فوكس حلب

مجلة الكترونية تغطي أخبار محافظة حلب وعموم الشمال السوري.

أبو عمر.. حارس السيارات القديمة في زمن لا يشبهها

سحر زعتور

ليست قطع حديدية، إنها وجوه الراحلين وذاكرة المدن

وحيدًا بين جدران منزله القديم في حي الشعار الحلبي، حيث تتسلل الشمس بصعوبة بين الركام، يعيش السبعينيّ محمد محيي الدين عمر أنيس، متمسكًا بشغفه غير المألوف “عشق السيارات القديمة” الذي حمله معه عندما عاد من إسبانيا في الثمانينيات إلى وطنه الأم سوريا.

أبو عمر يخرج ليتفقد السيارات المركونة أمام منزله، حي الشعار في مدينة حلب، 2025- تصوير: سحر زعتور.
أبو عمر يخرج ليتفقد السيارات المركونة أمام منزله، حي الشعار في مدينة حلب، 2025- تصوير: سحر زعتور.

بين يديه مرت سيارات تعود ملكيتها إلى قادة وزعماء، منهم شكري القوتلي، أديب الشيشكلي، وقائد أركان الجيش السوري. إضافةً إلى كنزه الأغلى، كاديلاك موديل 1947، التي كانت لوالده. “هذه السيارة ليست قطعة حديد، بل مرآة أرى فيها وجه أبي، طربوشه، ووقاره” يشرح أبو عمر.

هوايته جَذَبَتْ أضواء الكاميرات منذ سنوات، وباتت مع الزمن أرشيفًا لذاكرة وتاريخٍ سوريّ، “السيارات أيضًا لم تسلم من الحرب والسرقة، إنهنّ ضحايا كما البشر” يقول أبو عمر الذي تظهر عليه ملامح الصدمة من الحال الذي وصلت إليه السيارات رغم مساعيه لإنقاذها.

امتلك أبو عمر 23 سيارة أثرية، لكل واحدة منها قصة، طراز، وبلد منشأ: أمريكيّة، ألمانيّة، فرنسيّة.. سيارات كانت تملأ شوارع دمشق وبيروت في السبعينيات والثمانينيات، واليوم باتت مكدّسة بين جدران منزله المدمر، أو مركونة أمام بابه، أو مهربة إلى مكان سريّ صغير أنشأه لحماية ما بقي منها مما خلفته الحرب.

أبو عمر يجلس ضمن سيارة بويك، موديل 1948 بعد تجديد فرشها الداخلي، حي الشعار في مدينة حلب، 2025- تصوير: سحر زعتور.
أبو عمر يجلس ضمن سيارة بويك، موديل 1948 بعد تجديد فرشها الداخلي، حي الشعار في مدينة حلب، 2025- تصوير: سحر زعتور.

عاش أبو عمر في منزل بناه والده خلال الحرب العالمية الثانية، واليوم يسكنه وحده بعد رحيل زوجته وابنته إلى مدينة حماة بسبب عدم قدرتهما على العيش وسط الحطام.

“أحب السيارات لأنها كالنساء، جميلات وقويات”، يقول أبو عمر وهو يخبرنا أنه يحترم رأي زوجته وقرارها ويبرر مشاعر الخوف الذي عاشته فترة القصف على مدينة حلب.

بقي أبو عمر وحيدًا رفقة سياراته اللواتي لم تسلمن من الحرب. بعضها تضرّرت بفعل القصف، وأخرى نُهبت منها البطاريات، الراديوهات والمارشات. يقول أبو عمر بحسرة: “كأنهم أعدموها كما أعدموا شبابنا”.

سيارة مرسيدس رياضية موديل 1974 مركونة أمام منزل أبي عمر، حي الشعار في مدينة حلب، 2025- تصوير: سحر زعتور.
سيارة مرسيدس رياضية موديل 1974 مركونة أمام منزل أبي عمر، حي الشعار في مدينة حلب، 2025- تصوير: سحر زعتور.
أبو عمر يتفقد سيارة والده التي يسميها الطربوش، حي الشعار في مدينة حلب، 2025- تصوير: سحر زعتور.
أبو عمر يتفقد سيارة والده التي يسميها الطربوش، حي الشعار في مدينة حلب، 2025- تصوير: سحر زعتور.

لم يستسلم أبو عمر للظروف، كان يُعيد تصنيع القطع المسروقة بنفسه، مستخدمًا ما تبقّى من أدوات. حين يتأملها، يغرق في الصمت. يجلس بينها وكأنه يجلس بين أصدقائه، يتحدث معها، يسترجع رحلات، أصوات، وأزمنة.

“أحيانًا، أشعر أن هذا البلد لا يصلح لمن له شغف مختلف.. أشعر باليأس وأنا أرى القطع تُسرق، والسيارات تُنهب، وأتمنى لو أني لم أعدها للحياة”. أبو عمر ليس مجرد هاوٍ، بل عضو في جمعية العاديات السورية، وهي من أقدم الجمعيات الأثرية في الوطن العربي.

أبو عمر في منزله، حي الشعار في مدينة حلب، 2025- تصوير: سحر زعتور.
أبو عمر في منزله، حي الشعار في مدينة حلب، 2025- تصوير: سحر زعتور.

في إحدى صوره المفضلة، يظهر شابًا عام 1958 في ساحة سعد الله الجابري بحلب، يوم قدوم الرئيس جمال عبد الناصر إلى سوريا، وخلفه سيارة كاديلاك مكشوفة، موديل 1947. “لم تكن مجرد صورة.. إنها بالنسبة لي حياة” يقول.

يستحضر ذكرياته من مؤتمر “نارا” في اليابان عام 1970، حين أوصى الحاضرين بالحفاظ على منتجات الإنسان القديمة مثل القطارات، السيارات والجرارات، لأنها تحكي عن طموحه وسعيه. ثم يعلّق بحزن: “نحن بوادي، والإنسانية بوادي آخر”.

كل الظروف التي مرّ بها لم تطفئ الأمل في عينيه، ما زال يأمل بأن تنفض البلاد غبار الحرب، أن يُنقذ تراثه، أن تمشي الكاديلاك من جديد في شارع معبّد في حي الشعار، دون خوف، طالما هو هناك يتنفس من بين هياكل سياراته ويقود ذاكرة وطن في شوارع لم تسلم من الدمار.

أبو عمر يتأمل صورة توثق لحظة استقبال الرئيس جمال عبد الناصر عام 1958 في ساحة سعدالله الجابري، حي الشعار في مدينة حلب، 2025- تصوير: سحر زعتور.
أبو عمر يتأمل صورة توثق لحظة استقبال الرئيس جمال عبد الناصر عام 1958 في ساحة سعدالله الجابري، حي الشعار في مدينة حلب، 2025- تصوير: سحر زعتور.