توقّفت أقنية الريّ التي تسقي آلاف هكتارات الأراضي الزراعية في منطقة عفرين بريف حلب، بعد انخفاض منسوب المياه في بحيرة ميدانكي، ما حال دون قدرة المزارعين على زراعة المواسم الصيفية، أو البحث عن حلول أخرى بتكلفة عالية وجودة ضعيفة.
البحيرة التي تقع في ناحية شرّان شمالي حلب، كانت تروي عبر أقنيتها الأراضي الزراعية في القرى والبلدات المحيطة بها والتي يعتمد سكانها على الزراعة كمصدر أساسي للدخل، كذلك تقدم مياه الشرب لمئات آلاف الأشخاص في منطقتي عفرين وإعزاز.
وبين أولوية تقديم مياه الشرب وريّ المحاصيل، أوقف ضخّ المياه عبر الأقنية إلى الأراضي الزراعية، بعد انخفاض تدريجي لمنسوب المياه في البحيرة، جرّاء الجفاف وقلة الهطولات المطرية، ليقدّر في العام الحالي بنحو ثلث سعتها التخزينية.
حسن برهو (50 عاماً)، من سكان قرية كفروم التابعة لناحية شران في منطقة عفرين شمال حلب، أحد المتضررين من توقف أقنية الري على أرضه التي تزيد مساحتها عن هكتارين، وصف خسارته في العام الحالي بـ “الكبيرة”.

يقول برهو “كنت أنتظر فتح قنوات الري لغرس شتلات البندورة والخيار والباذنجان والفليفلة، لكن ذلك لم يحدث”، وأضاف أن”توقف قنوات الري الذي تحتاجه هذه الشتلات، خاصة خلال شهري آذار ونيسان، وقلة الهطولات المطرية في فصل الشتاء، حالت دون زراعة أرضه والأراضي التي كانت تعتمد على البحيرة في سقايتها”.
يقدّر عبد القادر الحافظ، مدير مؤسسة مياه عفرين، منسوب المياه في بحيرة ميدانكي اليوم، بنحو 75 مليون متر مكعب، وبتراجع قدره 45 مليون متر مكعب عن العام المنصرم، إذ بلغ منسوب المياه في عام 2024 نحو 120 مليون متر مكعب.
وشهدت بحيرة ميدانكي، التي تبلغ مساحتها 14 كيلو متر مربع، تراجعاً تدريجياً في منسوب المياه، منذ إنشاء السد الذي يصل ارتفاعه إلى 73 متراً، و عرض قاعدته إلى 385 متراً، أما طول القمة فيصل إلى 980 متراً بعرض 10 أمتار، وتغذّى من نهر عفرين والينابيع والأودية التي تصل البحيرة مع ارتفاع نسبة الهطولات المطرية على الجبال، وتوفّر مياه الشرب لأكثر من 200 ألف نسمة في منطقتي أعزا ز وعفرين، وتروي نحو 30 ألف هكتاراً من الأراضي الزراعية.
تقدّر سعة البحيرة التخزينية بـ 190 مليون متر مكعب، لكن منسوب المياه تراجع فيها عاماً بعد عام، خاصة منذ عام 2020، إذ بدأ بالتناقص حتى وصوله إلى وضعه الحالي.

يرجع الحافظ، سبب انخفاض منسوب مياه بحيرة سد ميدانكي إلى “قلة الهطولات المطرية”، فـ “بحيرة ميدانكي بحيرة تجميعية يزداد منسوب المياه فيها من خلال الهطولات المطرية على الجبال التي تصل البحيرة عبر الأودية، إضافة إلى نهر عفرين”.
انخفاض منسوب المياه دفع مؤسسة المياه إلى إيقاف تشغيل مضخات المياه نحو أقنية الري، بهدف “توفير مياه الشرب لمدينتي أعزاز وعفرين اللتين تستهلكان يومياً نحو 20 ألف متر مكعب، بينما تغطي كمية المياه في البحيرة، مع تقديرات التبخير، توفير مياه الشرب للمدينتين مدة عامين فقط”، بحسب الحافظ.
ويضيف الحافظ سبباً آخر يتعلق ببنية سد ميدانكي الذي يحجز خلفه البحيرة، والمشيدّ من تربة غضارية وليس من خرسانة بيتونية، إذ يؤدي انخفاض منسوب المياه فيه إلى “جفاف السد ما يعرضه للتشقق وتسرب المياه وضياعها”، وهو ما دفع المؤسسة إلى اتخاذ قرار بعدم “التفريط بكميات المياه التي تضخ إلى أقنية الريّ”.
ويشرح الحافظ أن “التربة الغضارية، يطلق عليها تربة انتفاخية، لما تمتلكه من خاصية تغير القوام بحسب الرطوبة، إذ يزداد حجمها بزيادة الرطوبة، وينقص مع نقصانها، كما أنها قاسية وقابلة للكسر عندما تتعرض للجفاف”.

قلّة الهطولات المطرية تركت أثرها أيضاً على آبار المياه التي لجأ مزارعون في المنطقة لحفرها بغية تعويض الري بأقنية البحيرة، يقول أبو أحمد (65 عاماً) من سكان قرية الماتلي في ناحية شران، “إن ماء قنوات الري لم تصل إلى أرضي الزراعية لذلك حفرت بئر ماء ارتوازي بداية الشتاء الماضي تحضيراً لري المحصول الزراعي والخضروات التي تشكل مصدر دخل أساسي لعائلتي، لكن مياه البئر غارت وانخفضت كمياتها بسبب قلة الهطولات المطرية”.
يهدّد الجفاف موسم أبي أحمد الذي زرعه على مساحة أرضه البالغة نحو ثلاثة هكتارات ونصف الهكتار، وهو حال معظم مزارعي المنطقة التي توقف ضخ المياه إليها، ليجد أولئك الطريق مسدوداً أمامهم، بين توقف الضخ وشح مياه الآبار وتكلفتها العالية وقلة الهطولات المطرية، الأمر الذي يفقدهم مصدر دخلهم الوحيد.
