خسر عبد القادر سيدو 40 شجرة زيتون من أصل 150 شجرة يملكها على أطراف قرية ترندا التابعة لمدينة عفرين بريف حلب. يخشى “سيدو” اليوم أن يخسر بقية أشجاره بسبب تسرب المياه الملوثة بمخلفات معاصر الزيتون، القادمة من مكب القمامة المركزي المجاور لأرضه.
يقع بستان “سيدو” غربي المكب الذي يشغل موقعاً مرتفعاً عن الأراضي المحيطة به، ما يؤدي إلى جريان المياه باتجاه أشجار الزيتون خلال هطول الأمطار. ويوضح في حديثه لفوكس حلب أن الأشجار الـ40 جفت خلال الشتاء الماضي، نتيجة وصول مياه يعتقد أنها تحتوي على مواد ناتجة عن عمليات عصر الزيتون، يجري التخلص منها في المكب.
يؤكد الرجل الستيني أن صهاريج قادمة من معامل الصابون والبيرين تفرغ مياهها الملوثة في المكب، قبل أن تختلط بمياه الأمطار وتتسرب إلى بستانه. ويضيف أنه أبلغ مختار القرية بالمشكلة أكثر من مرة، ونقل المختار شكواه إلى المجلس المحلي ورئاسة البلدية، لكنه لم يلمس أي تغيير.
تتكرر المشكلة ذاتها في أراضٍ مجاورة، إذ فقد إدريس عبدالو 17 شجرة زيتون خلال العامين الماضيين، يتجاوز عمر بعضها 50 عاماً. يقول “عبدالو” في حديث لفوكس حلب إن بستانه يمثل مصدر معيشته الأساسي الذي يعتمد عليه في تأمين احتياجات أسرته، وإنه طالب مع مزارعين آخرين بنقل المكب إلى موقع بعيد عن الأراضي الزراعية، دون أن يتحقق مطلبهم حتى الآن.

يلفت “عبدالو” إلى وجود بئر لمياه الشرب بالقرب من المكب، كان يستخدم سابقاً لضخ المياه إلى مدينة عفرين قبل بناء سد ميدانكي. واستمرار وجود النفايات والمياه الملوثة في الموقع قد يؤدي إلى تلوثه، هذا بالإضافة إلى الأضرار التي تصيب الأشجار والأراضي المحيطة، خاصة مع ازدياد تسرب المياه خلال فصل الشتاء، وفق قوله.
حسن قدو، وهو أحد أصحاب البساتين المتضررة، خسر 15 شجرة زيتون نتيجة مرور المياه الملوثة في أرضه، وفق ما ذكره لفوكس حلب. طالب “قدو” البلدية بإيجاد موقع بديل للمكب بعيداً عن الأشجار المثمرة، أو تخصيص حفر لمعالجة المياه التي تحتوي على مواد كيميائية، بدلاً من تركها تتسرب إلى الأراضي الزراعية.
يرى “قدو” أن استمرار تصريف هذه المياه قد يتسبب بتلف المزيد من الأشجار وتضرر التربة. وبحسب المزارع، تلحق بأصحاب البساتين خسائر سببها وجود المكب بالقرب من أراضيهم، لافتاً إلى أن المشكلة والمطالب بحلها أمران يتكرران كل عام.
تعود مطالب المزارعين بمعالجة المشكلة إلى نحو أربع سنوات، وفق ما أفاد به مختار قرية ترندا لفوكس حلب. المختار أوضح أنه خاطب رئيس المجلس المحلي في عفرين مراراً بشأن الأضرار التي تصيب بساتين الزيتون، واستمر في نقل شكاوى المزارعين إلى رئيس بلدية عفرين في الوقت نفسه، لكن المطالب لم تلقَ أي استجابة.
بحسب المختار، فإن الردود التي تلقاها خلال السنوات الماضية تضمنت الحديث عن البحث عن موقع جديد لنقل المكب إليه، دون أن تفضي العملية إلى نتائج ملموسة، وفق تعبيره.
من جهته، يؤكد نائب رئيس بلدية عفرين صادق سيدو، في تصريح لفوكس حلب، أن البلدية تلقت منذ مدة شكاوى المزارعين بشأن تسرب المياه الملوثة والأضرار التي لحقت بأشجارهم. ويوضح أنه ناقش المشكلة مع رئيس البلدية، وأجريا جولة للبحث عن موقع بديل للمكب الحالي، وتمّ اقتراح موقع جديد يحتاج إلى أعمال تجهيز تتيح استخدامه.
ويشير نائب رئيس البلدية إلى أن الموقع المقترح يحتاج إلى شق طريق يسمح بوصول آليات نقل القمامة إليه، وأن البلدية بحثت متطلبات تجهيزه تمهيداً لنقل المكب، لافتاً إلى أن تنفيذ هذه الأعمال يحتاج إلى وقت، ولم يحدّد موعداً واضحاً للنقل.

في السياق ذاته، يؤكد رئيس بلدية عفرين، عثمان حسن، لفوكس حلب، أن الموقع البديل ما يزال قيد الدراسة، وأن البلدية تعتزم تنفيذ حل مؤقت في المكب الحالي، إلى حين استكمال الأعمال اللازمة لنقله إلى الموقع المقترح.
وتتضمن الخطة، وفقاً لـ”حسن” إنشاء خط صرف صحي لتصريف المياه الملوثة من المكب الحالي، ومنع مرورها عبر الأراضي الزراعية المجاورة، مؤكداً أن البلدية ستباشر تنفيذ الخط بهدف الحد من الأضرار التي تصيب أشجار الزيتون، على أن يستمر العمل على تجهيز الموقع الجديد لنقل النفايات إليه لاحقاً.
وبشأن ما ذكره المزارعون عن تفريغ صهاريج محملة بمياه ملوثة ناتجة عن معامل الصابون والبيرين، يؤكد رئيس البلدية عدم علمه بوجود هذه الممارسات. وتعهد بالتواصل مع المراقبين للتحقق من الأمر، والعمل على منع تفريغ المياه التي تحتوي على مواد ضارة داخل المكب.
وتشير دراسة أجراها باحثون من جامعة دمشق، ونشرت عام 2024 في مجلة Journal of Environmental Management، إلى أن التخلص غير المنظم من مخلفات معاصر الزيتون السائلة قد يسبب تغيرات في خصائص التربة، نتيجة احتوائها على مواد عضوية ومركبات فينولية وأملاح، مع احتمال تأثر الموارد المائية في حال غياب الإدارة البيئية المناسبة لهذه المخلفات.
وأظهرت الدراسة أن زيادة كميات هذه المخلفات قد تؤدي إلى اختلال توازن العناصر الغذائية في التربة، وارتفاع التوصيل الكهربائي المرتبط بالأملاح، وانخفاض درجة الحموضة، مع احتمال زيادة قابلية بعض المعادن الثقيلة للذوبان والانتقال. غير أن التجربة لم تثبت تلوث المياه الجوفية أو تضرر الأشجار.
