فوكس حلب

مجلة الكترونية تغطي أخبار محافظة حلب وعموم الشمال السوري.

kafranbel-city-focusaleppo

عودة أهالٍ إلى كفرنبل.. إعمار ذاتي وغياب شبه تام للخدمات

محمود يوسف السويد

استعادة الحياة في مدينة كفرنبل المهدّمة بعد عودة مئات العائلات إليها، مشاكل بالجملة وحلول فردية مع غياب المؤسسات الحكومية والمنظمات الإنسانية

لافتة معدنية بيضاء كتب عليها كيفما اتفق (دكان سمانة -كهرباء -صحية) إضافة لسهم يدّلك على دكان أعيد افتتاحه، على بعد أمتار، ما تبدأ به مشاهداتك في كفرنبل، جنوبي إدلب، بعد عودة قسم من سكانها المهجّرين، منذ خمس سنوات، إلى المدينة.

من دكان “عتبة الحميدو” ومروراً بكل شوارع كفرنبل، تجد هنا وهناك ما يشي بعودة حياة إلى المدينة المهدّمة، محلّات متناثرة، مدرسة بجهود فردية، ألواح طاقة شمسية على ما تبقى من أسقف ما تزال صامدة، حبال غسيل، مزارعون يستندون إلى أدوات زراعية قديمة وهم ينظرون إلى حقولهم التي تقطّعت أشجارها، قسم منهم لا يعرف من أين يبدأ، آخرون بدؤوا بالفعل.

نقطة طبية، بجهود فردية، اعتلت الطابق الثاني من ناحية المدينة (مركز الشرطة)، مربو ماشية وجدوا ضالتهم في مراعٍ غابت عنها الأغنام منذ تهجير أصحابها، وخلوّ المدينة إلا من مقاتلين لقوات نظام الأسد، آنذاك، لا يعيرون بالاً سوى “للقتل والنهب”، ورش بناء لترميم ما تهدّم، أكوام من الأنقاض لبيوت كان يعرفها سكان المدينة وصار يستدّل عليها بما تبقى من “بيت أبو فلان”، صهاريج ماء، أعمدة كهربائية دون أسلاك.

نحو ثُمن العائلات في كفرنبل عادت إلى بيوتها، وما تزال عائلات تعود في كل يوم، إذ يزيد العدد اليوم عن سبعمائة عائلة، من أصل 5 آلاف و 400 عائلة كانت تسكنها قبل تهجيرها في عام 2019، بحسب إحصاء أولي للمجلس المحلي في المدينة.

مدفوعين بـ “الحنين” و “الفقر” يعود قسم من سكان كفرنبل، مثل غيرهم من أبناء المدن والبلدات المهدّمة في جبل الزاوية إلى منازلهم وأراضيهم التي هُجّروا منها، إضافة للبدء باستعادة مواردهم الحياتية، إذ تشكلّ الزراعة عمود الحياة الفقري في إدلب، كذلك فرص عمل لأصحاب الورش الخدمية، كل ذلك يقابله إجراءات خجولة من الحكومة والمنظمات الإنسانية لمساعدة السكان، وهو ما يدفع سكّان آخرون لتأجيل عودتهم أو نسيانها.

عتبة الحمدو، أحد أوائل العائدين إلى كفرنبل، وجد في فتح دكّان لكل شيء ضالته في تأمين لقمة عيش لعائلته، وخدمة العائلات العائدة. غير بعيد عنه وبالقرب من الدوار الرئيس فتح خالد الرحال محلاً للبقالة تتوزع على رفوفه موادّ غذائية وحلويات محلية (بقلاوة -نمورة)، إضافة للخضار والفاكهة وحتى الدخان.

ضاق ذرع الرّحال الذي آثر أن لا يكون لـ كنيته نصيب في حياته هذه المرة، يخبرنا بلهجته الكفرنبالية أنه “نطف من المخيم والخيام ولونها الأزرق”.

بجانبه، أعاد أحمد الحسن فتح (محلات الحسكي) التي  ارتبطت باسم أسرته في كفرنبل، إذ وجد، على حدّ قوله، في عودة الأهالي والبدء بترميم منازلهم فرصة مواتية لبيع بضاعته من مستلزمات وعدد البناء، يقول “الحال هنا أفضل وحركة البيع جيدة”.

دكان سمانة في مدينة كفرنبل-نيسان 2024.
دكان سمانة في مدينة كفرنبل- نيسان 2025.
دكان جزارة في مدينة كفرنبل-نيسان 2024
دكان جزارة في مدينة كفرنبل- نيسان 2025

أمام يأس العائلات من حلول حكومية أو دولية بعد أكثر من أربعة أشهر على استعادة كفرنبل من نظام الأسد، وغياب المنظمات الإنسانية عن مدّ يد العون لإعادة إعمار ما تهدّم، لجؤوا إلى أنفسهم، مثل كل مرة، حسب من تحدثنا معهم، قسم منهم جلس فيما تبقى من منزله نجا من السرقة والدمار، آخرون اعتمدوا على مدخراتهم لترميم منازلهم، أما القسم الأكبر فينتظر ما لا يأمل به.

فرض المشهد الحالي طلباً متزايداً على عمال ورش البناء والكهرباء والصحية وما يتعلق بها، محمود الشاهين، يد ماهرة في حرفة البلاط وتركيب المطابخ والسيراميك، كما يصفه سكان في كفرنبل، يقول إنه، ومنذ عودته إلى المدينة لم يجد وقتاً للجلوس مع أفراد أسرته، كذلك ابن عمه عمار الشاهين، نجار بيتون، الذي وصف العمل بـ “المزدهر”، بعد سنوات من “البطالة”، إذ يخرج يومياً من ساعات الصباح الأولى ولا يعود حتى وقت متأخر ليلاً.

لا تجد ورشة شاغرة في هذه الأيام، يقول منصور الزعتور، أحد العائدين إلى كفرنبل،  إذ تحتاج للحظ لتضمن تلبية طلبك، أما باقي الشباب الموجودين فيمكن لهم العمل بتنظيف ركام المنازل وهدم المتهالك.

تبنى دورة اقتصادية كاملة في كفرنبل، أساسها تزايد أعداد العائدين إلى المدينة، لكنّ الافتقار للخدمات الأساسية مثل الكهرباء والماء والمدارس والصحة تشكل عائقاً، اجترح له السكان حلولاً مؤقتة لن تنفع مع توقعات بعودة كبيرة مع انتهاء المدارس وبدء موسم قطاف الأراضي الزراعية، نهاية أيار القادم.

على أسطح منازل في كفرنبل، تجد ألواح طاقة شمسية لتوليد الكهرباء، كان قسم كبير من أبناء محافظة إدلب قد تخلّو عنها بعد وصول الكهرباء إلى المنازل والمخيمات قبل نحو ثلاث سنوات.

خالد الرحال واحد من الأشخاص الذين حملوا منظومة الطاقة الشمسية خاصته في رحلة عودته لتأمين الكهرباء اللازمة لتشغيل بيته ومحله. آخرون فعلوا الشيء ذاته بانتظار وصول الكهرباء إلى مدينتهم.

شبكة المياه معطّلة هي الأخرى في كفرنبل، ولم يفلح تشغيل بئرين ارتوازيين في المدينة بتخفيض أسعار الصهاريج  التي يعتمد عليها العائدون في تأمين حاجتهم من المياه، إذ يباع الصهريج الواحد بنحو 400 ليرة تركية (10.5 دولار)، لا يكفي عائلة من خمسة أفراد لأسبوع واحد.

عبد الله الداني، عضو المجلس المحلي في كفرنبل، أخبرنا أنهم “تواصلوا مع منظمات حكومية لإعادة تفعيل وتشغيل آبار المياه الجوفية غربي المدينة، والتي كانت تمد المواطنين بالمياه سابقاً، بما في ذلك صيانة وإصلاح ما لحق بشبكة المياه من أعطال”.

كذلك “تلقّوا وعوداً من شركة كهرباء إدلب، عبر مديرها المهندس إبراهيم حميجو، بسعي الشركة لإنجاز خط التوتر الرئيسي الذي يغذي محطتي جسر الشغور والبارة بالكهرباء، وبأن كفرنبل و60 بلدة وقرية أخرى في جبل الزاوية وريف جسر الشغور، ستصلها الكهرباء في حال أنجز الخط المذكور”. دون أن يحدد حميجو فترة زمنية لذلك الإنجاز.

لا يجدي الانتظار في الكثير من الخدمات، وعلى رأسها حاجة الأطفال العائدين إلى مدرسة لمتابعة تحصيلهم العلمي، الأمر الذي دفع مدرسون في كفرنبل للحصول على موافقة من مديرية التربية والتعليم في إدلب بإعادة تأهيل جزئي للمدرسة الريفية الإبتدائية في المدينة.

مدير المدرسة الحالي صلاح الزعتور، قال إن المدرسة اليوم تضم نحو 600 طالب وطالبة، يقوم على تدريسهم كادر من المدرسين العاملين والوكلاء بعقود مؤقتة.

رمّمت الصفوف جزئياً، استعيض عن المقاعد بفرش اسفنجية، وحمل الآباء والأمهات عبء إيصال أطفالهم إلى المدرسة الوحيدة من أماكن بعيدة، حيث يسكنون، في سبيل إنقاذ عام أبناءهم الدراسي الذي شارف على نهايته أملاً في فتح مدارس جديدة لاستيعاب القادمين الجدد.

تلاميذ المدرسة الريفية في مدينة كفرنبل-نيسان 2024.
تلاميذ المدرسة الريفية في مدينة كفرنبل-نيسان 2025.

القائمون على الرعاية الصحية لم يجدوا نقطة طبية أو مستشفى صالح لعملهم، ما دفعهم لإحداث نقطة طبية، بمبادرة شخصية من الدكتور حسن البحوش رفقة ممرضين آخرين، في الطابق العلوي من ناحية كفرنبل (مركز الشرطة سابقاً).

خدمات  بسيطة مثل المعاينات والإسعافات الأولية ما تقدمه النقطة الطبية المستحدثة، ضمن إمكانيات محدودة وتجهيزات أولية، معتمدين على تبرعات تأتي من أطباء وعاملين في مجال الصحة من أبناء كفرنبل، تتمثل بتوفير أدوية وبعض المستلزمات الطبية.

رغم إمكانياتها البسيطة، فإن وجود نقطة طبية  أمر ضروري لا يمكن التخلي عنه، يقول الدكتور حسن، إذ “لم تعد خدمات النقطة الطبية محصورة بأبناء كفرنبل فقط، إذ يقصدنا اليوم أبناء القرى والبلدات القريبة والبعيدة وصولاً لسهل شحشبو وحدود سهل الغاب، لغياب أي وجود لمراكز طبية أو مستشفيات في المنطقة بالكامل”.

تبرز مشكلات أخرى في وجه العائدين إلى مدنهم وبلداتهم بريف إدلب الجنوبي، يشكل ارتفاع الأسعار في محلاتها أحد أهمها، إذ تقدّر زيادة الأسعار فيها عن أسواق الدانا وسرمدا وإدلب بين 25 إلى 50%، يعود ذلك لبعد المسافة وأجور النقل العالية للبضائع، مع غياب محلات الجملة، ما يضطر أصحاب المحلات لتحميل أجرة النقل على البضائع، بحسب خالد الرحال الذي يبتاع ما يحتاج دكانه من بلدة ملس شمالي إدلب.

كذلك، شكّل انتشار الأنقاض والركام والمخلفات الحربية عائقاً آخر، فكيفما التفتّ في شوارع كفرنبل تجد دبابة مركوبة أو آلية عسكرية محترقة أو بقايا صواريخ لم تنفجر، وتحتاج إزالتها إلى إمكانيات ووقت طويل، بحسب عبد الله الداني، عضو المجلس المحلي المشكل بصفة طارئة للإشراف على شؤون المدينة، والذي بدأ بالتعاون مع فرق الدفاع المدني بـ “تنظيف الشوارع من ركام المنازل المهدمة، وإزالة قسم من المخلفات الحربية التي تم العثور عليها، لكن إزالتها بصورة تامة، كذلك تأمين الحد الأدنى من الخدمات، يتطلب وقتاً وموارد لا يملكها المجلس بوضعه الحالي”.

مخلفات حربية داخل أحد المنازل في مدينة كفرنبل-نيسان 2024.
مخلفات حربية داخل أحد المنازل في مدينة كفرنبل- نيسان 2025.

مربو الماشية وجدوا في كفرنبل حلّاً لماشيتهم التي ضاقت بها المراعي مع ارتفاع أسعار الأعلاف، فـ “المراعي بكر لم تطأها قدم منذ سنوات”، على حد تعبير مربي الماشية برهوم العملي الذي وجد في هذه المراعي سبباً لعودته وعائلته إلى المدينة التي يبيع لسكانها منتجات أغنامه من الحليب واللبن والأجبان، كذلك فتح محل جزارة فيها.

عودة لا تخلو هي الأخرى من مشكلات، فكيفما التفت في كفرنبل تجد أحراشاً غصّت بالألغام والمخلفات الحربية، التي تودي بحياة رعاة الأغنام، كان آخرها مقتل ثلاثة أطفال من أسرة واحدة بانفجار مقذوف حربي في بساتين كفرنبل، أثناء رعيهم للأغنام في شباط الماضي.

بين العائدين والمتريثين في العودة أو الرافضين لها مطلقاً، ينقسم سكان كفرنبل، ولكل منهم أسبابه، ليبقى الأمر مرهوناً بتكاتف جهود حكومية ومحلية ودولية لتأمين سبل العيش والخدمات والاستقرار، كحلّ لنزوح طويل يجب طيّ قيده.