على حافة السرير في غرفتها الصغيرة، جلست أمي وهي تضع يدها على صدرها تحاول أن تلتقط أنفاسها المتقطعة كما لو أنها تلاحق الهواء، عيناها الغائرتان تروي قصة ألم أكل صحتها منذ سنوات.
في يدها اليمنى كوب ماء لم تستطع رفعه إلى فمها، وفي اليد اليسرى منديلٌ بللته دموع سقطت بصمت، ليس من الألم وحده، بل من فكرة أن تصبح عبئاً على من تحبهم.
لم تكن هذه أمي التي عرفتها، المرأة التي تتنقل في أرجاء البيت بخفة، تبدل جرة الغاز، تنظف البيت، توزع ابتسامتها على الجميع رغم تعبها الدائم، لكن شيئاً ما كان ينطفئ فيها يوماً بعد يوم ويسلبها قدرتها على التنفس.
كان مرضها لغزاً يحيرنا جميعاً، تفاقمت أعراضه تدريجياً، دون أن نعرف له اسماً أو سبباً واضحاً رغم كثرة التشاخيص التي أكدها الأطباء. لم تكن تدري حينها أن ما تشكوه أحد الأمراض النادرة، والمعروف طبياً باسم ارتفاع التوتر الرئوي، وهو خلل خطير يصيب الأوعية الدموية في الرئتين، ويحوّل أبسط وظائف الحياة مثل التنفس إلى عبء ثقيل ومتواصل لدى صاحبه.
يواجه مرضى ارتفاع التوتر الرئوي في الشمال السوري تشخيصاً متأخراً وعلاجاً قاصراً يفاقمه غياب المراكز المتخصصة ونقص الوعي بوجود هذا المرض. إذ يخوض المرضى معركة مزدوجة ضد ألم لا يعرف سببه. وبين كل نَفَس وآخر، تتجدد الحاجة إلى وجود نظام صحي لا يخذلهم.
في صيف 2020، وبينما كانت أمي تصعد إلى سطح المنزل فقدت توازنها فجأة وسقطت أرضاً، نقلناها بسرعة إلى مستشفى الكنانة في دارة عزة. الدُّوار لم يكن غريباً عنها، لكنها هذه المرة فقدت الوعي بالكامل.
سابقاً اشتكت أمي من تشمع الكبد، إضافة إلى تشخيصات طبية متضاربة منها التهاب المعدة والشقيقة دون حسم واضح. لكن هذه الحادثة شكّلت نقطة تحوّل لديها إذ أوصى طبيب الداخلية بإجراء تخطيط قلب لها بسبب مؤشرات مقلقة، حسب قوله.
في مستشفى القدس بمدينة الدانا شمالي إدلب، بدأت رحلة جديدة مع الألم والتشخيص الدقيق، مكثت أمي في العناية المركزة، وبعد يومين من الفحوصات، قرر الدكتور عبيدة عموري، اختصاص قلبية، إجراء مجموعة تحاليل طبية وطلب تخطيط أيكو عبر المري واكتشف أنها تعاني من مرض جديد ونادر عالي الخطورة يعرف باسم ارتفاع التوتر الرئوي.
يشرح الطبيب عموري طبيعة المرض يقول: “يهاجم الشرايين الرئوية، ويؤدي إلى صعوبة بالغة في التنفس”، لكن تشخيص حالة أمي جاء متأخراً وكانت حينها ثالث حالة في شمالي سوريا تشخص من قبله.
يضيف أن، مرض والدتي أصاب الدورة الدموية الصغرى وبلغ الضغط داخل الأوعية الدموية في الرئتين مستويات غير طبيعية مما سبب لها عبئاً على القلب وصعوبة في التنفس.
خيارات العلاج محدودة للغاية، المستشفيات في الشمال السوري عاجزة عن التعامل مع هذا النوع من الأمراض النادرة وتفتقر إلى وجود مركز متخصص لرعاية مرضى التوتر الرئوي وإلى وجود معدات أساسية لازمة للتشخيص مثل الأجهزة القلبية المتقدمة، وفق عموري الذي أوضح أن تكاليف العلاج المرتفعة شكلت عبئاً إضافياً لدى المرضى.
مع كل نَفس.. معركة
منذ لحظة التشخيص، حاولنا إخفاء صدمتنا وقلقنا أمام والدتي، لكن علامات المرض بدأت تفرض نفسها بقوة. أصبحت تجد صعوبة في القيام بأبسط المهام اليومية مثل النهوض من السرير، ارتداء الملابس، وحتى المشي داخل المنزل بات يرهقها بشدة.
أي مجهود بسيط كان كفيلاً بفقدان وعيها فجأةً، لذلك لاتغيب عن نظري أنا وأخوتي، كنا نراقب تحركاتها ونسبقها في إنجاز الأعمال خشية أن تجهد نفسها، الأمر الذي كان يضايقها ويشعرها بالعجز.
دائما ما تردد بينها وبين نفسها “عندما أنقل كأس ماء أشعر أن قلبي سيتوقف.. من أين جاء هذا المرض؟”، ثم تعود لتهمس بعبارة تسليم: “الحمد لله… هذا مقدر”. حتى الانتقال من غرفة إلى أخرى بات بالنسبة لها بمثابة مخاطرة.
بدت آثار المرض تظهر عليها نفسياً أيضاً إذ كانت تدخل بنوبة بكاء صامتة أحياناً ومرات تنفجر غضباً لأسباب بسيطة لا تليق بطبيعتها الهادئة والمبتسمة.
أعيش النهاية كل يوم ثم أبتسم
والدتي واحدة من ست حالات شُخصت في الشمال السوري بمرض ارتفاع ضغط الدم الرئوي. فاطمة الموسى، البالغة من العمر 21 عاماً، إحدى الحالات المصابة بالمرض أيضاً، تقول إنها تأخرت كثيراً لاكتشاف إصابتها بارتفاع التوتر الرئوي وتنقلت بين عيادات كثيرة دون أن تجد تشخيصاً دقيقاً لحالتها.
أمضت فاطمة أكثر من ثلاثة أعوام بحالة وهنٍ عامٍ وتعبٍ مزمن وضيق تنفس وإغماءاتٍ متكررة وبعد رحلة طويلة من الفحوصات توصلت إلى معرفة لغز مرضها. تروي طالبة كلية الإعلام اليوم، أنها واجهت تلك الأعراض منذ أيام دراستها في الثانوية، لكن بعض الأطباء نسبوا حالتها إلى توتر نفسي بسبب ضغط الدراسة أو ضربة شمس.
تتذكر اللحظة التي دفعتها إلى اتخاذ قرار البحث الجدي عن سبب مرضها، تقول: “خلال زيارة لأختي بعد زلزال السادس من شباط قبل عامين، فقدت وعيي فجأة أثناء صعود الدرج، وبدأ الزبد يخرج من فمي، ظنت أختي أنني أموت”. نُقلت فاطمة حينها إلى المستشفى ونجت من الخطر، لكنها قررت بعدها الخضوع لسلسلة فحوصات شاملة، كانت نتيجتها تشخيص إصابتها بارتفاع ضغط الدم الرئوي.
شكوك طبية.. ونتائج مؤلمة
إثر تلك الحادثة، أُحيلت فاطمة إلى مستشفى الهلال الأزرق في باب السلامة، قسم القلبية ثم الصدرية، واعتُقد بدايةً أنها مصابة بالتهاب رئة، فوُصِف لها دواء للربو إلا أن العلاج لم يُحسن حالتها، بل زادها سوءاً وأفقدها صوتها لستة أشهر وتسبب لها بنزيف حاد في الحلق. خلال تلك الفترة زارت عدداً من الأطباء، بعضهم شكك بمعاناتها واتهمها بالمبالغة، حتى أن أحدهم قال لها صراحة: “عم تتدللي! حاجتك ملح وأندومي”.
يؤكد الطبيب عموري، أن مرض ارتفاع ضغط الدم الرئوي يُعد من الأمراض النادرة عموماً وفي الشمال السوري شخصت حالات قليلة فقط. “نشهد حالة أو حالتين منه كل عدة سنوات فقط وخلال العشر سنوات الماضية شخصّنا خمس أو ست حالات فقط”.
يضيف أن التحدي الأكبر لا يكمن في التشخيص فحسب، بل في التكلفة العالية للعلاج والتحاليل اللازمة التي تُثقل كاهل المرضى في ظل الأوضاع المعيشية القاسية.
يقسم المرض، حسب الطبيب عموري، إلى نوعين، أولي (بدئي) وثانوي. النوع الثانوي شائع نسبياً وغالباً ما يكون ناتجاً عن أسباب واضحة مثل التدخين أو اضطرابات في صمامات القلب أو ضعف في الجانب الأيسر منه وهي مشكلات يمكن أن يؤدي علاجها إلى تحسن الحالة.
أما النوع الأولي أو البدئي، فلا يُعرف له سبب محدد ويتطلب علاجاً دائماً يهدف إلى التخفيف من الأعراض وتقليل الضغط على الرئتين لضمان استقرار حالة المريض.
أصبح مراقبة ضغط والدتي هو المهمة الوحيدة التي نعمل عليها خاصة أن ضغطها لم ينخفض عن 90، وأحياناً يصل إلى 120 مما يضطرها إلى تناول جرعات عالية واستخدام عدة أصناف من الأدوية.
هذا التعقيد في العلاج، حسب عموري، سببه تأخر التشخيص وعدم استجابة جسدها لبعض الأنواع خصوصاً الأدوية الهندية لذلك وصف لها الطبيب بدائل أكثر فعالية لكنها باهظة الثمن منها بوسينتان Bosentan وابترافي Uptravi.
في المقابل، استجاب جسم فاطمة إلى نوعية الدواء الهندي فكلما كان الكشف عن المرض أبكر كانت استجابته للأدوية أفضل . إذ يصبح الجسم بمراحل متقدمة لا يستجيب إلا لأدوية نوعية معينة، عيارها وأسعارها مرتفعة.
تتشابه أعراض المرض لدى فاطمة أيضاً، كان الضغط الرئوي لديها عند بدء العلاج 90 ويفترض أن يكون 20 في الوضع الطبيعي. ومع الانتظام بالعلاج انخفض الضغط إلى 37. وأخيراً، أُضيف إلى خطتها العلاجية دواء رابع متخصص، أثبت فعاليته في تحسين حالتها. تضيف بابتسامة يرافقها وجع: “أنا اليوم متصالحة مع المرض، يمكن رب العالمين ريحني من مسؤوليات ما خرج جسمي يتحملها”.
تُعبّر فاطمة عن ألمها بلغة يملؤها الوعي والتصالح مع الذات، تقول: “في أشياء ما بيحس فيها غير اللي بيعيشها. أوقات بكون مرتاحة، وفجأة جسمي بينفض، قلبي بدق بإذني مو بصدري، وبرجف رجفة بتخليني أفكر: يا ترى هي النهاية؟ بس بستغفر، وبرجع بقول: لا… لسا فيني أضحك، لسا فيني أقول الحمد لله”.
لكن مرض فاطمة لا يتوقف عند حدود الأعراض الجسدية، بل يمتد إلى نظرات المجتمع. فالمرض، كما تقول، لا يُفهم دائماً بشكل صحيح: “الناس بتقول صابتني عين، أو إني أتوهّم، وحتى بعد التشخيص، في ناس تضحك أو تشفق علي كأن مرضي شيء معيب”. تضيف بصوت مرتجف، “أحياناً نظرة الناس أصعب من المرض نفسه، خاصة أنه مرض غير معروف أو شائع”.
ضيق التنفس كان العارض الأبرز لدى المرضى وقد تظهر أعراض أخرى مثل ألم في الصدر، دوار، سعال جاف، أو بصاق دموي، لكن التعب المستمر وعدم القدرة على التحمل هما الأكثر شيوعًا ودلالة على المرض وفق تجربة فاطمة.
بين إدلب وتركيا.. علاج عابر للحدود
تحمّل أخي علي عبئاً مضاعفاً حين اضطر إلى طمأنة والدتنا وإيهامها بأن العلاج في تركيا سيكون كفيلاً بشفائها، بعد أن أحيلت إسعافياً إلى هناك. يقول علي بنبرة تمزج بين المزاح والمرارة: “ما لقيتي غير هاد المرض تمرضي فيه؟ نادر، أول مرة بسمع فيه هون بإدلب، وما له علاج عنا!”. ففي إدلب، لا يشكّل المرض وحده الأزمة، بل غياب المراكز المتخصصة يزيد من ثقل المعاناة.
تروي والدتي تفاصيل رحلتها الشاقة إلى تركيا التي صادفت ذروتها مع تفشي جائحة كوفيد-19 حيث التنقل محكوم بقيود صارمة: “وصلت في عز الحظر، خطواتي كانت معدودة، والمرض استقر في جسدي كأنه حكم مؤبد. دخلت في متاهة من الانتظار والمواعيد المؤجلة وتعقيدات اللغة والإجراءات”.
وتضيف: “خفف عني عبء المرافقة وجود ابن أخي الذي كان يعمل في تركيا، لكن حتى مع وجوده، تأجل فحصي مرات عديدة بسبب ضغط الجائحة. الطواقم الطبية كانت مرهقة، وكلما اقتربت من التشخيص، عدت إلى نقطة الصفر. وفي النهاية، وبعد سلسلة من الفحوصات، تم تأكيد الإصابة وتحديد إجراء عملية قثطرة أجواف قلبية في مستشفى ملاطيا”.
بهدف تأكيد تشخيص المرض وتحديد خطة العلاج المناسبة، خضعت لفحوص دقيقة أسفرت عن إصدار تقرير طبي رسمي (رابور طبي)، مكّنني من الحصول على أدويتي مجاناً لمدة عام، ضمن برنامج دعم ترعاه الأمم المتحدة.
وكنت مضطرة للسفر إلى تركيا كل ثلاثة أشهر لتجديد هذا التقرير، لكن مع تحويل بطاقة “الكمليك” من طبية إلى سياحية، فقدتُ الحق في الدواء المجاني، وبدأت مرحلة جديدة للبحث عن الأدوية وتأمين ثمنها. تقول أمي “أسعار الأدوية مرتفعة جداً حتى وإن توفرت فهي خارج قدرتي المادية”.
ضبط ضغط والدتي هو المهمة الوحيدة التي نعمل عليها، خاصة أن ضغطها لم ينخفض عن 90، وأحياناً يصل إلى 120 مما اضطرها إلى زيادة أصناف الأدوية وجرعاتها باستمرار.
يقول علي: “جبل يجثم فوق صدري عند محاولة تأمين دواء لأمي، ولجأت إلى السوق السوداء لشراء نوعين من الأدوية بسعر أقل إذ يصل سعر العلبة الواحدة إلى ألفي دولار”.
شعور والدتي أنها عبء علينا يجعلها كثيراً من الأحيان تقنن في تناول الدواء كي يبقى أطول فترة ممكنة لديها. تقول “سرعان ما يفضحني جسدي وأشعر بتعب ودوار واضحين ويجعلني مضطرة للالتزام بمواعيد الدواء، حتى أن عائلتي بدأت تراقبني فإذا لم أشعر بصداع نتيجة تأثير أحد الأدوية يعرفون أنني لم أتناوله”.
فاطمة أيضاً كانت من بين الحالات التي اقتضى وضعها الصحي إحالة عاجلة إلى تركيا، بعد تأكيد طبيبها في سوريا أن حالتها تتطلب تقييماً دقيقاً من قبل أخصائيين في مراكز طبية متقدمة.
في تركيا، أجرت فاطمة فحوصات من نقطة الصفر حتى تأكد التشخيص النهائي لحالتها وهو ارتفاع ضغط الدم الرئوي الشرياني، ذكر في التقرير أيضاً أنه مرض مزمن يسبب إجهاداً دائماً للجسد ويمنع الإنجاب مستقبلاً. “كان وقع القرار قاسياً عليّ”، تقول فاطمة ، “لكنه كان حاسماً ونهائياً”.
من بين الأدوية التي وصفت لها دواء متخصص يُدعى Opsumit، وهو علاج فعال لكن سعره يصل إلى نحو 24 ألف ليرة تركية، أي نحو 740 دولاراً أمريكياً تقريباً، ما حال دون قدرتها على شرائه والبحث عن دواء بديل بنصف القيمة استشارات الطبيب عموري عنه وأكد أنه ملائم لحالتها.
تتابع فاطمة حالتها حالياً مع الطبيب عبيدة كل ثلاثة إلى أربعة أشهر، بينما يوضح الطبيب أن “تشخيص هذا المرض كان في السابق معقداً للغاية، لكن بفضل تقنيات الإيكو القلبي الحديثة، بات من السهل كشفه. وفي بعض الحالات، نضطر لإجراء قثطرة للأجواف اليمنى من القلب لتحديد التصنيف الدقيق للمرض”.
فياغرا وعقاقير أخرى
يعتمد العلاج بشكل أساسي على توسيع الأوعية الدموية الرئوية لتقليل الضغط، مما يساهم في تحسين حالة المريض وجودة حياته ومن أهم الأدوية المتوفرة حالياً عقار الفياجرا ومشتقاتها، التي صُممت، بشكل خاص، لتوسيع الأوعية الرئوية.
ومن خلال متابعة المرضى الذين يتناولون هذا الدواء على مدى طويل، لوحظ تحسن ملحوظ في النشاط العام، إضافة إلى تأثير مساعد على القدرة الجنسية، مما دفع الأطباء لاستخدامه كعلاج مساعد في هذا المجال أيضاً، إضافة إلى حاصرات قنوات الكالسيوم وبعض مميعات الدم.
أما الأدوية النوعية والمتقدمة فهي نادرة الوجود في سوريا، وتتطلب علاجاً في مراكز متخصصة خارج سوريا، مثل تركيا ومصر. أما العمليات الكبرى، مثل زراعة القلب أو الرئة، فتُجرى في مراكز طبية محدودة حول العالم.
فاطمة وأمي لا يجمعهما فقط تشخيص مرض نادر باسم ارتفاع ضغط الدم الرئوي، بل توحدهما أيضاً مقاومة يومية وأمل في الحصول على العلاج والرعاية المتخصصة.
