تعكس مشاهد الحياة في مدينة كفرتخاريم، جانبًا من الواقع اليومي في شمال غربي سوريا بعد سنوات من النزاع. من الحرفيين إلى الأطفال، ومن فقدان الوظائف إلى محاولات التكيّف مع انقطاع الخدمات، ترصد هذه النصوص نماذج فردية تكشف التحديات الاقتصادية والاجتماعية التي يواجهها السكان في مرحلة ما بعد “سقوط الأسد”.

المنشار الأخير
عبد المجيد قرقجيّة، المعروف بـ”أبو نذير”، 62 عامًا، من مدينة كفرتخاريم بريف إدلب الغربي. يعمل في صناعة المناشير الخشبية اليدوية، وهي أداة يستخدمها المزارعون لتقليم الأشجار المثمرة، خصوصًا أشجار الزيتون التي تشتهر بها محافظة إدلب.
هذه الحرفة من أقدم الصناعات اليدوية في سوريا. يعتمد أبو نذير، الذي بدأ العمل بها منذ عام 1992، على مواد أولية يستوردها من مدينة حلب. علّم هذه الصنعة لحرفيين في منطقته، وكان يصدّر مناشيره إلى مختلف القرى والمحافظات السورية، كما وصلت منتجاته إلى لبنان وتركيا.
تأثرت هذه الحرفة بتبعات الحرب المستمرة منذ عام 2011، فمع الحصار، وانقطاع الطرق، وتهجير السكان، وابتعادهم عن أراضيهم الزراعية، تراجع الطلب على المناشير اليدوية، ما أدى إلى انخفاض إنتاجه بشكل ملحوظ.
ورغم انتشار المناشير الصناعية المستوردة، خاصة الصينية منها، يرى أبو نذير أن صناعته ما زالت تحظى بثقة كثير من المزارعين، بسبب جودة منتجه الذي يتميز بشفراته الخشنة والناعمة، ومعدنه المتين، ما يجعله يدوم لسنوات طويلة مقارنةً بالمناشير المستوردة.
تشكّل هذه الحرفة اليوم مصدر الدخل الوحيد لعائلة أبو نذير، خصوصًا بعد انقطاع راتبه التقاعدي بسبب عدم قدرته على تجديد بطاقته المصرفية، نظرًا للمخاطر الأمنية والتكاليف المادية المرتفعة المرتبطة بالسفر إلى مناطق سيطرة نظام الأسد قبل سقوطه.
لم يستطع أبو نذير استلام رواتبه رغم سقوط الأسد، يقول: “الحصول على الراتب يتطلب السفر إلى محافظة أخرى، وهو أمر مرهق ومكلف”. لذلك يواصل عمله في هذه الحرفة، محافظًا على مصدر رزقه والتقليد الذي يراه جزءًا من الهوية الزراعية والحرفية للمنطقة.

الحدّاد الذي يزرع الورد
أيمن خربطلي، شاب من مدينة كفرتخاريم، 34 عامًا، يعمل في مهنة الحدادة، ويزرع الورد كهواية ومصدر دخل في آن واحد. يجمع بين مهنة تعتمد على الحديد والنار، وأخرى فيها حياة وتحتاج إلى عناية وصبر.
منذ صغره، أحب زراعة الورد، متأثرًا بوالدته وجدته اللتين كانتا تهتمان بالزراعة. وبمرور الوقت، تحولت الهواية إلى جزء أساسي من حياته، إلى جانب عمله في الحدادة.
يحمل أيمن شهادة في إدارة الأعمال، لكنه لم يعمل في مجاله الدراسي. فضّل التوجه إلى الزراعة، التي وجد فيها شغفه، كما أنها توفّر له دخلًا يعين أسرته على مواجهة ظروف المعيشة الصعبة في المنطقة.

صانع الضوء
إياد الموصللي، من أبناء مدينة كفرتخاريم بريف إدلب، 58 عامًا، يعمل في تصنيع البطاريات يدويًا منذ ما يقارب ثلاثين عامًا. تخصّص في إنتاج البطاريات التي تُستخدم في الإنارة وتشغيل السيارات، ويعتمد في عمله على تركيب وتجميع المكوّنات الأساسية للبطارية، مثل شرائح المعدن، المحاليل الكيميائية، الإلكترونيات، وشرائط النحاس.
توفّر هذه الحرفة مصدر دخل أساسي لإياد وعائلته، خاصة بعد اندلاع الثورة السورية عام 2011، وانقطاع الكهرباء عن معظم المدن والبلدات، فازداد الاعتماد على البطاريات كمصدر بديل للطاقة.
غير أن الحاجة إلى البطاريات بدأت بالتراجع تدريجيًا، بعد دخول شركات الكهرباء التركية إلى مناطق ريف إدلب الشمالي، وتحسن وضع الكهرباء في بعض المناطق السورية بعد خروجها عن سيطرة نظام الأسد.
يستورد إياد المواد الأولية من تركيا، بينما يدير أبناؤه محلًا متخصصًا ببيع البطاريات التي يصنعها والدهم. وعلى الرغم من أن هذا النوع من الصناعة لا يعتمد على آلات حديثة، إلا أنها تتطلب مهارة ودقة، وتشكّل خطرًا مباشرًا على العامل، ما يدفع إياد إلى ارتداء قناع واقٍ لحماية وجهه من الشرر المتطاير أثناء العمل.

بائع دفء.. ينتظر جواب الدولة
أحمد عثمان، من مدينة كفرتخاريم، 60 عامًا. كان يعمل موظفًا في إحدى الدوائر الحكومية في مدينة حلب، قبل أن يتم اعتقاله من قبل قوات نظام الأسد في السنوات الأولى للثورة السورية. نتيجة الاعتقال، فُصل من عمله، وانقطع راتبه، وفقد مصدر دخله الأساسي.
بعد خروجه من المعتقل، عاد أحمد إلى بلدته كفرتخاريم، وافتتح محلًا صغيرًا لبيع المحروقات ومواد التدفئة. يعتمد على هذا العمل البسيط لتأمين لقمة العيش لعائلته، في ظل غياب أي دعم حكومي أو تعويض عن سنوات الاعتقال والانقطاع عن العمل.
ورغم مضي سنوات على خروجه من السجن وسقوط نظام الأسد، ما يزال مصير وظيفته مجهولًا. لا يعلم أحمد ما إن كان سيتمكن من استعادة راتبه المتوقّف، أو إن كانت الدولة ستنظر في وضعه وتُحيله إلى التقاعد كما يطالب منذ سنوات.
تزداد الصعوبات التي يواجهها، خاصة في ظل أوضاع معيشية قاسية، وتحمّله مسؤولية إعالة أطفال من ذوي الإعاقة، ما يضاعف الأعباء اليومية الملقاة على عاتقه. بالنسبة لأحمد، لا يتعلق الأمر فقط براتب مفقود، بل بعدالة غائبة، وانتظار طويل لردّ لم يصدر بعد.

طفولة على قارعة الانتظار
في مدينة كفرتخاريم، وتحديدًا بعد سقوط الأسد، لم يختلف واقع الطفولة كثيرًا عمّا كان عليه في سنوات الحرب. المهجّرون ما زالوا عاجزين عن العودة إلى منازلهم المدمّرة، والبنية التحتية التي خلفها القصف والإهمال ما تزال دون ترميم. الغالبية لا تملك القدرة المادية لإصلاح ما تهدّم، والعودة إلى مناطقهم الأصلية ما تزال مؤجلة إلى أجل غير معلوم.
وسط هذا المشهد، يعيش الأطفال في ظروف لا تُناسب الحد الأدنى من متطلبات الطفولة. بعضهم فقد أحد والديه أو كليهما، وبعضهم نشأ في المخيمات أو في منازل مستأجرة، لا يعرف عن قريته أو مدينته سوى الاسم الذي يحفظه ويردّده حين يُسأل: “من أين أنت؟”.

هؤلاء الأطفال ليسوا مجرد مشهد جانبي في الحياة اليومية، بل هم في قلب الحكاية. من طريق المدرسة إلى السوق، من اللعب في الأزقة إلى البحث عن الدفء في الشتاء، يعيشون طفولتهم بين الواجبات والانتظار. واقعهم مرهون بتحسن الظروف السياسية والأمنية، التي قد تسمح بعودة المهجّرين، أو على الأقل بتوفير بيئة مناسبة للحياة والتعليم والنمو.











