في بلدة المسطومة جنوبي إدلب، يجمع عبد الباسط عمر الطه، 55 عامًا، ثمار الزيتون المتساقطة تحت أشجاره مستعينًا بعمال لنقلها قبل أن تتلف، بعد أن أصابت ذبابة ثمار الزيتون محصوله وأسقطت نحو 30 بالمئة منه، بحسب تقديره، فوجد نفسه مضطرًا إلى جمع الثمار قبل موعد القطاف الموصى به.
داخل معصرة النجيب القريبة من أرضه، رصَّ الطه أكياس الزيتون التي جمعها وكتب اسمه عليها وأخذ ينتظر السماح بتشغيل المعصرة وعصر محصوله. لم يكن وحده من جمع الثمار المتساقطة من أرضه ونقلها إلى المعصرة، فقد وصل مزارعون آخرون بالثمار التي جمعوها من تحت الأشجار، فيما قطف أحدهم محصوله من الأغصان ليرفقه مع الثمار المتساقطة.
تعرض موسم الزيتون هذا العام لتساقط كميات كبيرة من الثمار قبل موعد نضوجها بفترة قصيرة، الأمر الذي دفع مزارعين إلى جني المحصول من تحت الأشجار عوضاً عن قطافه من الأغصان.
يرجع المهندس الزراعي فياض اليوسف تساقط الثمار إلى الإصابة بذبابة ثمار الزيتون، التي تنتشر في مناطق واسعة من محافظتي إدلب وحلب، مقدرًا نسبة الإصابة بين 15 و 30 بالمئة، بحسب متابعته للمزارعين.

وتؤدي الإصابة التي تفتك بعنق حبات الزيتون، وفق اليوسف، إلى إتلاف الثمار من الداخل وتساقطها، فيما تصبح المكافحة الكيميائية أقل فاعلية بعد استقرار اليرقات داخلها، ما يحد من قدرة المزارعين على إنقاذ المحصول في هذه المرحلة.
يملك الطه 250 شجرة زيتون موزعة على 22 دونمًا قرب طريق أريحا -إدلب. يقول الطه، وهو يتلمس أحد الأغصان التي تحمل بضع حبات من الزيتون وما إن يحركها قليلا حتى تبدأ بالتساقط: “منذ عشر سنوات لم أرَ مثل هذه الإصابة”. وقد لاحظ أن هذا هو حال معظم الأشجار، لذلك استعان بأربعين عاملًا لجمعها، في محاولة للاستفادة منها قبل أن تتلف أو تجف تحت أشعة الشمس، أو تدفن في التربة مع هطول الأمطار.
استغرقت عملية الجمع أربعة أيام، بحسب الطه، الذي يدفع خمسة دولارات أجرة يومية للعامل الواحد، ترتفع إلى نحو ثمانية دولارات عند احتساب تكاليف النقل والطعام. وما إن انتهوا من القطاف حتى فرشت الأرض من جديد بثمار متساقطة أخرى، لذلك يفكر بالتجهز للقطافعوضاً عن صرف تكاليف إضافية يتكبدها كأجور للعمال عن جمع المحصول من تحت الأشجار.
يقول الطه إنه استخدم خلال متابعة أرضه أسمدة عضوية وورقية ومبيدات مختلفة، إضافة لمثبت حمل الأزهار ومكافحة القطن الأبيض الذي يتلبس الأوراق وغيرها من الأنواع التي لا يحفظ مسمياتها. ومع ذلك لم يتمكن من تجنب الخسائر التي أحدثتها الإصابة بذبابة الزيتون.
في المواسم المعتادة يتجاوز إنتاج أرضه مئة تنكة من زيت الزيتون، بما يزيد عن طن ونصف الطن، وفق تقديره، إلا أنه يتوقع أن ينخفض الإنتاج هذا العام إلى النصف أو أقل من ذلك. يقول إن هذا المبلغ الذي سيحصل عليه بعد احتساب تكاليف العصر وأجور العناية بالأشجار قد لا يكفي لتعويض النفقات التي تكبدها خلال الموسم، بما فيها تكاليف السقاية والحراثة والتقليم والأسمدة والمبيدات.
ولا تقتصر المشكلة على كمية المحصول، إذ تتأثر جودة الزيت ومواصفاته الكيميائية بحالة الثمار المعصورة. يوضح المهندس الزراعي اليوسف أن الثمار المصابة والمتساقطة قد تعطي زيتًا بحموضة ورقم بيروكسيد مرتفع، مع احتمال ظهور عيوب في الطعم والرائحة. وتختلف درجة التأثر بحسب مستوى الإصابة وحالة الثمار، بينما يحتاج الحكم على جودة الزيت وصلاحيته للاستهلاك إلى الفحوص المخبرية ومطابقة النتائج للمواصفات المعتمدة.
في معصرة النجيب لم تكن آلات العصر قد بدأت العمل حتى لحظة إعداد التقرير، بسبب التزام صاحب المعصرة بتعليمات مؤسسة التموين، والتي تقضي بعدم تشغيل المعاصر قبل بداية تشرين الثاني، وفق ما أفاد به. لكن وصول المزارعين بثمارهم المتساقطة قبل موعد القطاف دفعه إلى محاولة الحصول على إذن من مديرية الزراعة لتشغيل المعصرة، مشيرًا إلى أنه اكتفى باستقبال الزبائن وتأجيلهم إلى حين استكمال إجراءات الحصول على إذن التشغيل، كما يفعل بعض أصحاب المعاصر التي بدأت العمل.
ويشير صاحب المعصرة إلى أن بعض المزارعين لجؤوا لرش المبيدات إلا أنهم لم يرصدوا الموعد الدقيق الذي تحتاج الأشجار للبخ فيه، إذ إن ثمار الزيتون المتساقطة تحوي نسبة أسيد عالية وهذا يخفض من قيمة الزيت السوقية و جودته ورغبة الناس بشرائه.
وأصدرت محافظة إدلب قرارًا رسميًا حددت بموجبه أجور عصر الزيتون للموسم الحالي، والتي تبلغ في حال الدفع النقدي 6 ليرات سورية لكل كيلوغرام من الزيتون، مع حصول المزارع على البيرين، أو ليرتين سوريتين إذا كان البيرين من حصة المعصرة. أما في حال الدفع عينيًا من الزيت الناتج، فتبلغ حصة المعصرة 5 بالمئة مع حصول المزارع على البيرين، أو 3 بالمئة إذا كان البيرين من حصة المعصرة.
كما حددت مديرية الزراعة مواعيد القطاف بحسب المناطق، وكان الأول من تشرين الأول موعد القطاف في كل من “جسر الشغور وإدلب وخان شيخون وسراقب ومعرة النعمان وحارم”، أما في أريحا فيبدأ في 20 تشرين الأول. ويأتي ذلك في وقت يضطر فيه بعض المزارعين إلى التعامل مع الثمار المتساقطة قبل حلول موعد القطاف المحدد لمناطقهم.
يرجع اليوسف تفاوت نسب الإصابة بين المناطق إلى عوامل مناخية أسهمت بانتشار الذبابة وتطورها، مشيرًا إلى أن درجات الحرارة خلال الفترة الماضية وفرت ظروفًا ملائمة لنموها، وبحسب اليوسف تنتج ذبابة ثمار الزيتون جيلين إلى ثلاثة أجيال سنويًا، ما يجعل مراقبة أعدادها وتحديد توقيت المكافحة من العوامل المهمة للحد من أضرارها.

“تبدأ المشكلة قبل ظهور علامات التساقط، إذ تحتاج البيوض إلى فترة حتى تتطور اليرقات داخل الثمار، لذلك لا تظهر الإصابة بوضوح فور حدوثها” يقول اليوسف. ومع استقرار اليرقة داخل حبة الزيتون تصبح المبيدات المستخدمة أقل قدرة على الوصول إليها، وتتراجع جدوى المكافحة الكيميائية. وفي هذه المرحلة لا يبقى أمام المزارع، بحسب اليوسف، سوى جمع الثمار المتساقطة والتعامل معها بطريقة تحد من تأثيرها في بقية المحصول وجودة الزيت.
وينصح اليوسف بجمع الثمار المصابة وعزلها عن الثمار السليمة، ثم عصرها بصورة منفصلة وتخزين الزيت الناتج عنها بعيدًا عن الزيت المستخرج من المحصول السليم. كما يشير إلى إمكانية الاستفادة من هذه الثمار في بعض الصناعات التحويلية، ومنها صناعة الصابون، عوضاً عن خلطها بالثمار السليمة لما قد يؤثر في جودة الزيت.
ويؤكد اليوسف أن الحد من الإصابة في المواسم المقبلة يتطلب تفعيل دور الإرشاد الزراعي، من خلال نصب المصائد الفرمونية ومراقبة أعداد الحشرات وتوجيه المزارعين إلى استخدام المبيدات في التوقيت المناسب، عندما تبلغ الإصابة المستوى الذي يستدعي المكافحة.
ويشير إلى أن بعض المزارعين الذين استخدموا المبيدات بصورة وقائية سجلوا نسب إصابة لم تتجاوز3 بالمئة، في حين سجل مزارعون آخرون إصابات أعلى، مع ضرورة مراعاة اختلاف الظروف الزراعية بين الأراضي عند مقارنة هذه النسب.
وبينما يترقب عبدالباسط موعد القطاف المعتاد، لايزال مضطرًا إلى متابعة الثمار المتساقطة تحت أشجاره، في محاولة لتقليل خسائره قبل انتهاء الموسم، ومع استمرار الإصابة يترقب مزارعون أذونات السماح ببدء عصر المحاصيل المتساقطة أملًا في الحد من الخسائر التي فرضتها حشرة صغيرة.
