على ضفاف نهر العاصي في جسر الشغور شمال غربي سوريا، تقف قوارب الصيادين ساكنة بعد تراجع منسوب مياه النهر. المياه التي كانت تغمر المجرى وتفيض بالأسماك، تراجعت إلى حدّ لم تعد تكفي سوى لقوت قليل.
صيادو المنطقة الذين عاشوا على أسماك النهر لعقود، وجدوا أنفسهم اليوم أمام شباك فارغة وواقع يفرض عليهم انتظار موسم مطري يعيد الحياة إلى مجراهم.
قصص صيادين يواجهون الفراغ
مع تراجع منسوب مياه نهر العاصي وفقدان المخزون السمكي، لم تعد حياة الصيادين كما كانت. أسابيع طويلة من العمل الشاق لم تعد تضمن صيداً يكفي لقوت اليوم، وأحلام من ورثوا المهنة تتلاشى أمام واقع قاسٍ اختزله من قابلناهم من صيادين بـ”الجفاف والممارسات المدمرة”.
محمد رشيد، خمسيني وأحد أقدم الصيادين في جسر الشغور، يستعيد أيامه مع النهر بحسرة. يقول: “كنت أعود يومياً محمّلاً بالأسماك، أبيع جزءاً وأطعم عائلتي الباقي. اليوم أمضي ساعات طويلة ولا أحصل إلا على سمكة أو اثنتين”. محمد الذي ورث المهنة عن والده، يرى أن الصيد بالكهرباء والمواد السامة قضى على ثروة سمكية كانت من الأغنى في سوريا.
ومع تراجع النهر وفقدان الثروة السمكية، اضطر راكان أبو محمد، خمسة وسبعين عاماً، إلى ترك مهنته بعد أكثر من نصف قرن بين الفرات والعاصي. لم يجد بدّاً من التحول إلى بائع جوال لأدوات الصيد، يتنقل بين القرى. يقول: “الجفاف والكهرباء والديناميت دمّروا المخزون السمكي.
العاصي كان رزقاً للجميع، واليوم لم يبقَ فيه ما يكفي”. يعيش راكان حالياً في مخيم عيون عارة بريف حلب الجنوبي، لكنه لا يخفي شوقه للصيد في العاصي بشباكه.

أما عبد السلام المصري (62 عاماً) من سكان جسر الشغور، يواجه واقعاً أصعب بعدما أجبرته عملية قلب مفتوح على التوقف عن أي عمل شاق. يقول: “الصيد هو المتنفس الوحيد لي، لا أستطيع ممارسة أي عمل آخر”. لكن انخفاض منسوب النهر في مدينته يضطره لقطع مسافات طويلة نحو منطقة عزمارين التي تغذيها مياه نبع (عين الزرقا)، ما يكلّفه وقتاً وجهداً إضافيين.
وفي ظل هذه الظروف الصعبة، يسعى أسعد أبو المجد من سلقين إلى الصيد أينما وجد فرصة، متنقلاً بين جكارة ودلبيا والحمزية والجسر المكسور والعلاني ليؤمن قوت عائلته. يقول: “الصيد يحتاج مصاريف مثل البنزين والعلف، فإذا أكرمنا الله، نأكل، وإن لم نوفق بصيد مقبول نعيش بالدَّين”.
يشكو أبو المجد مثل باقي الصيادين من الممارسات المدمرة للنهر: “عندما نصل إلى مكان ضُرب فيه ديناميت أو صُعق بالكهرباء أو سُمِّم، نعود للبيت بلا أي سمكة”.
موسم الجفاف الأسوأ
الأرقام التي زودتنا بها مديرية الموارد المائية في حماة تشير إلى تراجع واضح في منسوب نهر العاصي خلال السنوات الأخيرة. ففي موسم 2020-2021 بلغ التخزين في سد الرستن 157 مليون متر مكعب وفي سد محردة 24 مليون متر مكعب، ليرتفع قليلاً في العام التالي إلى 163 و30 مليون متر مكعب على التوالي.
لكن المنحنى سرعان ما انحدر، فسجّل موسم 2022-2023 تراجعاً إلى 111 مليون متر مكعب في الرستن و 19 مليوناً في محردة، ثم 156 في الرستن و14 في محردة لموسم 2023-2024. أما هذا العام 2024-2025، فهبطت الأرقام بشكل مقلق إلى 62 مليون متر مكعب في سد الرستن و9 ملايين فقط في سد محردة.
مدير الموارد المائية في حماة، المهندس رياض العبيد، أوضح أن هذه التراجعات تعكس انخفاضاً حاداً في القدرة التخزينية للسدّين، نتيجة ضعف الموسم المطري وانخفاض الجريان القادم من منبع النهر.
محمد مهان.. تاجر يترقب النهاية
في سوق دركوش، يجلس محمد مهان (رجل خمسينيّ) صاحب مسمكة العاصي التي اعتاد أن يزودها بشتى أنواع أسماك النهر منذ أكثر من خمسةٍ وثلاثين عاماً. لكن المشهد تغيّر كثيراً هذا العام.
يقول محمد: “قبل انخفاض منسوب العاصي، كان السوق يغصّ بأسماك نهريّة من أنواع مختلفة، منها: البني، الكرسيد، الظيظان، الأنكليز والسلور. كنت أشتري يومياً عشرات الكيلوغرامات من الصيادين وأعرضها على الناس”.
أما اليوم فقد تراجعت الكميات بشكل كبير، كما قلّت الأنواع المعروضة وزادت الأسعار من 10 لـ 15 ليرة تركية على الكيلوغرام الواحد. يقول: “السمك صار حلماً على موائد الناس”.
يختم محمد وهو يهز رأسه بحزن: “تأثر عملي كثيراً، السوق لم يعد يلبي رغبة الزبائن. حين يطلبون أنواع سمك كانت تعيش في النهر ولا يجدونها، يضطرون لشراء السمك من المزارع، والفرق كبير بين الطعم الطبيعي وطعم الأسماك المرباة”.
تأثير على التنوع البيولوجي
نهر العاصي الذي سُمّي بهذا الاسم لأنه يجري من الجنوب إلى الشمال بعكس اتجاه الأنهار الطبيعية، ينبع من سهل البقاع في لبنان، ويدخل سوريا مارّاً بحمص وحماة وجسر الشغور، ليكمل مساره إلى تركيا حيث يصب في خليج السويدية على البحر المتوسط.
وتظهر الدراسات البيئية أن جفاف العاصي وتلوثه أثّر بشكل مباشر على الثروة السمكية. ففي نوفمبر 2022 شهدت منطقة دركوش نفوق أطنان من الأسماك بسبب تصريف مياه معاصر الزيتون الملوثة إلى النهر.
كما يؤدي شح الأمطار وانخفاض منسوب المياه إلى تقلّص المساحات المائية المتاحة لتربية الأسماك، ما يهدد التنوع البيولوجي والأمن الغذائي والاقتصاد المحلي.
أزمة المياه.. كيف تدار
بحسب مدير الموارد المائية في إدلب، المهندس مصطفى محمود سماق، فإن مديريات الموارد المائية تلعب دوراً في إدارة نقص المياه ، يتمثل بعدة نواحي تشمل المراقبة الدورية لآبار المراقبة البيزومترية، وتطبيق سياسات وبرامج للحفاظ على المياه، والبحث عن مصادر مياه جديدة مثل معالجة مياه الصرف الصحي عبر محطات المعالجة وإعادة استخدامها.

كما تُسهم في وضع وتنفيذ خطط البنية التحتية اللازمة مثل تشييد السدود والخزانات، وإعداد برامج التوعية لترشيد استهلاك المياه وتعزيز القدرة على مواجهة فترات الجفاف كما تلعب دوراً في المساهمة بتطوير وتشجيع تقنيات الري الحديثة لترشيد استهلاك المياه.
المجلس المحلي في جسر الشغور، أكد عبر مسؤول العلاقات محمد خليف وجود تنسيق مع وزارة الزراعة لتنظيم فتح وإغلاق سد القرقور في سهل الغاب بما يحافظ على المياه لفترة أطول، مشيراً إلى إمكانية فرض عقوبات رادعة على من يتسبب بسوء إدارة السد، إضافة إلى “جلسات توعية للصيادين والمزارعين بضرورة تقديم الشكاوى الرسمية للحفاظ على حقوقهم عن طريق البلاغات المباشرة أو عن طريق الجوال.
بين شهادات الصيادين والتجار، وتحذيرات الدراسات، ووعود المسؤولين، تبقى حقيقة واحدة واضحة: الشباك الفارغة لصيادي السمك من نهر العاصي ليست سوى مرآة لسياسات إدارة ضعيفة تختلف أسبابها، وتغيرات مناخية قاسية، وتلوث يفتك بما تبقى من ثروته.
صيادو العاصي الذين اعتادوا أن يطعموا بسمكهم عائلات المنطقة وما يجاورها، يجدون أنفسهم اليوم غرباء على ضفافه، يتأملون الماء القليل المتبقي وذكرياتهم الكثيرة معه. وما لم تُتخذ خطوات جادة وسريعة، قد يتحول النهر من شريان حياة إلى مجرد ذكرى في أحاديثهم لأحفادهم.
