تجلس فاطمة شيخ الحارة، 65 عامًا، قرب حائط اسمنتي في كتلة سكنية قريبة من كلية التربية في مدينة إدلب. تقيم المرأة النازحة من معرة النعمان في غرفة يلحق بها دورة مياه، ومساحة صغيرة (مصطبة) أشبه بمكان مهجور ذي جدران مثقوبة وسقف يكاد يهبط، بينما تواجه عائلتها خطر الترحيل مع تكرار إنذارات إخلاء المخيم الذي يحمل اسم مخيم الجامعة.
خلال العامين الماضيين طالبت بلدية إدلب عبر الشرطة التابعة لها سكان مخيمات قريبة من المدينة بينها مخيما الجامعة والحسين بضرورة إخلائها، بشكل شفهي، وخلال الأيام الأخيرة تكررت الإنذارات الموجهة إلى السكان، ما أثار مخاوف العائلات التي لا تملك القدرة على استئجار منازل أو العودة إلى قراها المدمرة.
يضم المخيم القريب من تجمع كليات التربية والهندسة والطب البشري عائلات نزحت من مناطق مختلفة في أرياف إدلب وحمص وحماه وحلب. يعيش قسم منهم ضمن بيوت متنقلة مسبقة الصنع (كرفانات)، وآخرون في خيام متفاوتة الأحجام، وخلال العامين الماضيين عاد أكثر من نصف سكّانها إلى مناطقهم الأصلية وانتقل قسم إلى مخيمات أخرى عقب إنذارات الإخلاء التي وردتهم من الجهات المختصة، وما يزال نحو ثلثهم يقيم في المخيم وفق تقديرات سكان التقيناهم.
إلى جانب الحاجة فاطمة تقف ابنتها رابعة 40 عامًا وهي منفصلة عن زوجها، وتحمل طفلتها الصغيرة ذات العامين ونيف. تلبي طلبات والدتها المتكررة لتساعدها على الانتقال إلى كرسيها الحديدي المتحرك في محاولة لتخفيف ألمها وإيجاد وضعية أكثر راحة لها.
تقول رابعة إن والدتها باتت عاجزة عن الحركة بعدما أصابتها شظية في ساقها إثر قصف صاروخي تعرضت له العائلة قرب موقع المخيم عام 2019، كان ذلك عقب نزوحهم من معرة النعمان بأشهر قليلة.
كل ما يشغل بال رابعة اليوم هو التفكير بالمكان الذي قد يلجؤون إليه بعد تكرار إنذارات الإخلاء، فمنزلهم في معرة النعمان مدمر بالكامل ولا تستطيع فعل شيء، خاصة أنها تعيل والدتها وطفلتها وشقيقها الوحيد المريض بضمور دماغ أيضًا ويحتاج لرعاية خاصة.
تضيف أن الشرطة حضرت قبل أيام ووضعت إشارات حمراء عند بعض المواقع وأبلغت سكان المخيم بضرورة الإخلاء. وتشير إلى أنها مستعدة للانتقال إلى أي مكان بديل يؤمن لعائلتها شرط أن يتيح لها رعاية والدتها المقعدة، وشقيقها المريض.
لم تستطع رابعة وعائلتها الحصول على هذا السكن بسهولة، وقد انتقلت إليه بعد مغادرة أسرة أخرى كانت تقيم فيه وعودتها إلى دمشق، ومنذ ذلك الحين تجد في هذا المكان المتواضع مأوى يحفظ كرامتها ويبقيها قريبة من الخدمات الأساسية.
يجد سكان المخيم صعوبة كبيرة في إيجاد سكن بديل، بحسب من التقيناهم، في ظل الظروف المعيشية القاسية واقتراب فصل الشتاء لاسيما أن بلداتهم وقراهم تفتقر لأدنى الخدمات من سكن ومياه صالحة للشرب أو بنى تحتية كالتي تتوفر لهم اليوم.
فيصل الشهاب، أحد العائدين من مخيم الجامعة إلى قرية جروح في ريف حماة الشرقي، بعد تكرار إنذارات الإخلاء وعدم تمكنه من إيجاد بديل مناسب. يقول إنه كان يأمل بالانتقال إلى تجمع كفرجالس السكني في ريف إدلب، لكنه لم يحصل على شقة ضمن المشروع.
وكانت وزارة التنمية قد أعلنت قبل سقوط نظام الأسد بأشهر قليلة عن تجهيز تجمع كفرجالس السكني غربي إدلب، لنقل سكان المخيمات القريبة من مدينة إدلب إليه. إلا أن الاستفادة من المشروع لم تشمل جميع العائلات التي كانت تأمل بالحصول على سكن.
يقول الشهاب إن المنظمة الداعمة اختارت عدد عائلات محدود من مخيمه، ونقلتهم إلى التجمع السكني في كفرجالس وبعد ساعات تم إخراجهم، وإن عائلات قليلة انتقلت بالفعل إلى التجمع، بينما عاد القسم الأكبر إلى المخيم. وأكدت عائلات قابلناها أن عددًا منها تسلمت مفاتيح شقق وأجريت معها استبانات والتقطت صور لها مع أطفالها، قبل أن تستعاد المفاتيح ويطلب منها الانتظار حتى إشعار آخر.
وتكررت التجربة مع شاب آخر من إحدى قرى ريف حماة الشرقي، فضل عدم ذكر اسمه لأسباب خاصة، فقد سجل مع عائلته وأربع عائلات أخريات للحصول على سكن ضمن تجمع كفرجالس، لكنه لم يحصل عليه، وانتهى به الأمر عائدًا إلى قريته التي يصفها بأنها تفتقر إلى مقومات الحياة الأساسية، بما فيها الأفران والنقاط الطبية ومياه الشرب.
يقول: “أبلغتنا شرطة البلدية في إدلب بالإخلاء أكثر من أربع مرات، ومنحونا مهلة خمسة عشر يومًا”، مضيفًا أنهم تلقوا تحذيرًا بمصادرة أي ممتلكات من سيارات أو دراجات نارية، في حال عدم الاستجابة، و”نتيجة لذلك، اضطررنا للتسجيل على العودة، وقد تم تأمين سيارات لنقلنا إلى القرية”، يتابع، منوهًا “أن هذه العملية عودة إجبارية وليست طوعية كما أشيع عنها”.
كانت عائلة هذا الشاب إحدى العائلات التي سلمت مفاتيح الشقة ثم سحبت منها، يختصر تجربته بالقول: “حملت خيمتي من المخيم ونصبتها في قريتي”، ويشرح أن أسرته كانت متمسكة بالبقاء في المخيم لأن قربها من مدينة إدلب أتاح لهم فرص العمل والوصول إلى المدارس والرعاية الصحية.
بعد عودته، صار الوصول إلى الخدمات الأساسية أكثر صعوبة، إذ تبعد أقرب نقطة طبية عن قريته نحو 60 كيلومتراً، فيما دمرت المنازل وغابت الخدمات الأساسية، من مياه وكهرباء، من دون تعويضات أو أعمال إعادة إعمار تتيح للسكان استعادة حياتهم، وأصبح شراء الاحتياجات اليومية مشقة، إذ يقول إنه يحتاج إلى قطع 15 كيلومتر للحصول على ربطة خبز.
في المقابل تنفي محافظة إدلب أن تكون إجراءات إخلاء المخيمات تعسفية. يقول نائب محافظة إدلب، حسن الفجر، إن الخطوة جاءت بعد مسار تشاوري امتد لأكثر من عام مع وجهاء المخيمات ومدرائها، استجابة لشكاوى متكررة من الأهالي وسكان المدينة بشأن رعي الأغنام في الحدائق والأملاك الخاصة، وتراكم الركام والأنقاض، ووجود مكبات قمامة ومظاهر غير منظمة.
ويوضح الفجر أن المحافظة أتاحت، بحسب قوله، خيارات أمام قاطني الخيام، تشمل العودة الطوعية إلى بلداتهم وقراهم الأصلية مع التكفل بنقلهم وتقديم المساعدات اللازمة لتسهيل استقرارهم، أو الانتقال إلى مساكن بديلة ضمن تجمعات ومخيمات منظمة في الشمال، بينها دير حسان ومشهد روحين وكفرتعنون وجبل كللي وقاح، مع توفير وسائل النقل لنقل العائلات وأمتعتها.
وينفي نائب المحافظ صحة الادعاءات المتعلقة بالتهديد بحجز الممتلكات أو المواشي، وكذلك التمييز في اختبار المستفيدين من المساكن، مؤكدًا أن الإجراءات تهدف إلى تطبيق النظام العام ومنع التعديات، وأن توزيع الوحدات السكنية يتم وفق معايير تراعي الاحتياج الفعلي، بهدف نقل العائلات من الخيام إلى مساكن لائقة ومجهزة.
بينما يقول من قابلناهم من سكان المخيم إن الخيارات المتاحة لا تلبي احتياجات جميع العائلات، وإن العودة إلى القرى لاتعني بالضرورة القدرة على الاستقرار فيها، بسبب الدمار الواسع إضافة لغياب الخدمات الأساسية.
وتظهر وثيقة رسمية موجهة من رئاسة جامعة إدلب إلى محافظ المدينة خلفيات المطالبة بالإخلاء، إذ طالبت الجامعة باتخاذ الإجراءات اللازمة لترحيل عائلات وصفتها بـ “البدو الرحل” من حرم وتوسع الجامعة وبالقرب من عدد من الكليات. مشيرة إلى أن وجودهم يعيق تنفيذ المخطط التنظيمي والمشاريع التطويرية.
هذا التوصيف أثار حفيظة العديد من قاطني الشهاب وسكان آخرين، وهو وصف يقولون إنه لا يعكس واقعهم، فهم نازحون منذ سنوات ولم ينتقلوا من أماكن نزوحهم، قبل أن يطلق عليهم اليوم هذا المسمى. مشيرين إلى أن بعض العائلات القليلة في المخيم تربي الأغنام لتأمين معيشتها، لكن ذلك لا يعني تعميم هذا الوصف على جميع السكان.
على مقربة من سكن الحاجة وابنتها رابعة تسكن عائشة البالغة 44 عامًا مع أطفالها الستة وزوجها في خيمة بمحاذاة الطريق. تعتمد الأسرة في معيشتها على عمل الزوج في جمع الخردة، إضافة لامتلاكهم ستة رؤوس من الماعز خصصوا لها خيمة أخرى بجانبهم كمصدر رزق لهم يغنيهم عن شراء اللبن.
نزحت العائلة من بلدة خناصر بريف حلب منذ عام 2019، وتنقلت بين عدة مخيمات قبل أن تستقر في مخيم الجامعة منذ نحو ثلاثة سنوات. ولم يتمكنوا من العودة إلى قريتهم لأن أجزاء واسعة منها تعرضت للتجريف.
تشير عائشة إلى الخيمة التي تؤوي عائلتها، وتصف حالتها بالقول إنها أصبحت “مثل بيت العنكبوت”. وتضيف أن تهالكها يجعل نقلها وإعادة نصبها أمرًا صعبًا، حتى لو قررت الأسرة العودة إلى البلدة.
وتوضح أن بقاءهم في المخيم يرتبط أيضًا بقرب الخدمات وإمكانية الوصول إلى العمل والمدارس مقارنة بما ينتظرهم في بلدتهم. وخلال حديثها تشير إلى أن أحد أبنائها ترك المدرسة وأصبح يساعد والده في جمع النايلون والخردة، فيما تواصل بناتها الثلاث الأخريات الذهاب إلى المدرسة ومتابعة دراستهنّ.
تطالب عائشة وأهالي المخيم بتعويضات مناسبة أو بتأمين عودة كريمة إلى قراهم، معبرين عن استيائهم مما يعتبرونه غياب الخطوات الملموسة لإيجاد حلول لأوضاعهم، كما ينتقدون ربط بعض المساعدات التي تقدمها المنظمات للعائدين لقاء توقيعهم على تعهدات بالعودة الطوعية، لا سيما عندما لا يكون قرار العودة نابعًا من إرادة العائلات نفسها.
يقول سكان من المخيم إن العودة لا تتحدد بمجرد مغادرة المخيم أو الوصول إلى القرية، بل بقدرة الأسرة على العثور على مسكن صالح للحياة، وتأمين احتياجاتها الأساسية، والوصول إلى الخدمات والعمل والمدارس.
