فوكس حلب

مجلة الكترونية تغطي أخبار محافظة حلب وعموم الشمال السوري.

محالٌ مغلقة وشوارعٌ صامتة.. كفريا تدفع ثمن الغياب

جواهر ياسين

كفريا بلدة على هامش الحياة، كل عائلة تغادرها تغلق باب خدمة أخرى تاركة من تبقى في عزلة متزايدة

في بلدة كفريا بريف إدلب، يبدو المشهد اليوم أقرب للفراغ، المحال مغلقة، الخدمات متوقفة، والحركة في الشوارع شبه معدومة. الأسر المهجّرة التي أقامت في كفريا خلال السنوات الماضية بدأت تغادرها تدريجياً عائدة إلى مدنها وقراها الأصلية، بينما ما يزال أهالي كفريا الذين تركوها منذ نحو سبع  سنوات، بموجب اتفاق بين نظام الأسد وجبهة فتح الشام يقضي بإخلاء قريتي كفريا والفوعة استكمل منتصف 2018، عاجزين عن العودة إليها حتى الآن.

بلدة كفريا كانت واحدة من أبرز محاور التفاوض في صفقة عرفت بـ “اتفاقية المدن الأربع في سوريا أبرمت في شهر نيسان من عام 2017 بين فصائل من المعارضة المسلحة ممثلة بهيئة تحرير الشام وأحرار الشام، وبين نظام الأسد وحلفائه إيران وحزب الله. نص الاتفاق حينها على إخراج نحو 3800 شخص، بينهم مقاتلون معارضون من الزبداني بريف دمشق إلى إدلب، مقابل نقل 8 آلاف شخص من بلدتي كفريا والفوعة في إدلب، التي تقطنها عوائل شيعية وفصائل مدعومة من نظام الأسد وإيران، إلى مدينة حلب.

كما تضمّن الاتفاق تبادلاً للأسرى والجثث بين الطرفين، وإطلاق سراح 1500 معتقل غالبيتهم من النساء إلى جانب إدخال مساعدات إنسانية وإعلان هدنة في مناطق مثل مخيم اليرموك وتسوية أوضاع 50 عائلة عالقة في لبنان. ورأت المعارضة آنذاك؛ أن هذه الاتفاقية تندرج ضمن سياسة التهجير القسري الهادفة إلى تغيير التركيبة السكانية في سوريا.

في تموز 2018، خلت كفريا من سكانها الأصليين و تحولت إلى سكن  للمهجرين القادمين من الزبداني ومضايا، إضافة إلى مناطق أخرى مثل حمص وحماة ودمشق وريفها. اليوم وبعد سقوط نظام الأسد عادت عائلات إلى مناطقهم وتراجعت الخدمات في البلدة تدريجياً، فأغلقت محال بيع الأدوات المنزلية والمواد الغذائية والأفران وغيرها تباعاً، ما فاقم صعوبة  تأمين احتياجات السكان  الأساسية، حتى أن صوت الآذان غاب لفترة عن جامع التوحيد بعد مغادرة المؤذن، قبل أن يتولى أحد الشبان المقيمين رفعه مجدداً.

تستعد “الحاجة فطوم”، صاحبة محل ألبسة نسائية وإكسسوارات في كفريا، للعودة إلى قريتها في ريف حماة الشمالي، بسبب تراجع الحركة وقلة عدد الزبائن، إذ بدأت بجمع مستحقاتها المالية من الأشخاص الموجودين في القرية، بينما لم يسدد دينه عدد من العائلات المغادرة، على حد قولها.

بعد سقوط نظام الأسد، غادرت 140 عائلة من أصل 1350 من النازحين  وعائلات المقاتلين الأجانب قرية كفريا إلى مناطقهم أو إلى أماكن أخرى، بحسب إحصائيات المجلس المحلي، الذي قال إنه لم يسجل، حتى لحظة إعداد التقرير عودة أي من سكان القرية الأصليين الذين تركوها قبل سنوات.

تواجه الخمسينية أم عبدو التي تسكن في كفريا رفقة زوجها المصاب بضمور دماغي مشكلات عديدة خلفها مغادرة مهنيين وأصحاب محلات القرية، فمنذ أن غادر من يساعدها في شحن عداد الكهرباء عبر التطبيق الإلكتروني الذي تجهل استخدامه، بات لزاماً عليها أن تقوم بذلك بنفسها ما اضطرها لقضاء ليال كثيرة دون تدفئة أو كهرباء، إثر نفاد الرصيد، وانتظار من يساعدها في ذلك.

سبعة محلّات تجارية لبيع المواد الغذائية والخضار من أصل أحد عشر محلّاً في كفريا أغلقت أبوابها خلال الأشهر الماضية، قسم منها غادر أصحابه ليعودوا إلى مناطقهم الأصلية، آخرون أغلقوا بعد تراجع حركة البيع والخوف من مغادرة من تبقى في القرية التي لم يعد داخلها سوى أربعة محلّات لخدمة الزبائن.

محلّات أخرى أغلقت أبوابها، بائع الشاورما الوحيد في القرية ترك مكانه وعاد إلى حلفايا بريف حماة الشمالي، مسقط رأسه، يقول أبو يامن، أحد سكان كفريا، إن مغادرة بائع الشاورما خلّف حزناً على وجه أطفاله الذين اعتادوا على شرائها.

محل أبي خالد التجاري الذي اعتاد أهل القرية شراء حاجاتهم منه، أغلق أبوابه أيضاً. تقول أم غازي، تسكن في كفريا، إنها وربّات منازل أخرى في القرية كنّ  يرتدن محل أبي خالد لشراء الأدوات المنزلية والزجاج وأدوات المطبخ، وهو ما أكسبه لقب “العصرونية الصغيرة ”  نظراً لتنوع بضائعه التي خسرها سكان القرية بمغادرته.

عاد أبوخالد إلى الزبداني بريف دمشق منذ أسابيع، نقل بضائعه  وأدوات محله التجاري إلى هناك، تخبرنا أم غازي أنها تفاجأت بمنظر الباب الحديدي المغلق عندما مرت لشراء أوان زجاجية لمطبخها، وشعرت بالاستياء من إخلاء المحلات التجارية وإغلاقها، رغم ذلك تمنت العودة للجميع بقولها “عقبالنا كلنا”.

أصحاب خدمات حيوية أخرى غادروا القرية، خاصة أصحاب الصهاريج الذين يعتمد عليهم السكان في الحصول على المياه، بعد تعثر استكمال مشروع تزويد القرية بالمياه عبر حفر بئر كان من المفترض أن يغطي حاجة البلدة، وفق أبي مصعب، عضو اللجنة المجتمعية في كفريا.

أبوحسن، واحد من أصحاب الصهاريج في القرية، غادر إلى قريته في ريف حماه الشمالي لينضم إلى قائمة العائدين، ما فاقم مشكلة تأمين مياه الشرب في كفريا. وفي الوقت الذي بات فيه الطريق لعودة سكّان كفريا الحاليين إلى قراهم مفتوحاً بعد سقوط نظام الأسد، تحدّ منها المنازل المدمرة وتكاليف الترميم الباهظة، تبقى مشكلة بيوت أهل كفريا الأصليين وعودتها لأصحابها مشكلة تنتظر حلّاً لاستعادة منازلهم.