة لإنقاذ جيل مهدد بالحرمان من أبسط حقوقه.

نايف المحمد، ناشط في ريف حلب الجنوبي، أشار إلى وجود جهود محلية تهدف إلى توثيق المدارس المدمرة في الريف الجنوبي ورفعها للجهات المعنية، موضحًا أنه تم توثيق 75 مدرسة بالاسم والصور، فيما يتم العمل على إعادة تأهيل نحو 40 مدرسة بالتعاون مع مديرية التربية. لم يكن لمدارس تل الضمان نصيب منها.

ريف حلب الجنوبي يواجه عامًا دراسيًا جديدًا بلا مدارس مجهزة لاستقبالهم، فيما تبقى آمال مئات الأطفال معلقة على تحرك جاد يعيد فتح أبواب التعليم في قراهم المدمرة.