أعاد إعلان وزيرة الشؤون الاجتماعية والعمل السورية هند قبوات، وصول مقترح منح الجنسية السورية لأبناء السوريات المتزوجات من غير سوريين إلى مرحلة الإقرار، ملفاً حقوقياً وقانونياً قديماً إلى الواجهة، وسط جدل بين مؤيدين يرون في الخطوة إنصافاً للأمهات وأطفالهن، ومعارضين يثيرون تساؤلات بشأن تداعياتها الأمنية والديموغرافية في بلد شهد سنوات من الحرب والنزوح ووجود مقاتلين أجانب من جنسيات مختلفة.
وفي حين تحدثت قبوات عن تقدم المقترح، أكد عضو مجلس الشعب أسامة النعوس، في تصريح خاص لفوكس حلب، أنّ مشروع تعديل قانون الجنسية لم يُحل إلى المجلس حتى الآن، وما يزال في مرحلة الدراسة والإعداد، مشيراً إلى أن إقراره يتطلب المرور بمراحل تشريعية ومناقشات داخل اللجان المختصة.
ويعيد المقترح فتح النقاش حول قانون الجنسية السوري الصادر عام 1969، الذي أتاح للأب نقل جنسيته إلى أبنائه سواء ولدوا داخل البلاد أو خارجها، بينما قيّد انتقالها عن طريق الأم بحالات استثنائية، ما دفع منظمات نسوية وحقوقية إلى المطالبة بتعديله منذ أكثر من عقدين، وسط تساؤلات متجددة بشأن الفئات التي سيشملها التعديل، خاصّةً أبناء المقاتلين الأجانب والمولودين خارج سوريا وحاملي الجنسيات الأخرى.
ماذا أعلنت هند قبوات في جنيف؟
خلال مشاركتها في حلقة نقاش رفيعة المستوى حول الهوية القانونية في سوريا، عُقدت بمقر الأمم المتحدة في جنيف، الأربعاء (4 تشرين الثاني 2026)، كشفت الوزيرة هند قبوات عن تقدم العمل على مقترح يمنح الجنسية السورية للأطفال المولودين لأمهات سوريات وآباء غير سوريين، مشيرة إلى وصوله إلى مرحلة الإقرار.
وحدّدت قبوات أربعة شروط للمقترح، تشمل تسجيل الزواج رسمياً في سجلات الأحوال الشخصية، وأن تكون الأم سورية بالأصل وليست حاصلة على الجنسية بالتجنس، وألا يكون مقدم الطلب مداناً بجرائم، إلى جانب استكمال الأوراق الثبوتية والحصول على موافقة السلطات المعنية.
وأوضحت قبوات أن لجنة حكومية برئاسة وزارة الداخلية، تضم ممثلين عن وزارتي الأوقاف والشؤون الاجتماعية والعمل ومجلس الدولة، تتولى دراسة المقترح، فيما أفادت وكالة الأنباء السورية “سانا” بأنّ اللجنة شُكّلت في أيار الماضي، ضمن جهود معالجة مشكلات الهوية القانونية والأوراق الثبوتية التي خلّفتها سنوات الحرب.
كذلك، تحدثت قبوات عن الأعباء التي تواجهها النساء والأرامل نتيجة غياب الآباء أو فقدان الوثائق، وما يترتب على ذلك من صعوبات في تسجيل الأطفال وحصولهم على الرقم الوطني والتعليم والرعاية الصحية والحماية الاجتماعية، مشيرةً إلى جهود لتسهيل تصحيح الأخطاء في السجلات المدنية وتخفيف الأعباء القضائية والإدارية عن الأسر التي تواجه مشكلات في تسجيل الوقائع المدنية.
المشروع لم يصل إلى مجلس الشعب
أكّد عضو مجلس الشعب السوري أسامة النعوس لفوكس حلب، أنّ مشروع تعديل قانون الجنسية، المتعلق بمنح المرأة السورية المتزوجة من غير سوري حق نقل جنسيتها إلى أبنائها، لم يُحل إلى المجلس حتى الآن، وما يزال في مرحلة الدراسة والإعداد.
وأوضح النعوس أن المشروع، في حال وصوله إلى مجلس الشعب، سيمر بعدة مراحل تشريعية، تبدأ بدراسته من الناحية القانونية والدستورية، قبل إحالته إلى اللجنة المختصة لمناقشة مواده وإجراء التعديلات اللازمة، تمهيداً لعرضه على المجلس والتصويت عليه.
وأضاف أنّ دراسة المشروع داخل اللجان قد تستغرق وقتاً، خصوصاً إذا استدعت مواده تعديلات أو إضافات قبل طرحه للتصويت، مؤكداً ضرورة دراسة القانون بعناية نظراً إلى تشعب القضايا التي يتناولها وآثاره القانونية والاجتماعية.
ولفت إلى أنّ التعديل قد يسهم في معالجة أوضاع أبناء السوريات المتزوجات من فلسطينيين أو أجانب آخرين، وهي حالات تستدعي دراسة الآثار المترتبة على منح الجنسية، بما فيها الحقوق المدنية والسياسية، وإمكانية المشاركة في الانتخابات والترشح وتولي بعض المناصب والوظائف في الدولة.
كذلك، أشار النعوس إلى الحاجة لوضع آليات واضحة لإثبات النسب والوثائق، خصوصاً لدى الأسر التي فقدت أوراقها الرسمية خلال سنوات الثورة والحرب، معرباً عن تأييده تعديل القانون بما ينصف المرأة السورية وأبناءها، مؤكداً سعيه إلى دعم المشروع عند وصوله إلى المجلس، ودراسة تفاصيله والمقترحات المتعلقة به، وصولاً إلى معالجة المشكلات التي واجهتها هذه العائلات طوال السنوات الماضية.
من جانبه، دعا عضو مجلس الشعب السوري عبدالله غنوم إلى دراسة مقترح تعديل قانون الجنسية من مختلف جوانبه القانونية والاجتماعية والوطنية، مع مراعاة جنسية الأب والظروف المرتبطة بكل حالة، بما يحقق الإنصاف لأبناء السوريات ويحفظ المصلحة العامة للدولة.
وأكّد غنوم في منشور على “فيس بوك”، تأييده صون حقوق المرأة السورية ومعالجة المشكلات التي تواجه أبناءها، مشدداً على ضرورة التروي في دراسة التعديل ومناقشة آثاره قبل إقراره، وعدم استباق النتائج أو تداول معلومات توحي بحسم مشروع ما يزال قيد البحث.
ماذا يقول قانون الجنسية السوري منذ عام 1969؟
يعود التشريع الأساسي المنظم للجنسية السورية إلى “المرسوم التشريعي رقم 276” الصادر في 24 تشرين الثاني 1969، خلال عهد الرئيس نور الدين الأتاسي.
وتنص الفقرة الأولى من المادة الثالثة على اعتبار كل من ولد داخل سوريا أو خارجها من أب سوري، سورياً بحكم القانون، ما يتيح للأب نقل جنسيته إلى أبنائه بمجرد ثبوت النسب، بصرف النظر عن مكان الولادة أو جنسية الأم.
أمّا بالنسبة إلى الأم السورية، فقد حصر القانون انتقال جنسيتها إلى أبنائها في حالات محددة، أبرزها ولادة الطفل داخل سوريا من أم سورية دون ثبوت نسبه إلى أبيه قانوناً. وتتضمن المادة نفسها حكماً يمنح الجنسية للمولود داخل سوريا إذا لم يكن يحق له عند ولادته اكتساب جنسية أجنبية عن طريق النسب، في إطار معالجة بعض الحالات التي قد تؤدي إلى انعدام الجنسية.
وبموجب هذه الأحكام، فإن الطفل المولود لأم سورية وأب غير سوري معلوم النسب، والمستحق لجنسية والده، لا يستطيع اكتساب الجنسية السورية بمجرد ثبوت نسبه إلى أمه، حتى لو ولد ونشأ داخل سوريا، ما لم تنطبق عليه أحكام قانونية أخرى.
ويبرز هنا الفرق بين ثبوت الجنسية عن طريق النسب، الذي يرتبط بالشروط القانونية المحددة منذ الولادة، واكتسابها بالتجنس، الذي يخضع لطلبات وإجراءات وموافقات خاصة، ما يثير تساؤلات بشأن طبيعة التعديل المقترح، وما إذا كان سيمنح الأم السورية حق نقل جنسيتها إلى أبنائها أسوة بالأب، أو سيبقي حصولهم عليها خاضعاً لشروط إضافية.
مطالبات بتعديل القانون منذ أكثر من 20 عاماً
سبقت المطالبات بتعديل قانون الجنسية السوري اندلاع الثورة عام 2011 بسنوات، عندما أطلقت منظمات نسوية وحقوقية حملات للمطالبة بمساواة المرأة بالرجل في حق نقل الجنسية إلى الأبناء.
وفي تشرين الثاني 2004، تقدم أعضاء في مجلس الشعب بمقترح لتعديل المادة الثالثة من “المرسوم التشريعي رقم 276″، عبر إضافة الأم السورية إلى النص الذي يمنح الجنسية لأبناء الأب السوري المولودين داخل البلاد أو خارجها.
وفي أيار 2006، وجهت رابطة النساء السوريات مذكرة إلى رئاسة مجلس الوزراء، أشارت فيها إلى أن 35 عضواً وعضوة في مجلس الشعب سبق أن رفعوا مقترح التعديل، دون حسم مصيره بعد مرور أكثر من عام ونصف العام على تقديمه.
واستندت الرابطة إلى مبادئ المساواة أمام القانون والاتفاقيات الدولية المتعلقة بحقوق المرأة والطفل، إضافة إلى الصعوبات التي تواجهها الأسر التي تكون فيها الأم سورية والأب من جنسية أخرى.
لكن هذه التحرّكات لم تفضِ إلى تعديل الأحكام الأساسية المتعلقة بانتقال الجنسية عن طريق الأم، وبقيت القضية معلقة خلال سنوات حكم نظام الأسد، قبل أن تكتسب أبعاداً إضافية مع اندلاع الحرب وما رافقها من نزوح ولجوء وفقدان للوثائق الرسمية.
وشهد ملف الجنسية تطوراً آخر مطلع العام الجاري، مع صدور “المرسوم الرئاسي رقم 13” بتاريخ 16 كانون الثاني 2026، الذي تضمن منح الجنسية السورية للمواطنين من أصول كردية المقيمين في البلاد، بمن فيهم مكتومو القيد، وإلغاء التدابير الاستثنائية المرتبطة بإحصاء الحسكة عام 1962.
وبدأت وزارة الداخلية تنفيذ أحكام المرسوم خلال العام، عبر استقبال الطلبات وتدقيق الوثائق وإجراء المقابلات القانونية والإدارية، في إطار معالجة أوضاع المواطنين المشمولين به.
كيف انعكس القانون على حياة العائلات السورية؟
تركت أحكام قانون الجنسية آثاراً على بعض العائلات التي تكون فيها الأم سورية والأب من جنسية أخرى، خصوصاً في الحالات التي ولد فيها الأبناء ونشؤوا داخل البلاد دون أن يتمكنوا من اكتساب الجنسية السورية عن طريق أمهاتهم، رغم ارتباطهم بها عائلياً واجتماعياً.
وواجهت بعض هذه العائلات صعوبات قانونية وإدارية تتعلق بالإقامة وتسجيل الأبناء واستخراج الوثائق الرسمية، إذ يرتبط وضع الأطفال بجنسية آبائهم والقوانين المعمول بها في بلدانهم، ما قد يفرض على العائلات إجراءات إضافية لتسوية أوضاع أبنائها.
وامتدت التعقيدات إلى عائلات سورية مقيمة في الخارج، خاصة الأسر التي يحمل أفرادها جنسيات مختلفة أو يولد أطفالها في دولة ثالثة، حيث تتداخل قوانين الجنسية والإقامة وتسجيل الولادات، كما تفاقمت بعض المشكلات خلال سنوات الحرب، مع فقدان الوثائق الرسمية وغياب الآباء أو وفاتهم، ووجود حالات زواج وولادة غير مسجلة، ما زاد صعوبة إثبات النسب واستخراج الأوراق الثبوتية.
وتختلف الأوضاع القانونية لهؤلاء الأطفال، فبعضهم يحمل جنسية والده دون أن يتمكن من اكتساب الجنسية السورية عن طريق أمه، بينما يواجه آخرون خطر انعدام الجنسية، أي عدم اعتبارهم مواطنين من قبل أي دولة بموجب قوانينها.
وفي حالات أخرى، يكون الطفل مستحقاً لجنسية معينة، لكنه يعجز عن إثباتها بسبب فقدان الوثائق أو تعذر تسجيل ولادته أو نسبه، وهي مشكلة تختلف قانونياً عن انعدام الجنسية، وإن كانت قد تؤدي إلى صعوبات مشابهة في الحصول على الخدمات وممارسة الحقوق الأساسية.
دعوات أممية لإصلاح قوانين الجنسية والهوية
تزامن إعلان الوزيرة هند قبوات مع اهتمام أممي متجدد بمشكلات الهوية القانونية التي خلفتها سنوات الحرب في سوريا، وما ترتب عليها من صعوبات في تسجيل الولادات وإثبات النسب واستخراج الوثائق المدنية.
وفي تقرير نشره موقع أخبار الأمم المتحدة، مطلع تشرين الثاني، تناولت لجنة التحقيق الدولية المستقلة المعنية بسوريا القيود القانونية والإدارية التي تؤثر في حصول الأطفال على الهوية والجنسية، والحاجة إلى مراجعة الأحكام التي تحد من قدرة المرأة السورية على نقل جنسيتها إلى أبنائها.
وحذّرت اللجنة من انعكاسات غياب الوثائق القانونية على حقوق الأطفال، خصوصاً في الوصول إلى التعليم والرعاية الصحية والحماية القانونية، مشيرة إلى تعقيدات إضافية تواجه الأسر التي يغيب فيها الأب أو يتعذر إثبات النسب إليه.
وتأتي هذه الدعوات في ظل تحديات تواجهها السلطات السورية لإعادة تنظيم السجلات المدنية وتسوية أوضاع الأطفال الذين ولدوا خلال سنوات النزوح أو في مناطق تعطلت فيها المؤسسات المختصة بتسجيل الوقائع المدنية.
جدل سوري تتداخل فيه الحقوق بمخاوف الحرب
عكست النقاشات على مواقع التواصل الاجتماعي تبايناً في المواقف من المقترح، تأثّر بالتجارب التي عاشها السوريون خلال سنوات الحرب، حيث ركّز معترضون على احتمال استفادة أبناء مقاتلين أجانب ارتبطوا بتشكيلات عسكرية مختلفة، بينما دعا مؤيدون إلى الالتفات لأوضاع السوريات المتزوجات من أجانب، خصوصاً اللواتي يتحملن مسؤولية رعاية أطفالهن ويواجهن صعوبات في تسوية أوضاعهم القانونية، وسط مطالبات بإنهاء التفاوت القائم بين الأب والأم في حق نقل الجنسية.
ولاقى المقترح تأييداً من شخصيات سياسية وحقوقية سورية، اعتبرت أن منح الأم حق نقل جنسيتها إلى أبنائها يعالج تفاوتاً قانونياً استمر لعقود، ففي منشور على “فيس بوك”، اعتبر مصطفى سيجري -رئيس المكتب السياسي في الجبهة السورية للتحرير- أن الجنسية السورية حق لأبناء السوريات، داعياً إلى إقرار التعديل وإنهاء التمييز بين الأب والأم في نقل الجنسية.
وأكّد سيجري أن الأم السورية تتمتع بحقوق المواطنة كاملة، ومن حقها نقل جنسية وطنها إلى أبنائها أسوة بالأب، معتبراً أن إقرار القانون يشكل خطوة لإنصاف المرأة وحماية مستقبل أطفالها.
من جانبها، اعتبرت الباحثة والصحفية السورية آلاء المحمد أن منح الجنسية لأبناء السوريات المتزوجات من أجانب يمثل مكسباً حقوقياً للمرأة، بصرف النظر عن ظروف الزواج أو خلفيات الأزواج، سواء قبل الحرب أو خلالها. ورأت المحمد أن أهمية التعديل تتجاوز معالجة الحالات المرتبطة بالمهاجرين أو الزيجات التي نشأت خلال السنوات الماضية، باعتباره إصلاحاً قانونياً طويل الأمد ينعكس على الأجيال المقبلة.
وفي بيان صادر في 5 تشرين الثاني، رحّب تيار المستقبل السوري بمقترح منح الجنسية لأبناء السوريات، معتبراً أنه خطوة لمعالجة التمييز القانوني بين المرأة والرجل، ودعا إلى الإسراع في إقراره ونشره في الجريدة الرسمية، وتعديل قانون الجنسية لعام 1969 بما يضمن حق الأم في نقل جنسيتها إلى أبنائها، سواء ولدوا داخل سوريا أو خارجها، بمن فيهم من تجاوزوا سن الطفولة. كذلك، طالب التيار بإجراء مسح وطني لحصر الحالات المتضررة من القانون الحالي، وتبسيط إجراءات الحصول على الجنسية وتخفيف التعقيدات الإدارية.
في المقابل، أثار المقترح اعتراضات تركّزت على توقيت طرحه وتداعياته المحتملة، في ظل ما شهدته سوريا خلال سنوات الحرب من نزوح وتهجير ووجود مقاتلين أجانب من جنسيات مختلفة. وفي هذا السياق، دعا فريد المذهان -المعروف بلقب “قيصر”- إلى مراعاة خصوصية الحالة السورية عند مناقشة تعديل قانون الجنسية، مع تأكيده أهمية إنصاف المرأة السورية في حق نقل جنسيتها إلى أبنائها.
وأشار المذهان، في منشور على “فيس بوك”، إلى وجود حالات زواج بين سوريات ومقاتلين أجانب شاركوا في الحرب إلى جانب نظام الأسد، فضلاً عن زيجات في دول اللجوء والمهجر من عناصر مرتبطة بميليشيات مسلحة، معتبراً أن هذه الحالات تستدعي دراسة الآثار القانونية والاجتماعية والديموغرافية للتعديل، بما يوازن بين الحقوق الفردية والمصلحة الوطنية.
وتساءل عن المسار التشريعي للمقترح، وما إذا كان قد أُحيل إلى اللجان المختصة في مجلس الشعب، وخضع لدراسات قانونية وأمنية واجتماعية معمقة، ومدى الاستماع إلى آراء المختصين ومناقشة مواده قبل الوصول إلى مرحلة الإقرار.
من جانبه، تساءل الناشط صهيب اليعربي عن أسباب التوجه نحو منح الجنسية مباشرة، مقترحاً معالجة أوضاع أبناء السوريات عبر منح الإقامة المؤقتة، ثم الدائمة، بما يضمن حصولهم على حقوق التعليم والرعاية الصحية والعمل.
وانتقد اليعربي توقيت طرح المقترح، بينما ما يزال كثير من اللاجئين والنازحين السوريين عاجزين عن العودة إلى منازلهم، محذراً من أن التوسع في منح الجنسية قد يسهم، وفق تقديره، في ترسيخ آثار التغييرات السكانية التي شهدتها البلاد، أو يتيح استفادة أبناء أشخاص شاركوا في النزاع.
وتظل هذه المخاوف المتعلقة بالتغيير الديموغرافي ضمن تقديرات أصحابها، في ظل غياب بيانات رسمية توضح أعداد المستفيدين المحتملين من التعديل وتوزعهم، أو تثبت ارتباط المقترح باستهداف فئات سكانية محددة.
ومن بين المواقف التي دعت إلى ضوابط قانونية وأمنية، اعتبرت الناشطة السورية غيداء الحسين أن إنصاف الأطفال وحماية حقوق الأمهات السوريات يستدعي وضع معايير واضحة للحصول على الجنسية. وأشارت الحسين إلى وجود حالات زواج خلال الحرب بين سوريات وأجانب ارتبط بعضهم بتشكيلات عسكرية متهمة بارتكاب انتهاكات بحق السوريين، مطالبة بدراسة الحالات بصورة فردية والتحقق من خلفيات الآباء عند الحاجة.
وشدّدت على ضرورة عدم تحميل الأطفال مسؤولية الجرائم التي قد يكون ارتكبها آباؤهم، مع الحفاظ على حق الدولة في التدقيق والمساءلة، كما طرحت تساؤلات بشأن إمكانية تنظيم أوضاع بعض أبناء السوريات من خلال الإقامة القانونية والحقوق المدنية، خصوصاً في الحالات التي يحمل فيها الطفل جنسية والده.
في هذا الإطار، يُشار إلى أنّ الوضع القانوني للطفل يختلف عن وضع والده الأجنبي، إذ إن حصول الابن على الجنسية السورية عن طريق أمه لا يمنح الأب الجنسية تلقائياً، ولا يعفيه من المسؤولية الجنائية عن أي جرائم قد يكون ارتكبها.
قانونيون وحقوقيون يناقشون ازدواج الجنسية
امتد الجدل إلى مسألة ازدواج الجنسية، إذ يرى بعض القانونيين أن التعديل المقترح يستدعي التمييز بين معالجة حالات انعدام الجنسية ومنح الأم السورية حقاً أوسع في نقل جنسيتها إلى أبنائها، خصوصاً الأطفال الذين يحملون جنسية آبائهم.
وفي هذا السياق، طرحت آراء تدعو إلى إلغاء شرط الولادة داخل سوريا للأطفال الذين يتعذر عليهم اكتساب جنسية آبائهم، بما يشمل المولودين في الخارج، مع الإبقاء على ضوابط تحد من ازدواج الجنسية.
ويأتي ذلك في ظل اختلاف الأحكام المتعلقة بالأب والأم في القانون الحالي، إذ يستطيع الأب السوري نقل جنسيته إلى أبنائه بصرف النظر عن مكان ولادتهم أو جنسية أمهاتهم، بينما تخضع الأم السورية لقيود قانونية.
أمّا المادة العاشرة من “المرسوم التشريعي رقم 276 لعام 1969″، التي استند إليها بعض المنتقدين في مناقشة ازدواج الجنسية، فتنظم التخلي عن الجنسية السورية وآثار اكتساب جنسية أجنبية، دون أن تتضمن حظراً مطلقاً على الجمع بين جنسيتين.
أبناء المقاتلين والزيجات غير المسجلة.. أسئلة حول شروط الجنسية
يثير اشتراط تسجيل الزواج رسمياً في سجلات الأحوال الشخصية تساؤلات بشأن مصير الأطفال المولودين من زيجات لم توثق لدى الجهات المختصة، خصوصاً خلال سنوات الحرب والنزوح.
وأشار سوريون -في تعليقات على الشروط المعلنة- إلى وجود زيجات جرت بموجب عقود شرعية دون تسجيلها رسمياً، ما قد يحول دون استفادة بعض الأطفال من التعديل، ولا سيما في الحالات التي يكون فيها الأب مفقوداً أو خارج البلاد، أو يتعذر تقديم الوثائق اللازمة لإثبات الزواج والنسب.
كذلك، يطرح اشتراط أن تكون الأم سورية بالأصل تساؤلات بشأن أبناء النساء الحاصلات على الجنسية السورية بالتجنس، فيما يثير شرط عدم إدانة مقدم الطلب بجرائم غموضاً حول الشخص المعني به، سواء كان الطفل أو من يتقدم بالطلب نيابة عنه، خصوصاً في حالات القاصرين.
ويمتد الجدل إلى أبناء المقاتلين الأجانب الذين تزوجوا من سوريات خلال سنوات الحرب، إذ لم توضح الشروط المعلنة كيفية التعامل مع هذه الحالات، ولا سيما عندما يكون الأب متهماً بارتكاب جرائم أو مرتبطاً بتشكيلات مسلحة، ومدى تأثير وضعه القانوني على حق أطفاله في الحصول على جنسية والدتهم.
بعد 57 عاماً على صدور قانون الجنسية السوري، يعود حق الأم في نقل جنسيتها إلى أبنائها إلى طاولة التشريع، بعد مطالبات حقوقية امتدت لأكثر من عقدين، وفي ظل ظروف سياسية واجتماعية أفرزت تساؤلات جديدة بشأن نطاق التعديل وشروط تطبيقه.
ومع بقاء المشروع في مرحلة الدراسة والإعداد، تتجه الأنظار إلى الصيغة التي ستعتمدها السلطات السورية، وما إذا كانت ستمنح أبناء السوريات حق الحصول على جنسية أمهاتهم أسوة بأبناء الآباء السوريين، أم ستُبقي هذا الحق مقيداً بشروط واستثناءات تحدّ من نطاق المستفيدين منه.
