اختفت أسماك بحيرة الساجور بريف حلب الشرقي، والتي كانت حتى وقت قريب من العام الماضي، مصدر رزق لمئات العائلات، على امتداد النهر الذي يحمل الاسم ذاته، ونفد صبر الصيادين فهجروا المكان إلى مسطّحات مائية أخرى بحثاً عن لقمة عيش. “لم يبق سمك في بحيرة الساجور”، يقول عبد القادر أبو يوسف الذي يمتهن صيد الأسماك في بحيرة الساجور قرب بلدة الغندورة بريف حلب الشرقي منذ أعوام.
منذ أشهر، يمضي أبو يوسف و صيادون آخرون ساعات طويلة على امتداد النهر وضفاف البحيرة، يرمون صنارات صيدهم، يترقبّون أي حركة اهتزاز تشي بسمكة علقت بالطعم، لكن دون جدوى، غالباً ما يعود معظمهم فارغ اليدين، وفي أحسن الأحوال يحصل على سمكة أو سمكتين.
يقارن أبو يوسف حال صيادي الساجور اليوم بأعوام مضت، يخبرنا أن رزق يوم واحد في السابق كان يتراوح بين 10 إلى 15 كيلو غراماً، أما اليوم فيشير إلى سلّته الفارغة ليتجنب الحديث.
علامات من التعب والإرهاق لطول السهر، غطّت وجه محمد أبو يونس، صيّاد من بلدة الغندورة، وهو يجمع شباكه الفارغة. يخبرنا أبو يونس أنه نشر شباك الصيد منذ عصر يوم أمس داخل بحيرة الساجور، وبمسافة يزيد قطرها عن كيلو متر واحد، دون أن تعلق سمكة واحدة في إحدى شباك صيده بعد يوم كامل.

ينال قسطاً من الراحة في الوقت الذي يجدف طفل لا يزيد عمره عن عشر سنوات مجدافا زورق حديدي صغير الحجم لنشر شباك جديدة في البحيرة علّه يحظى بما يسدّ رمق عائلته.
تزيد مساحة البحيرة التي يحجزها سد الساجور الذي شيد قبل عشرين عاماً عن 178 هكتاراً، وسعتها التخزينية عن 9 مليون و 774 ألف و 250 متراً مكعباً، تزودها بالمياه الهطولات المطرية و نهر الساجور، بطول 108 كيلو متر، من منبعه في تركيا قبل أن يخترق الحدود السورية عند قرية عرب عزة، ويسير على أطراف قرى وبلدات، الفرسان، الكنو، قبة التركمان، ليلوة، قنطرة والغندورة، السويدية، غنمة، عرب حسن، التوخار، قيراطة، وصولًا إلى مشارف قرية الهوشرية حيث يصب في نهر الفرات شرقي مدينة منبج بريف حلب الشرقي.
على طول النهر والبحيرة، يغيب الصيادون عن أماكنهم التي اعتادوا القدوم إليها من قرى سرير النهر أو القرى والبلدات المجاورة، هم اختفوا أيضاً مع اختفاء الأسماك في الساجور ونزحوا إلى مسطحات مائية بديلة، مثل بحيرة ميدانكي في عفرين شمالي حلب، وسبخة الجبول شرقي المدينة.
يقول أبو يوسف، مدرّس اللغة العربية في مارع شمالي حلب، و الذي كان يقطع الطريق إلى بحيرة الساجور لصيد الأسماك، إنه سيغادر الساجور لينضم إلى أغلب الصيادين الذين تركوا المكان منذ بداية العام الحالي.

تراجع أعداد الأسماك في الساجور، الذي كان مصدراً رئيساً للثروة السمكية في ريف حلب الشرقي، ومصدر دخل عائلات كثر في المنطقة، يعود لأسباب عديدة أهمها الصيد الجائر والعشوائي. يقول أبو يوسف إن أهم أنواع الأسماك في البحيرة كانت البوري والكرب، وهذان النوعان يتكاثران بين شهري آذار وأيلول من كل عام، لكنّ البحيرة تعرضت لصيد جائر خلال هذه الأشهر، دون مراعاة التوقيت، ما أدى لصيد أنثى السمك ومنعها من وضع البيوض.
يشرح أبو يوسف أن أنثى الأسماك تستقر في مرحلة التكاثر على ضفاف بحيرة الساجور بعمق مائي لا يتجاوز مترين، وذلك لوضع بيوضها، لكنها تواجه شباك الصيادين الذين ينشرونها بمساحات واسعة تمتد من ضفاف البحيرة إلى وسطها، ما يحول دون قدرة الأسماك على الهرب، وبالتالي منعها من وضع بيضها لإتمام عملية التكاثر باستقرار.
طيلة السنوات الماضية، كان صيادون من مناطق مختلفة، إدلب، تدمر، ريف حلب الشرقي والشمالي، يتوزعون على ضفاف سد الساجور، ويتمتعون بحماية عسكرية من قبل الفصائل (السلطان مراد، الحمزات). ينشر أولئك الصيادون شباك الصيد مع حلول ساعات المساء، ويجمعونها صباحاً، بشكل يومي، لكن وجودهم بات محدوداً بعد أن غابت الأسماك.
استمرار صيد الأسماك بالشباك طيلة شهور العام، وبشكل عشوائي، تسبب بصيد معظم الأسماك الكبيرة والصغيرة، ولا ينطبق الحال على صيادي الصنارة، إذ لا تشكل هذه الطريقة أي مخاطر، فالصنارة لا تصطاد أسماك صغيرة بسبب انخفاض وزنها و صياديها يبحثون عن أحجام كبيرة لوزنها وتسويقها.

عشوائية صيد السمك لم تقتصر على عدم مراعاة فترة التكاثر، وإنما امتدت لتشمل أنواع متعددة من أدوات الصيد المحرّمة، مثل الصيد باستخدام الكهرباء، إذ يستخدم صيادون مولدة كهربائية يضعونها في زوارقهم ويصعقون مجرى النهر بالكهرباء ما يؤدي إلى صعق الأسماك ومعظم الكائنات الحية التي تطالها الكهرباء.
يقول محمد أبو يونس إن صيد الأسماك خلال العام الحالي بات معدوماً على الإطلاق، ولا يمكن تحقيق أدنى استفادة منه، بسبب عمليات الصيد الجائر باستخدام أدوات غير مناسبة، من خلال تسميم الأسماك، والديناميت، والصعق الكهربائي، ما تسبب بنفوق أسماك كبيرة ومتوسطة الحجم من نوعي الكرب والبوري.
كذلك؛ في نيسان 2024، تعرضت أسماك بحيرة الساجور لموجة نفوق آلاف الأسماك من الأحجام الكبيرة والمتوسطة من نوعي الكرب والبوري، طفت حينها على سطح البحيرة، ما دفع مديرية زراعة حلب التابعة لوزارة الزراعة في الحكومة السورية المؤقتة، إلى إجراء جولات ميدانية وتحاليل مخبرية للكشف عن أسباب نفوق أسماك البحيرة.
ورجح فريق مديرية الزراعة، أن نفوق الأسماك يعود لاستخدام الصعق الكهربائي أثناء الصيد من قبل بعض الصيادين ما أدى إلى موت الأسماك وتضرر الكائنات الحية في البحيرة، وتفريغ مخلفات معامل ومصانع في مجرى النهر ضمن الأراضي التركية، إضافة لسبب آخر أكدته وزارة الزراعة في تقريرها النهائي، يعود لنقص الأوكسجين في مياه البحيرة نتيجة الهطولات المطرية المرتفعة خلال عام 2024.

رغم التحاليل المخبرية التي أجراها فريق مديرية الزراعة، إلا أن صيادين في سد الساجور، ومن بينهم محمد أبو يونس، وعبدالقادر أبو يوسف، أكدوا أن نفوق الأسماك جاء نتيجة الصيد باستخدام السم، عبر تسميم مجرى النهر، ما أدى إلى نفوق أعداد وصفوها بـ “الهائلة” من الأسماك.
الصحفي المتخصص بقضايا البيئة، زاهر هاشم، قال إن عمليات الصيد الجائر باستخدام وسائل صيد غير قانونية مثل الديناميت أو الصعق الكهربائي أو السموم كانت سبباً رئيسياً بتراجع صيد الأسماك في بحيرة الغندورة، لأنها تسببت بقتل أعداد كبيرة من الأسماك دفعةً واحدة، بما في ذلك صغار الأسماك والأنواع التي لم تتكاثر بعد، وبالتالي عدم تجديد المخزون السمكي في البحيرة وتراجعه بشكل واضح.
وأضاف، أن نطاق الصيد الجائر تكون خلال صيد الأسماك في مواسم تكاثرها التي تكون عادة في فصل الربيع، واستخدام شباك صيد بفتحات صغيرة تؤدي إلى نفوق الأسماك الصغيرة واليرقات.
كما يوجد عوامل إضافية قد تساهم بنفوق الأسماك، مثل الفيضانات والأمطار الغزيرة التي تؤدي إلى نقص الأوكسجين في مياه البحيرة، بالإضافة إلى التلوث الكيميائي من المنشآت الصناعية على طول النهر، وتلعب درجات الحرارة العالية وزيادة معدلات التبخر في مياه البحيرة دورًا مساعدًا في زيادة تركيز الملوثات في البحيرة.

يحذّر هاشم من مخاطر الصيد الجائر وما يتركه من تأثير على التوازن البيئي، كذلك توقف التناسل تدريجياً، إثر اصطياد الأسماك الكبيرة المخصبة في فترات التكاثر، ما يؤدي إلى انقراض محلي لأنواع من الأسماك في الساجور، ويوقف عمل مئات الصيادين ومصدر رزقهم وارتفاع أسعار الأسماك ما يحول دون قدرة المواطنين على شرائها.
يحتاج الساجور إلى إجراءات توقف الصيد بالطرق غير القانونية، مثل المتفجرات والسموم والكهرباء والشباك غير النظامية، وفي مواسم تكاثر الأسماك، لأن البحيرة فقدت جزءاً كبيراً من مخزونها السمكي، وتحتاج إلى استرجاع مخزونها وتعويض النقص فيها بين 3 أو 4 سنوات.
ويوصي هاشم بـ وجوب اتباع إجراءات لتنظيف البحيرة وإزالة الأسماك النافقة وتعزيز تغذية الأسماك المتبقية بأعلاف مركزة، ومنع تلويث البحيرة بمخلفات المصانع والمخلفات البلدية. كذلك، اتباع أساليب الصيد الرشيد والمستدام الذي يؤمن احتياجات السكان والصيادين مع مراعاة استقرار المخزون السمكي في البحيرة، بالإضافة إلى تنظيم رخص الصيد ومراقبة التعديات وتوعية السكان والصيادين بمخاطر الصيد الجائر.
تتعرض الثروة السمكية السورية لاستنزاف مواردها، في انتظار حلول مجدية وتقنين عمليات الصيد ومحاسبة مرتكبي الصيد الجائر بأدواته العشوائية، من قبل السلطات المحلية، أملاً في الحفاظ عليها مهنة للصيادين ومصدر رزق لعائلاتهم، ووجبة غذائية بأسعار يمكن شراؤها.
