عند منتصف الطريق الواصل بين إدلب والساحل السوري، وتحديدًا قرب الجسر الممتد فوق نهر العاصي في محيط مدينة جسر الشغور، ركن أبو محمد سيارته جانب الطريق مُضطرًا، بعد انفجار الإطار الأمامي نتيجة سقوطه في حفرة عميقة.
تحت الشمس الحارقة، بدا الرجل منهمكًا بتبديل الإطار الاحتياطي، يتصبب عرقًا وهو يردد بصوت متقطع كلمات الحوقلة والحسبلة، لتتحول لاحقًا إلى سيل من الشتائم على حال الطريق. من داخل السيارة، كانت نظرات زوجته وأطفاله تشي بقلق بالغ. يقول أبو محمد: “نجونا بأعجوبة… الرحلة إلى البحر كادت تتحول إلى كارثة”.
هذه الرحلة، التي كان يُفترض أن تكون أول فسحة عائلية بعد سنوات من العزلة في إدلب، اختُصرت إلى تجربة مريرة على طريق M4 الذي تحول في الصيف إلى شريان رئيس بين الشمال والساحل، لكنه يفتقر إلى أدنى شروط السلامة، وسط ازدياد الحركة مع فتح الطرقات الداخلية بين المحافظات بعد سقوط نظام الأسد.
على امتداد الطريق الدولي M4، الذي يربط محافظات حلب وإدلب واللاذقية، سلكت طريقي مع عائلتي كأول رحلة لنا إلى بحر اللاذقية منذ 15 عاماً. هنا، المشهد يزداد قتامة، الغبار يتصاعد مع مرور السيارات، وارتجاج المركبات الثقيلة يكشف عن تصدعات عميقة في البنية الإنشائية، بينما تتكرر الحوادث نتيجة الحفريات والانهيارات التي خلفتها الحرب الطويلة.
يعد طريق M4 من أهم الطرق الدولية السورية إذ يربط بين محافظات حلب وإدلب واللاذقية، ويبلغ طوله نحو 100 كيلومتر. يبدأ من عقدة “البصة” على أوتوستراد اللاذقية – طرطوس ويصل إلى مدينة أريحا، وكان من المشاريع الضخمة التي نفذتها شركة كويتية قبل أن يتوقف العمل عليه مع تصاعد وتيرة الحرب في عام 2013.
انطلقنا في الساعة الحادية عشرة صباحاً، من مدينة إدلب مروراً ببلدة المسطومة ثم مدينة أريحا، التي تعد عقدة مواصلات بين إدلب وحلب من جهة واللاذقية من جهة أخرى. ومنذ الكيلومترات الأولى، لفتت انتباهي الفتحات العشوائية التي يعبر منها المشاة والدراجات النارية، رغم أن الطريق يُعد أوتوسترادًا تمر عليه السيارات بسرعة عالية.
رصدتُ أثناء رحلتي تشققات واضحة على الجسور وأكوام ترابية ما تزال قائمة في أماكن الحواجز السابقة، بالإضافة إلى وجود حاجزين فقط للأمن العام على امتداد الطريق بأكمله، ومحطات وقود خارجة عن الخدمة.
طريق M4، الذي كان يُفترض أن يكون من أهم مشاريع الربط بين المحافظات، بات اليوم شاهدًا على الخراب. ويؤكد المهندس المدني أحمد السيد أن الطريق يعاني من تهالك كبير في البنية التحتية، خصوصًا في المقاطع التي تعرضت للقصف. ويضيف أن معظم طبقات الإسفلت فقدت خصائصها الفنية، ويجب إخضاعها لاختبارات هندسية قبل التفكير بإعادة الترميم، حفاظًا على سلامة العابرين.
ومع كل منعطف باتجاه الساحل، تتضاعف خطورة الطريق. قرب بلدة كنسبا في ريف اللاذقية، يتحول الطريق إلى ممر ضيق من مسار واحد، تحف به الحفريات العميقة التي تبرز منها أسياخ الحديد الصدئة. لا إشارات تحذيرية ولا إنارة، لتصبح القيادة مغامرة حقيقية، خصوصًا في الليل.
يروي أبو عبد الله، أحد سكان مخيم دير حسان في إدلب، تجربته حين قرر مع صديقه اصطحاب العائلة إلى البحر. “في طريق العودة ليلًا، كدنا نلقى حتفنا. الطريق ضيق، والجسور متهالكة، وأحيانًا نضطر للسير في مسار ذهاب وإياب في آنٍ واحد. الحفر كانت كبيرة، والضباب غطى كل شيء، ولم تكن أنوار السيارة كافية للرؤية. شعرنا وكأننا نسير داخل نفق مظلم لا نهاية له”.
مع اقترابي من جبال اللاذقية، بدا الوضع أكثر خطورة. الحفريات كانت كبيرة لدرجة أن أجزاء طويلة من الطريق خرجت عن الخدمة. أصبحنا نسير في مسار واحد تتقاسمه السيارات والآليات الثقيلة، وبعض المقاطع بدت غير سالكة إطلاقًا.
حادثة مرورية متسلسلة وقعت في حزيران الماضي بسبب إحدى الحفر، تسببت بإصابة عدد من الأشخاص وتضرر ست سيارات. ومع ذلك، لم تُتخذ أي خطوات فاعلة من الجهات المعنية، متجاهلةً مئات السائقين والمواطنين الذين يخاطرون بحياتهم يوميًا على هذا الطريق.
اقترح السيد مجموعة من الإجراءات العاجلة، تبدأ من تثبيت إشارات تحذيرية وتحديد السرعات، إلى تركيب أعمدة إنارة وتفعيل دوريات المرور وتحويل مسار الشاحنات الثقيلة مؤقتًا. كما شدد على ضرورة معالجة الأكتاف الصخرية المعرضة للانهيار عبر جدران بيتونية، لتجنب كوارث قادمة.
يمر طريق M4 بمناطق متعددة مثل البصة، الشير، الحفة، كفريا، كنسبا، بداما، وأورم الجوز، حيث تتوزع الجسور والأنفاق وطرق الخدمة. لكن الإهمال وغياب الصيانة حوّلاه إلى أحد أخطر الطرق في سوريا. وفي تطور جديد، أعلنت محافظة اللاذقية أخيراً عن إغلاق وتحويل عدة مسارات نتيجة الأضرار الجسيمة في جسر القساطل وهبوط في طريق مرج الزاوية. جاء في البيان الرسمي: “تم تحويل حركة السير من القساطل إلى كنسبا بطول 3.5 كم، وتحويل آخر من الحمرات إلى القساطل بطول 6.5 كم. نهيب بالسائقين توخي الحذر والالتزام بالإشارات التحذيرية”.
طريق M4، الذي لطالما مثّل نقطة توتر خلال سنوات الحرب بين القوات الروسية والتركية، ومصدر قلق مستمر لسكان الشمال، تحوّل اليوم إلى طريق محفوف بالحفر والانهيارات والمخاطر اليومية.
عوضاً عن أن يكون شرياناً اقتصادياً وإنسانياً. فلا محطات وقود، ولا استراحات، ولا مقاهٍ على امتداده، المسارات البديلة محدودة. لم يعد الوصول إلى البحر عبره متعة، بل مجازفة محفوفة المجهول، أكملت طريقي وكلي أمل أن تتحول رحلة البحر من كابوس مروري إلى استراحة حقيقية على طريق آمن يستحقه السوريون.
