على طرقات بلدة مشمشان بريف جسر الشغور غربي إدلب، تقود “حُلوم” شاحنة صغيرة من طراز “بورتر” بكل ثقة، تجمع الحليب من مربي الأبقار وتنقله إلى المعمل، حاملة مسؤوليات أكبر من عمرها. ابنة الخامسة عشرة، صارت اليوم “سند العيلة” بعد أن دفعتها الحاجة لتحلّ مكان والدها، الذي أقعده كسر في قدمه عن العمل.
اسمها حليمة، لكنها تعرف بـ”حُلوم”، وهي واحدة من ثمانية إخوة، سبع بنات وصبي صغير عمره عام ونصف. حين كانت في الحادية عشرة من عمرها، اتخذ والدها قرارًا جريئًا بتعليم ابنته القيادة. يقول: “قبل أن أدرب حلوم على القيادة كان يشغلني سؤال دائم: من سيهتمّ بالعائلة إن أصابني شيء؟”.

حلوم لم تكن البنت الكبرى في عائلتها، فهي الثالثة من حيث الترتيب، لكن الأب اختارها دون تردد. شخصيتها الحازمة، رغم صغر سنها، كانت سبب الاختيار. علّمها نظريًا أولًا، كانت تسأل عن كل التفاصيل: الفرامل، المقود، مقبض اليد، مبدأ السرعة، ثم بدأت تتدرب خلف المقود وهو بجانبها.

بعد عامين، اضطر والدها للتوقف عن العمل بسبب إصابة، فتركت حُلوم المدرسة، وتولّت مهمة جمع الحليب من المُربين في القرى المجاورة ونقله إلى معمل الأجبان حيث يعمل والدها، الذي يمتلك خبرة تزيد عن ثلاثين عامًا.

يبدأ يوم حلوم قبل الفجر. تقود السيارة مع والدها، تسلم الحليب، تعود إلى المنزل، ثم تخرج بجولة صغيرة تعتبرها “فسحة”. تبتسم والدتها حين تصف حركاتها “صارت شوفير بورتر عن حق”. تشرح كيف تغيّر سلوكها: بدأت ترتدي بنطالًا، تشد مفتاح السيارة على خصرها، وتتصرف كأي سائق محترف.

المهام الصغيرة لم تجعل حلوم تشعر بأن الطفولة سُرقت منها، وتفضل قيادة السيارة على أعمال البيت. تقول: “أنا بحب هيك”. تشعر حلوم بالمسؤولية، حتى مصروفها الشخصي لا يضيع سدىً. جمعت 150 دولارًا خلال عام، وزيّنت السيارة كما تحب: فرش جديد، زينة داخلية، وأغطية للعجلات.

تحلم حلوم اليوم بسيارة جديدة لوالدها، وراحة يستحقها بعد سنوات من العمل الشاق. وكانت تخطط لاستبدال السيارة بأخرى من طراز “سنتافيه” لكن والدها رفض لأنها لا تناسب طبيعة عملهم. تخطط لتعليم شقيقها جمعة القيادة عندما يكبر، ليشاركها في تحمل المسؤولية.

في المعمل، أطفال يعملون أيضًا بدلًا من الالتحاق بالمدرسة. والدها يشكو: “الظروف صعبة، والأسعار لا ترحم. كيلو الحليب يباع بـ12 ليرة تركية، وهي نفس تكلفة كيلو التبن. المعامل تربح ونحن نُكسر”.

يتابع: “بعد سقوط نظام الأسد انخفض سعر الحليب، وتراجعت الكمية التي كنّا نجمعها، عدد من العائلات عادت إلى بيوتها، وأخرى فضلت تحويل الحليب إلى لبن”. يتقاضى أبو جمعة وحلوم 0.28 دولاراً عن كل كيلو حليب يجمعانه، لذا فإنهما تأثرا بانخفاض كمية البيع.

تبتسم حُلوم وهي تتحدث عن عملها. تجمع الحليب وتكمل طريقها نحو المعمل. تحفظ الأوزان وتدوّنها على كف يدها، كما كان يفعل والدها. تحاول أن تبني مستقبلها، وأن تبقى سنداً لعائلتها، وأن لاتدع الطرقات الوعرة تعيقها.













قرية مشمشان، جسر الشغور، أيار 2025- تصوير: هيام الباشا


