فوكس حلب

مجلة الكترونية تغطي أخبار محافظة حلب وعموم الشمال السوري.

في البردقلي.. الطريق أطول من الرحلة

شريف فارس

من مخيمات البردقلي إلى أقرب وسيلة نقل، طريق طويل يقطعه سكان المنطقة سيراً على الأقدام، قبل أن تبدأ رحلتهم إلى العمل أو السوق أو الطبيب. مسافة تستنزف الوقت والجهد، وتتكرر كل يوم في ظل غياب المواصلات
\

بعد ساعات من مغادرتها مخيم قرية الأصدقاء التابع لبلدة البردقلي غربي مدينة الدانا، عادت فاطمة اليوسف إلى بيتها حاملة أكياس المشتريات، تتباطأ خطواتها وتلتقط أنفاسها عند اقترابها من باب المنزل، تساعدها ابنتها بحمل الأكياس بعد أن فشلت محاولاتهما في إيقاف إحدى سيارات المارة بسبب عدم توفر سيارات نقل عامة مخصصة للمنطقة.

قطعت الأم وابنتها مسافة لا تقلّ عن خمسة كيلومترات مشيًا على الأقدام ذهابًا للوصول إلى أقرب طريق تمرّ به حافلة شركة النقل “زاجل” أو ميكروباص عابر، العملية نفسها تكررت عند العودة الأكثر إرهاقًا بسبب موقع المخيم المرتفع قليلًا.

ويزداد الأمر صعوبة على الموظفين وتلاميذ المدارس أو في الحالات الاضطرارية التي تستدعي الذهاب إلى المستشفى أو عيادة الطبيب، لتبدأ مع المسافة حسابات متعلقة بموعد العمل والدوام والقدرة على المشي والوقت اللازم للوصول في حال لم يحظَ المسافر بركوب سيارة عابرة. ‏البعض يقطعون المسافة مشياً، وآخرون ينتظرون من يقلّهم، فيما يلجأ آخرون إلى سيارات خاصة عندما لا يجدون خياراً آخر.

قبل أكثر من ساعة على بدء دوامه، يغادر المعلم محمد عموري، 50 عامًا، منزله في مخيم الأصدقاء للوصول إلى مكان عمله في إحدى مدارس سرمدا، وكثيرًا ما يتأخر عن الموعد بسبب عدم وقوف مركبة عابرة تقلّه ليقطع جزءًا من الطريق.

الطريق الواصل الى مخيم البردقلي

يقطع محمد قرابة خمسة كيلو مترات مشيًا في وقت لا يقلّ عن ساعة كاملة عندما يكون الطقس مناسبًا، بينما يضطر في أيام المطر إلى استئجار سيارة خاصة حتى لا يتأخر عن المدرسة.

“مضت خمس سنوات على هذه الحال” يقول محمد، الذي يخبرنا أن آثار التعب بدأت تظهر على صحته بعد أن تسبب المشي المتكرر بآلام في قدميه، يقول: “لم يعد الطريق يستنزف وقتي وجيبي فحسب، فأحيانًا يشتدّ الألم إلى درجة أني أضطر لأداء الصلاة جالسًا”.

ولا يقتصر الأمر على تنقله اليومي إلى المدرسة، فأطفاله الذين يدرسون في الصفين الخامس والسابع يواجهون صعوبة الوصول نفسها، ويضطرون إلى المشي معظم الأوقات، ويكون الوضع أكثر إلحاحًا عندما يمرض أحدهم ويضطر لنقله إلى الطبيب أو المستشفى في سرمدا أو الدانا.

السبيل الوحيد أمام محمد  في مثل هذه الحالات هو التواصل مع صديق يملك سيارة لمساعدته، وإذا لم يجد أحدًا يضطر إلى استئجار سيارة أو حمل طفله ومحاولة الوصول به إلى مكان تتوفر فيه وسيلة نقل.

وتظهر مشقة الطريق في تفاصيل أخرى يواجهها سكان المخيمات في المنطقة، ومنهم محمد الحسين الذي يقطن في مخيم الأبيض الجديد القريب من مخيم الأصدقاء، إذ يحتاج لنحو خمس وأربعين دقيقة من المشي قبل أن يتمكن من الوصول إلى وسيلة نقل تساعده على متابعة طريقه إلى الدانا حيث يعمل في محل لبيع المفروشات. يقول محمد إنه على هذه الحال منذ نحو عام، وإن يوم العمل يبدأ عمليًّا قبل الوصول إلى الطريق الرئيس بسبب مايفرضه ذلك من وقت وجهد إضافيين.

أما الشاب عدنان، النازح من مدينة صوران في ريف حماة الشمالي، فيعمل في مدينة الدانا من التاسعة صباحًا حتى التاسعة مساءً، ويحتاج إلى نحو ساعة ونصف الساعة من المشي للوصول إلى وسيلة نقل تتيح له متابعة الطريق إلى عمله، في رحلة تتكرر يوميًا من مخيم “وا معتصماه”.

يرى عدنان أن توفير وسيلة نقل منتظمة، سواء عبر تخصيص حافلات كبيرة مثل الزاجل أو سرافيس بشكل منتظم من شأنه تسهيل وصول السكان إلى الدانا وما يجاورها من مناطق حيوية تتوفر فيها معظم الخدمات الأساسية.

وبحسب بيانات مديرية الشؤون الاجتماعية والعمل يبلغ عدد المخيمات المتبقية في محافظة إدلب 634 مخيمًا، منها 136 مخيمًا مدمجًا من مخيمات غادر معظم سكانها فأدمجت في أخرى، و 269 مخيمًا مفرغًا، من أصل 1145 مخيمًا كانت موجودة، بحسب إحصائية مديرية الشؤون الاجتماعية والعمل.

ويبلغ عدد العائلات المقيمة في مخيمات إدلب نحو 82 ألفًا و 300 عائلة بحسب محمد دقسي، مدير دائرة الإحصاء في المديرية، 30 مخيمًا منها في منطقة البردقلي، يقطنها نحو 4746 عائلة، بحسب البيانات المسجلة.

من جهتها، أوضحت مديرية النقل، عبر أحمد هماد، معاون مدير المديرية، أن السبب الرئيس الذي يمنع تشغيل خطوط نقل عامة إلى مخيمات البردقلي هو عدم توفر باصات للنقل الداخلي لتخديم المخيمات.

الطريق الواصل الى مخيم البردقلي
الطريق الواصل الى مخيم البردقلي

أما بخوص الميكروباصات فيوضح هماد، أن المديرية لم تتلقَّ أي طلبًا من مركبة عامة للعمل على هذا الخط، نظرًا إلى  عدم وجود خط سابق  يخدم المنطقة. ويشير هماد إلى أنه من المعايير التي تعتمدها المديرية لدراسة إنشاء خطوط جديدة، وجود عدد سكان يبلغ خمسة آلاف نسمة فأكثر، لافتًا إلى أنها لم تتلقَّ شكوى أو كتابًا رسميًا يطالب بإحداث خطوط مشتركة تخدم مخيمات البردقلي.

وبحسب المديرية، يمكن دراسة إنشاء خطوط جديدة بناءً على الجولات الميدانية التي تجريها أو الكتب التي ترد إليها من البلديات، على أن يُدرس المسار المقترح وينظّم وفق الإجراءات المعتمدة. كما يمكن تنظيم عقود نقل لخدمة الجامعات والموظفين والمنظمات والطلاب. 

وتوضح المديرية أن سكان المنطقة أو الجهات المحلية يستطيعون التقدم بكتاب رسمي للمطالبة بإحداث خط ميكروباص يصل مخيمات البردقلي بسرمدا، لتدرس المديرية المسار المقترح وإمكانية تنظيمه.

وإلى حين تتوفر وسيلة نقل تخدم هذه المخيمات، سيواصل السكان ترتيب يومهم وفق المسافة التي تفصلهم عن أقرب نقطة للمواصلات، إذ تبدأ رحلتهم إلى المدينة من لحظة التفكير بالوصول لمركبة تختصر المسافة المتبقية.