فوكس حلب

مجلة الكترونية تغطي أخبار محافظة حلب وعموم الشمال السوري.

تمهيد للعدالة الانتقالية.. البحث عنها في الماضي

ليلى جروج

من أين تبدأ العدالة الانتقالية، من المحاكم والقوانين أم من الناس، من المعلّم والمعلمة وبائع الخضار والعمّال في المصانع وسكّان المخيمات.. حينها نمنح كمواطنين فرصة في رسم مستقبل يضمن عدم التكرار من جهة ويعزّز الحوار كأحد أهم ركائز النجاة

عند التفكير في العدالة الانتقالية، تتهافت الأسئلة داخل رأسي، دون امتلاك إجابة حقيقية، أو حتى معنى واضحاً لأي منها، فخلال نقاش جرى مع مجموعة من الكاتبات والكتّاب حول العدالة الانتقالية، لم أتمكن من منع نفسي من سؤال واحد يسيطر على كل ما يتبعه من أفكار، هل يحق لي الحديث عن العدالة الانتقالية؟

أنا ليلى، أكملت الخامسة عشرة في نهاية عام 2011، ومع نهاية هذا العام أبلغ الثلاثين من عمري، ولدت وأعيش حتى اليوم في منطقة سميّت وفق تقسيمات الأمر الواقع بواحدة من مناطق سيطرة النظام السوري السابق، منا من تضرر من قذائف تبيّن لاحقاً أن مصدرها النظام الذي نسج روايات متكررة عن حمايتنا، ومنا من تضرر من أُخرى أطلقتها  الفصائل المختلفة التي تمركزت في ريف المدينة. أحمل مع عدد لا يُستهان به عقدة الذنب، وأُخرى تُعرف بعقدة الناجي، فقد كنت كثيرة النجاة في بلاد تمنح الحياة كمصادفة.

لقد بدأ هذا الحديث عن العدالة الانتقالية، لا أعلم كيف وصل إلى وشوم الحرب على جلدي، جلدنا، نعم تذكرت، ألا تشفع لي هذه العقد والذنوب بالمشاركة في الحديث عن العدالة الانتقالية؟

لا أعلم حقاً؛ لكن لا بدّ من مجازفة بالبحث حول الأمر، ولأني أقتات على إيمان صغير بأن ما يجمع السوريين والسوريات أكبر بكثير مما يفرقهم، على الرغم من أن حاضرنا لا يبشّر بماضٍ يُبنى عليه. لكن في حياتنا أماكن للعدالة، حتى لو لم تكن انتقالية، ربما سنبني عليها شكلاً انتقالياً يناسب تطلعاتنا، وربما لا، لكن لا ضرر من بعض البحث في الماضي.

هل كان الماضي سعيدآ؟ 

هنا؛ في مدخل منزله غربي مدينة محردة، يجلس كاسر على كرسي بلاستيكيّ له شكل كراسي خشب الخيزران القديمة، أمامه صحن من العنب والتين يتناسب مع مواسم شهر آب في بلاد الشام، يختار الزاوية التي تتأخر الشمس بالوصول إليها، ما يمنحه وزوجته فرصة البقاء حتى الساعة الواحدة ظهراً جالسين في فيء حائطٍ أعادوا بناءه بعد أن تضرر بفعل قذيفة صاروخية.

“لم تكن محردة منطقة، كانت ناحية، وبالتالي هناك مدير ناحية، ومخفر”، يقول كاسر في محاولة أولية وعامة لشرح كيف كانت تُحلّ المشكلات في هذا المكان ومحيطه يوماً ما، “كان فيها مخفرين، مخفر لأبناء المدينة، وآخر لأبناء الريف.”

تبدو خطوط الزمن تظهر في ضحكته السريعة  يطلقها مصحوبة بعبارة: “سبعين سنة عمره هالحكي”، قبل أن يدخل في حديث طويل عن الحياة في مدينته التي يصف أبوابها بالبسيطة التي خبأت خلفها عقولاً تفكّر بما أسماه مصلحة المدينة وأهلها، وعلاقتها مع الجوار، يقول: “عندما تكون الإشكالات كبيرة، يتدخل بعض الأشخاص ممن يُقال عنهم “عليهم العين”، أو “المحترمين”، أي أصحاب الكلمة العُليا في المجتمع، قبل وصول الموضوع لمدير الناحية، وانتقال القصة إلى بُعد آخر.” يتذكر فعالية كلمات مثل “بسيطة” و” ازرعوها بهالدقن” عندما تصدر عن هؤلاء الأشخاص ومن يقابلهم في القرى المجاورة، وكيف كانت قادرة على حلّ معظم الخلافات.

لا يمكن نفي وجود مشكلات كبيرة جداً بحسب كاسر، لكن وفي الوقت نفسه كانت الحلول مطروحة، حتى في تلك التي سالت فيها الدماء، ووصلت إلى حالة من القطيعة، “امتدت القطيعة لمدة عام بين محردة وحلفايا في منتصف القرن الماضي”، إلا أنها حُلّت بالعقل، وتدخل شيوخ وأعيان على درجة عالية من الوعي، قالوا حينها بعدم إمكانية نقل إحدى المدينتين بعيداً عن الأُخرى، ” لا هم سيرحلون ولا نحن، وحتى اليوم لا هم رحلوا ولا نحن.”

يرى أن حضور هؤلاء الأعيان أو أصحاب الكلمة الفاصلة، أصبح قليلاً بشكل نسبيّ، يقول: “أشياء كثيرة حركّت المجتمع باتجاه غير صحيح، وما شهدته سوريا في  الحرب الأخيرة خير مثال على ذلك.” يضيف أن التعافي وترميم جراح الحرب يتطلب وقتاً طويلاً، ” تم تقسيم المجتمع إلى أفكار صغيرة”، ويصرّ على استخدام كلمة أفكار، ليست طوائف أو مذاهب، ” إنها حالة انتقال من مرحلة أصنام الحجر إلى أصنام الفكر، والجاهل وما أكثر الجاهلين اليوم، يصبح عنيداً ومتشبثاً برأيه.”

يشيح بنظره بعيداً، قبل أن تخرج منه جملة مسرعة، تحمل شيئاً من الحسرة، “قبل حكم البعث جمعت الحياة السياسية بعض الناس ممن اهتموا بالعمل السياسيّ، حتى لو حملت الاختلافات، لكن الانتماء للوطن كان أكبر، أذكر تنظيمنا للتظاهرات معاً، والاتجاه سيراً على الأقدام نحو مدينة حماة.”

يوّجه حديثه بالقول: “قد يعتقد جيلكم، وحتى الجيل الذي يكبركم أن الحياة السياسية كانت معدومة في الأرياف، لكن على العكس، على الرغم من عدم وجود تكنولوجيا، والاعتماد على الراديو لمعرفة الأخبار، إلا أنها شكلت نقطة حوار، وحديثاً يوميّاً بين الناس.” يطرح سؤالاً بصوت عالٍ، يقول إنه يعرف ما يجول في خاطري أثناء هذا، ما علاقة كل هذا بالعدالة؟

يرد على نفسه : “الصلح يحقق شيئاً من العدالة، والكلمة العليا تحقق شيئاً من العدالة، ومحاسبة جميع المذنبين تحقق شيئاً من العدالة، وإعلاء صوت الحق يحقق شيئاً من العدالة، لكن ما يحقق العدالة أيضاً هو قدرة الناس على الحوار مع بعضهم البعض ليصلوا إلى الطريق الأنسب لتحقيق العدالة، يقول كاسر: “باعتقادي هذا ما كان يحصل في الماضي وقد خسرناه.”

يضيف: ” لا تتخيلي أن يكون الحوار حول طاولة مستديرة في قاعة مكيفة، الحوار في سوق الهال، وفي المراعي، وبجانب المسامك، وفي المعامل، وفي الوظائف والدوائر، “كانت الحوارات سياسة؛ تخلق صورةً من التقارب الفكري والوطني بين الناس، واليوم كل ما يتم بثه هو التفرقة.”

يشير المحامي فراس ضاحي إلى أن المشاورات الوطنية آلية من آليات العدالة الانتقالية ونجاح أي برنامج وطني للعدالة الانتقالية يعتمد بشكل كبير على عمق واتساع وجدية المشاورات الوطنية التي يقوم بها أي برنامج وطني للعدالة، لكنه يرى أن من أهم الأسئلة التي تواجه المشاورات الوطنية، هي مع من نتشاور؟ ومَن نحاور؟

يوّضح ضاحي بالقول: “من المتعارف عليه أن هناك جهات ومؤسسات أهلية ومدنية وأشخاص من المفضل أن يتم إشراكهم في عملية المشاورات أولاً لقدرتهم على التأثير على المجتمع المحلي، مثل الأعيان وشيوخ القبائل وشيوخ العشائر والوجهاء ورجال الأعمال، ثانياً عملية إشراكهم في المشاورات تجعلهم فاعلين ومطمئنين إلى دورهم ونفوذهم الذي يتمتعون به”، فإذا جرى استبعادهم أو تهميشهم فلديهم القدرة على تخريب مساعي برنامج العدالة الانتقالية أو إثارة الشكّ في البرنامج برمته، حتى أنه يمكنهم زعزعة الاستقرار أو السلام حديث العهد والذي مازال هشّاً.

لكن هنا يجب مقاربة الأمر بدقة وحذر فكما أن استبعادهم له مخاطر أيضاً إكسابهم نفوذاً معيناً من خلال إشراكهم قد يتحوّل لعملية ابتزاز من قبلهم للمسؤولين عن البرنامج، والأهم التعامل غير المدروس معهم يهدد بشكل كبير بناء دولة المواطنة لأنه يعزز لدى المواطنين الانتماء للشخص ( شيخ عشيرة مثلاً) عوضاً عن ترسيخ فكرة انتماءه إلى الدولة ، فتصبح كل مطالب الناس تمرّ من خلاله وليس من خلال مؤسسات الدولة أو الأحزاب أو منظمات المجتمع المدني.

حقيقةً؛ لا أملك جواباً حاسماً حول إمكانية الاعتماد على الطرق التقليدية من الماضي لرسم مسار العدالة الانتقالية اليوم، فالمبادئ العامة موجودة لكن تطبيقها على الواقع يختلف من تجربة إلى أُخرى ومن بلد إلى آخر، وحتى ضمن البلد الواحد ، فلكل منطقة تقاليدها وأعرافها التي يمكن البناء عليها لكنها لا تصلح لمنطقة أُخرى في البلد ذاته، فالعادات والأعراف مثلاً في دير الزور تختلف عن حمص، وحمص عن درعا، وهكذا.

الحاضر أقل سعادة

للبناء على الماضي، يجب أن نعود قليلاً إلى الحاضر، لنعرف أين نقف من كل ما يحيط بنا، وكل ما مررنا به، “الرؤية ضبابية، ولا مسار واضح للعدالة الانتقالية، وحقيقة؛ من سينسى موت أهله أو أولاده، وهنا أقصد جميع المناطق وجميع الأطراف، تفتتح ديما ( اسم مستعار) حديثها، بحدّة نوعاً ما، ديما التي تعود للمرة الأولى إلى سوريا بعد سقوط الأسد، بعد هجرة تزيد عن عشر سنوات.

تقول إن الناس سيجدون طرقاً للتعايش، ربما لمصلحة “أو سيبقون على خلاف وحروب، ونصل إلى قاع القاع، وبدون عدالة انتقالية سنصل قريباً، وكل فرصة سانحة ستكون فرصة للقتل والدماء.”

تتبنى ديما فكرة مفادها أننا وقعنا في المقتلة لأننا نجهل بعضنا البعض، لذلك ترى أن بناء مساحات للأجيال القادمة، بعيداً عن الماضي أو الحاضر، سيمكننا من البناء على المستقبل قبل كل شيء، ” بالاعتماد على الزراعة والمسرح والموسيقى والفن واللغة وتعلم المهن والحرف والمشاريع، ويمتد الأمر إلى الأرياف”، وعندها من سيدرس مع إنسان آخر حتى لو اختلف عنه. بعد أن كانت مناطق السيطرة في يوم من الأيام تفصل بينهما، أو حسب التصنيفات المجتمعية، إلا أن هذه الطريقة باعتقادها ستشكّل ثورة صغيرة تقوم بها الأجيال الناشئة لتشكيل مجتمع أكثر أماناً، ” هذه فكرتي عن العدالة الانتقالية، خلق مساحات مشتركة للأجيال الناشئة لنتعرف على بعضنا البعض ولا يتكرر كل ما حصل.”

تطرح ديما سؤالاً حول الشيء الذي يدفعنا إلى قتل بعضنا، وتجيب بأنه إحساسنا بضرورة الآخر للنجاة، “لكن بعد تعرفنا على الآخر، سيخف إحساسنا بالخطر منه.” تشير إلى تكرار طرح الأمثلة حول راوندا وجنوب إفريقيا، و برأيها تنطبق هذه الحالات على راوندا وجنوب إفريقيا أكثر مما تنطبق علينا، هي تجارب هامة، وليست بسيطة أبداً، لكن الوضع في سوريا اليوم هو الأكثر تعقيدًا.

وتضيف: ” مثلاً فتح المجال أمام أهالي الضحايا لمشاركة تجاربهم، هي طريقة مهمة ، لكنها معقدة في سوريا لأن طرفاً قد انتصر على حساب آخر، وكان شريكاً يوماً ما في هذه الحرب”، فنحن مختلفون من حيث نهاية الحرب رسمياً، وتدخل القوى الدولية وفتحها النقاش أمام جميع الضحايا وذويهم للحوار، “بعض المنظمات أو الجمعيات تأخذ على عاتقها الاستماع لتجارب الضحايا وذويهم، لكن هذا المسار لن يؤدي إلى التحقيق الكامل للعدالة الانتقالية.”

يطرح ضاحي في هذا السياق مصطلحاً اسماه “أساسيات العدالة الانتقالية” ومنها عدم إمكانية وعدم جواز نسخ تجربة دولة ما -مهما كانت التجربة ناجحة -وإسقاطها وتطبيقها في دولة أخرى لأنه سيؤدي بالضرورة إلى فشلها، يوّضح: “ليس لدولتين المعطيات أو الظروف ذاتها من حيث طبيعة الصراع، ومدته الزمنية، وعدد الأطراف المنخرطة فيه، والتركيبة الديموغرافية والصراع السياسي والطبقي والاقتصادي والثقافي والتدخلات الدولية والإقليمية.. إلخ، مع مروحة واسعة من المعطيات أو الظروف.”

يشير إلى أهمية دراسة أكبر قدر ممكن من تجارب الدول، “المبادئ العامة يمكن أن تُدَرس لكن يبقى على كل دولة بناء برنامج وطني خاص بها”، وإلى أن طرح تصوّر مسبق عن إمكانية تطبيق تجربة رواندا أو جنوب أفريقيا هو تصوّر خاطئ بصرف النظر عن عملية استلام السلطة ومن المستلم سواء أكان منخرطاً بالنزاع السابق أم لا.

وبالتالي يصل ضاحي إلى نتيجة مفادها ضرورة بناء برنامج وطني سوري للعدالة الانتقالية، مصمم بناءً على المعطيات والظروف والخصائص الموجودة لدينا، ” التجارب الأخرى تغني تجربتنا، وتساعدنا على تفادي أخطاء وقعت بها، وتدفعنا لتعزيز وتطوير نجاحات حققتها”، كما تساعد في فهم كيفية بناء وتصميم برنامج معين من برامج العدالة الانتقالية وما الشراكات الممكنة، ” لكنها لا تحل أبداً محل بناء تجربتنا الخاصة بنا.”

مروة (اسم مستعار) التي غادرت من البلاد قبل عام تقريباً من سقوط نظام الأسد، بعد أن غادرتها نتيجة التضييق الاقتصادي الكبير الذي عاشته مناطق سيطرة النظام على المصالح والأعمال. يشجعها معظم الناس اليوم في محيطها على العودة والاستقرار في البلاد، لكنها لم تأخذ قراراً وتميل أكثر نحو رفض هذه الفكرة.

ترى أنه من الصعب البناء على الماضي لرسم مسار للعدالة الانتقالية في سوريا اليوم، بسبب غياب أصحاب الكلمة العليا أو “الكبارية”، حتى لو كانت مجالس الصلح موجودة اليوم، لكنها لا ترسم مساراً واضحاً للعدالة، ولم تتبنى من عادات الماضي سوى “لفلفة المشكلة”.

لكنها تجد أن المنفعة الاقتصادية قد تكون البوابة أمام استمرار علاقات المدن والقرى، والريف والمدينة، “لذا يمكن استثمار وجود هذه المنفعة، لرسم مسار موازٍ للعدالة الانتقالية، بوجود قوانين صارمة جداً تُطبّق على الجميع وعلى الأصعدة كافة”.

في السياق ذاته يشير ضاحي إلى اتساع عبارة العجلة الاقتصادية التي قد تتضمن الأموال والمشاريع المقدمة من الدول المانحة والخطط الاقتصادية والتنموية التي تقوم بها الدولة، كذلك أي برنامج وطني لإعادة الإعمار يمكن أن يكون ضمن العجلة الاقتصادية.. إلخ، لكن في سوريا ومن منظور ضاحي “نحن نفتقد للعجلة نفسها وليس سيرها فقط.”

لكن؛ وبالعودة إلى فكرة الربط بين سير العجلة الاقتصادية وتوّقف الأعمال الانتقامية، يرى ضاحي أنه من المعروف أن تحقيق العدالة وإنصاف الضحايا ومحاسبة المرتكبين وإصلاح مؤسسات الدولة وجبر ضرر الضحايا، هي ما يمنع استمرار الأعمال الانتقامية، بالتأكيد الوضع الاقتصادي هو جزء مهم ومساعد، لكن وحده لا يكفي.

ويضيف: “شعور الناس والضحايا والمجتمع بتحقق أوجه العدالة كافة وليس فقط العدالة الاقتصادية على أهميتها، هو ما يمنع استمرار الأعمال الانتقامية، وسينظر بعض الناس إلى تحسّن الوضع الاقتصادي على أنه بديل عن تحقيق العدالة لهم”.

وصفات جدتي للعدالة الانتقالية

لأني مثل أي كاتب، عندما يقع في مأزق يفتح درج جدته القديم، الذي يحمل باعتقاده أهم الأشياء على الإطلاق والتي يجب أن يسمع عنها العالم أجمع، لذا عندما قررت الكتابة عن العدالة الانتقالية، وجدت نفسي أضع عنواناً تمهيدياً: ” وصفات جدتي للعدالة الانتقالية”، لأن جدتي كما معظم الجدات تملك أبسط الوصفات وأسهلها، لكن هذا العنوان وضعني أمام تساؤل حول حجم كل ما حصل ويحصل في سوريا، فهل تنفع معه الوصفات السهلة والبسيطة؟ أم أن كل هذا الكلام ليس إلا هراء، لا يلمس طرف الواقع حتى.

بالعودة إلى جدتي التي لم تعش في محردة بعد زواجها، بل في سهل الغاب، حيث رافقت جدي إلى مكان عمله قرب مرداش، ولأنها تحمل شهادة السرتفيكا، علّمت في روضة، ربما لم تكن أفضل معلمة على الإطلاق، لكن يوماً ما وعند عودتها مع جدي من محردة باتجاه سهل الغاب، قررت شراء أحذية لأطفال الروضة جميعاً، لأن فصل الشتاء جاء وهم عراة الأقدام، فأخذ اللأطفال عادة أن يكنّوا أنفسهم بكنية جدي أي “بيطار” لأنهم جميعاً أولاد جدتي التي ألبستهم أحذية في الشتاء.

يخيّل إليّ الآن لو استلمت جدتي مسار العدالة الانتقالية في سوريا فلن تقبل مؤقتاً أن يتحدث أي إنسان بأي فكرة بوجود طفل جائع، أو بوجود عائلة دون بيت، هذا لا يعني أنها ستقبل بأن يشيع الظلم أو يعيش المجرمون دون عقاب، أبداً، لكن وحسب مفهوم جدتي، فالشبع، والدفء والنظافة والتعليم أولويات، لا يمنع التركيز عليها من تحقيق العدالة نفسها.

قد تبدو جدتي لا تفقه السياسة، لأنها لم تستخدم كلمات كبيرة حول العدالة الانتقالية، لكن حقيقةً هذا الأمر يضعنا جميعاً أمام تساؤل حول من يحق له الحديث عن العدالة الانتقالية؟ وهذا السؤال مختلف عما طرُح في بداية المقال، هنا نتحدث عن الشارع والبيوت والجدات وطاولات المقاهي وسوق الهال الذي تحدث عنه كاسر، والمخيمات وبيوت الناس العاديين، ممن يعيشون حياة عادية، بعيداً عن الانترنت وعن الكلمات الرنانة التي تتحكم بمستقبلهم، المتأثرين بكل ما يحصل، لكن لا صوت لهم. هل يحق لهم أن يشاركوا بالحديث عن عدالتهم الانتقالية من منظور استمرارية حياتهم؟