ساعات قليلة من المطر كانت كافية لإغراق شوارع في مدينة حلب، ووصول المياه إلى منازل ومحال تجارية وأقبية، في مشهد أعاد إلى الواجهة أزمة شبكات الصرف الصحي وتصريف مياه الأمطار، وما تحمله من مشكلات متراكمة رغم أعمال الصيانة والاستعدادات التي تعلنها الجهات المعنية قبل كل موسم مطري.
العاصفة التي ضربت حلب، الخميس (1 تشرين الأول 2026)، أثارت تساؤلات حول جاهزية المؤسسات الخدمية وأولويات إعادة الإعمار في مدينة تشهد مشاريع استثمارية وأعمال تأهيل وتجميل، بينما ما تزال أجزاء واسعة من بنيتها التحتية بحاجة إلى إصلاح وتطوير.
في أحياء الفيض والفردوس والمشهد والمشارقة والصالحين وغيرها، ارتفع منسوب المياه سريعاً، وتدفقت السيول إلى المحال والمنازل، فيما أظهرت مقاطع مصورة سيارات وحافلات عالقة وسط المياه، وفتحات صرف تندفع منها المياه إلى الشوارع.
وكان حي الفيض من أبرز المواقع التي أثارت التساؤلات، بعدما أعلنت الشركة العامة للمياه والصرف الصحي في حلب، أواخر آب الماضي، إدراجه ضمن النقاط المنخفضة التي تحظى باهتمام خاص قبل موسم الأمطار، إلى جانب جسر الحج وشارع سادكوب وجسر العوارض، مؤكدة تنفيذ أعمال تنظيف وتعزيل للمصافي المطرية ورفع جاهزية خطوط التصريف.
لكن المياه عادت بعد أكثر من شهر لتغمر بعض المواقع المعروفة بتكرار الاختناقات فيها، ما أعاد طرح الأسئلة حول فاعلية الإجراءات الوقائية، وأسباب استمرار المشكلة في أحياء تتعرض للغرق مع كل هطول غزير.
“خسرنا أثاثنا وبضائعنا”
في شهادات مصوّرة رصدها “فوكس حلب” عقب العاصفة، تحدّث متضررون عن تسرب المياه إلى الأقبية والطوابق الأرضية والمحال التجارية، وما خلفته من خسائر في الأثاث والبضائع والممتلكات.
ووصف أحد المتضررين سرعة ارتفاع منسوب المياه، مشيراً إلى أنّ أصحاب المحال عجزوا عن إنقاذ بضائعهم، فيما تحدث آخرون عن سيارات غمرتها السيول بعد أن تجاوز ارتفاع المياه في بعض الشوارع 40 سنتيمتراً، وفق تقديراتهم.
وحاول بعض السكّان فتح “الريكارات” والمصارف المسدودة بأيديهم لتخفيف تدفق المياه نحو منازلهم ومحالهم، وسط صعوبة في التعامل مع قوة السيول وغزارة الهطول، بينما كانت المياه تتسرب إلى الأقبية والمستودعات.
وتضمنت شهادات متداولة روايات عن تعرض أشخاص، بينهم عمال، لـ”صعقات كهربائية” داخل صالات تجارية غمرتها المياه. ولم يتسنَّ لـ”فوكس حلب” التحقق من هذه الروايات بصورة مستقلة، فيما تثير احتمالات وصول المياه إلى التمديدات والتجهيزات الكهربائية مخاوف إضافية تتعلق بالسلامة العامة.
وفي الرابع من تشرين الأول، نقلت وكالة الأنباء السورية (سانا)، شهادات لسكّان من حيي المشارقة والفيض، تحدّثوا عن تكرار تجمع المياه في الشوارع والمحال، وطالبوا بإعادة تأهيل الشبكات القديمة وتنظيف المصارف بصورة دورية.
شبكة بتصاميم تعود إلى 1970 وأخطاء هندسية في مواقع الغرق
في تصريحات خاصة لـ”فوكس حلب”، كشف فرهاد خورتو، عضو المكتب التنفيذي في محافظة حلب والمكلف بمتابعة ملف الصرف الصحي، أنّ آخر تصميم رئيسي للشبكة يعود إلى العام 1970، فيما تضم المدينة خطوطاً وقنوات مضى على إنشائها عشرات السنين، خصوصاً في حلب القديمة.
وبحسب “خورتو”، فإن نحو 80% من الشبكة يتألف من قنوات مغلقة مبنية بالبلوك، تأثرت بعوامل الزمن وظروف الاستخدام، فضلاً عن الأضرار التي تعرضت لها خلال سنوات الحرب نتيجة القصف.
وتزيد تراكمات القمامة والأتربة والطمي والمخلفات من صعوبة تصريف المياه، إذ تتسبب بانسدادات داخل القنوات وتقلص قدرتها الاستيعابية، وتظهر آثارها بصورة أكبر خلال الهطولات الغزيرة. وأشار “خورتو” إلى وجود أخطاء هندسية أساسية في بعض أجزاء الشبكة، مستشهداً بمنطقة الفيض التي تشهد ارتفاعاً متكرراً في منسوب المياه خلال العواصف.
وتكشف هذه المعطيات عن أسباب متعددة لتكرار تجمع المياه في مواقع محدّدة، بعضها يرتبط بانسداد المصارف والحاجة إلى تنظيفها باستمرار، وبعضها الآخر يتصل بتصميم الشبكة وقدرة خطوطها على الاستيعاب، ما يستدعي أعمالاً هندسية قد تشمل توسيع القنوات وتعديل مساراتها وإعادة تصميم أجزاء منها.
وتكتسب هذه المشكلات أهمية أكبر في مواقع سبق تحديدها بوصفها نقاطاً معرضة للغرق، إذ يتيح رصدها مسبقاً دراسة أسباب الاختناق ووضع معالجات تتناسب مع طبيعة كل موقع، قبل أن تتحول الأمطار الغزيرة إلى خطر على السكان وممتلكاتهم.
وأرجع “خورتو” جانباً من الفيضانات إلى شدة الهطولات المطرية خلال فترة قصيرة، موضحاً أن كمية الأمطار تجاوزت “30 ميليمتراً” خلال نحو 20 إلى 22 دقيقة، ما شكّل ضغطاً كبيراً على شبكات التصريف وأدى إلى تجمع المياه في عدة مواقع، بينها دوار الفيض وجسر الحج وجسر 16 تشرين وشارع الفرنسيسكان.
وتزداد صعوبة تصريف هذه الكميات في المناطق المنخفضة والمواقع التي تشكو من أخطاء هندسية أو محدودية في القدرة الاستيعابية للخطوط. وأوضح “خورتو” أنّ محافظة حلب تعتمد خطتين للتعامل مع الأمطار، إحداهما وقائية تشمل استنفار فرق النظافة لإزالة الأوساخ والمخلفات من الشوارع، وتنظيف المصارف المطرية وفتحات التصريف، فيما تتضمن الثانية تجهيز فرق للتدخل الطارئ في المواقع المتوقع تجمع المياه فيها.
وتشمل نقاط تمركز فرق الطوارئ منطقة الفيض وجسر الحج وجسر 16 تشرين والنفق المجاور لجامع التوحيد وشارع الفرنسيسكان. وبحسب “خورتو”، تتألف فرق التدخل في هذه المواقع من خمسة عمال صرف صحي مزودين بالمعدات اللازمة لفتح المصارف ومعالجة الانسدادات، مع وجود اتصال مباشر بين عمليات الصرف الصحي ومديرية الطوارئ وإدارة الكوارث، للاستعانة بالكاسحات والشافطات والآليات الداعمة عند الحاجة.
وتواجه المديرية في الوقت نفسه نقصاً حاداً في كوادرها البشرية، إذ أوضح “خورتو” أنّ عدد العاملين فيها انخفض من نحو 950 موظفاً عام 2010 إلى قرابة 320 موظفاً حالياً، أي بتراجع يقارب الثلثين.
وينعكس هذا النقص، وفق “خورتو”، على أعمال الصيانة والمتابعة وسرعة التدخل، خاصة خلال العواصف التي تتطلب انتشار الفرق في عدة مواقع بالتزامن، وتستدعي استمرار العمل حتى تصريف المياه وإزالة الانسدادات.
إعفاءات إدارية و85 كيلومتراً من الشبكات تنتظر التأهيل
أعقبت العاصفة تغييرات إدارية في محافظة حلب، وسط انتقادات رافقت انتشار صور الفيضانات والأضرار، ففي الثاني من تشرين الأول، أفادت وكالة “سانا” بإبعاد المسؤول السابق عن ملف الصرف الصحي في مجلس المحافظة، وتكليف فرهاد خورتو بمتابعة الملف، إلى جانب تكليف نائب مدير مديرية الصرف الصحي بتسيير الأعمال مؤقتاً، لحين تعيين مدير جديد. ووصف محافظ حلب عزام الغريب يوم العاصفة بأنّه “صعب ومقلق”، مشيراً إلى أنّ الهطولات كانت استثنائية وفاقت التوقعات والتجهيزات.
وكشف “الغريب”، عبر معرّفاته الرسمية، أن المدينة تضم نحو 127 كيلومتراً من التمديدات المهترئة، أُنجز تأهيل قرابة 42 كيلومتراً منها، ما يترك نحو 85 كيلومتراً بحاجة إلى استكمال التأهيل، وفق الأرقام التي أعلنها.
كذلك، دعا محافظ حلب، المتضررين إلى تقديم شكاواهم رسمياً، متعهداً بمحاسبة المقصرين ورفع مستوى الجاهزية لمواجهة الهطولات المقبلة، كما أقر بحدوث “خلل” وتجمع للمياه في بعض المواقع، معلناً اتخاذ إجراءات إدارية لمعالجة التقصير، وصيانة ومعالجة أكثر من 50 نقطة ضمن شبكة الصرف الصحي.
وشملت التحركات الميدانية سحب المياه من أقبية منازل في حي الزبدية، والكشف عن انهيارات أرضية في حي المعادي ووضع علامات تحذيرية في المواقع المتضررة، فضلاً عن تنظيف غرف التفتيش وفتح خطوط التصريف.
ومع هذه الإجراءات، تبرز أهمية معرفة طبيعة المعالجات المنفذة في النقاط الخمسين، ومدى قدرتها على الحد من تكرار الاختناقات، خصوصاً في المواقع التي تشكو من مشكلات هندسية تتطلب حلولاً تتجاوز التنظيف والتعزيل.
مشروع توسعة توقف منذ سنوات.. هل تعود الدراسات إلى الواجهة؟
تواجه خطط تطوير شبكة الصرف الصحي في حلب تحديات مالية وفنية، تتصل بحجم الأعمال المطلوبة وقدم أجزاء واسعة من الشبكة والتوسع العمراني الذي شهدته المدينة.
وأوضح “خورتو” لـ”فوكس حلب” أن إعادة هندسة الشبكة تحتاج إلى دراسات متخصصة وأعمال حفر وإنشاء قنوات جديدة وتوسيع الخطوط القائمة، ضمن خطة طويلة الأمد تراعي الاحتياجات الخدمية والموارد المتاحة.
وكشف عن مشروع سابق لتوسعة شبكة الصرف الصحي في حلب بالكامل، استغرق إعداد دراسته نحو أربع سنوات، قبل أن يتوقف مع انطلاق الثورة السورية.
ويعيد الحديث عن هذا المشروع، طرح تساؤلات حول مصير الدراسة التي أُنجزت آنذاك، وإمكانية الاستفادة منها بعد تحديثها، في ضوء التغيرات العمرانية والأضرار الواسعة التي لحقت بالمدينة خلال السنوات الماضية.
وأشار “خورتو” أيضاً إلى تفاوت شدة الهطولات المطرية ومستويات تدفق المياه بين موسم وآخر، مستشهداً بالتغيرات التي يشهدها منسوب نهر قويق، إذ بقي عند مستويات منخفضة نسبياً في بعض الفترات المطرية رغم استمرار الهطول، بينما ارتفع سريعاً خلال دقائق في حالات أخرى.
يستدعي، هذا التفاوت، مراجعة الدراسات الهيدرولوجية وتقييم قدرة قنوات التصريف على استيعاب الأمطار الغزيرة خلال فترات قصيرة، مع إيلاء المناطق المنخفضة اهتماماً خاصاً، بحكم تجمع المياه القادمة إليها من الشوارع والأحياء المجاورة.
وفي الثامن من تشرين الأوّل، أعلنت وكالة “سانا” تنفيذ أعمال لتدعيم السواتر الترابية المحيطة في سد السيحة جنوبي حلب، بالتزامن مع تعزيل أجزاء من مجرى نهر قويق وتفرعاته، ضمن خطة تشمل نحو 200 كيلومتر، إلى جانب تأهيل طرق زراعية في المنطقة.
خسائر تتكرر مع الأمطار.. مَن يعوّض المتضررين؟
في سياق متصل، أثار “خورتو” قضية الأضرار المتكررة الناجمة عن تجمع مياه الأمطار ومشكلات الصرف الصحي في عدد من مناطق حلب، خاصّةً أحياء المدينة القديمة والأحياء الشرقية وشارع “16 تشرين”، حيث تتجدّد خسائر السكان مع كل موسم مطري، وتتزايد التساؤلات حول مسؤولية الجهات المعنية عن معالجة أسبابها وتعويض المتضررين.
وتطول هذه الخسائر المحال التجارية والمستودعات والأقبية وممتلكات السكان، وسط غموض يحيط بإجراءات توثيق الأضرار ومتابعة الشكاوى، خاصة في المواقع التي شهدت حوادث غرق متكررة خلال السنوات الماضية.
ورغم دعوة محافظ حلب المتضررين إلى تقديم شكاوى رسمية، ما تزال إجراءات النظر في مطالب التعويض غير واضحة، وكذلك المعايير التي ستُعتمد لتقدير الخسائر وتحديد المسؤوليات، خصوصاً في الحالات التي قد يثبت فيها ارتباط الأضرار بخلل في أعمال الصيانة أو تأخر في الاستجابة.
ويطرح المتضررون أسئلة عن الجهة التي ستتولى دراسة الشكاوى، والمدة اللازمة للبت فيها، وإمكانية الحصول على تعويضات عن خسائرهم، فضلاً عن الإجراءات التي ستتخذها الجهات المعنية لمنع تكرار الأضرار في المواقع نفسها.
وتزداد أهمية الإجابة عن هذه التساؤلات مع استمرار تجمع المياه في أحياء معروفة بمشكلاتها، إذ ينتظر السكان معالجة أسباب الغرق، إلى جانب توضيح مصير الخسائر التي تكبدوها خلال العاصفة الأخيرة.
“ريكارات لا دوّارات”.. جدل حول أولويات المشاريع
العاصفة الأخيرة، أعادت النقاش حول ترتيب المشاريع الخدمية والعمرانية في حلب، بعد أشهر شهدت أعمال تأهيل وتجميل لعدد من المواقع، أبرزها افتتاح دوار الليرمون بحلته الجديدة في تموز الماضي، وإطلاق مسابقة لتصميم مستديرة الحاووظ عند المدخل الشرقي للمدينة.
وتباينت الآراء حول هذه المشاريع، إذ رأى مؤيدوها أنها تسهم في تحسين المشهد الحضري واستعادة جزء من هوية المدينة البصرية، بينما طالب آخرون بإيلاء شبكات الصرف الصحي والطرق والمرافق الخدمية اهتماماً أكبر، بعد الأضرار التي خلفتها الأمطار. وكانت محافظة حلب قد أوضحت سابقاً، أنّ بعض مشاريع تجميل الدوارات تُنفذ بتمويل مستقل تقدمه جهات مانحة، دون تحميل موازنات الخدمات الأساسية تكاليفها.
ويفتح اختلاف مصادر التمويل باب النقاش حول التخطيط العام للمدينة، وقدرة الجهات المعنية على استقطاب الدعم لمشاريع البنية التحتية، وتوجيه التمويل المتاح نحو المواقع والمرافق الأكثر حاجة إلى التأهيل.
فمدينة حلب تحتاج إلى صيانة شوارعها وتأهيل ساحاتها ومداخلها، كما تواجه تحديات ملحّة في شبكات الصرف الصحي والطرق والمرافق التي يعتمد عليها السكان يومياً، وتكشف الأمطار الغزيرة مدى قدرتها على تحمل الظروف الجوية الصعبة.
وعقب العاصفة، ردّد بعض الحلبيين عبارة “حلب حالياً بدّا ريكارات مو دوّارات”، تعبيراً عن استيائهم من تكرار مشاهد الغرق، ومطالبتهم بإعطاء مشكلات تصريف المياه أولوية أكبر في خطط التأهيل.
تعكس العبارة جانباً من النقاش حول أثر المشاريع المنفذة على الحياة اليومية للسكّان، في مدينة تتعدد احتياجاتها وتتفاوت إمكانات تمويل مشاريعها، فيما تبقى معالجة نقاط الغرق المتكررة من أبرز المطالب الخدمية التي أعادتها العاصفة إلى الواجهة.
استثمارات بـ 800 مليون دولار.. هل تواكبها البنية التحتية؟
في أواخر أيلول الماضي، أعلنت هيئة الاستثمار ومحافظة حلب متابعة حزمة من المشاريع الحاصلة على إجازات ورخص استثمارية بقيمة تقارب 800 مليون دولار، بدأ بعضها دخول مرحلة التنفيذ، وتشمل قطاعات عقارية وسكنية وصناعية وسياحية.
وعودة النشاط الاستثماري يحمل أهمية اقتصادية لـ محافظة حلب، التي عُرفت لعقود بوصفها أحد أبرز المراكز الصناعية والتجارية في سوريا، لما يمكن أن توفره المشاريع الجديدة من فرص عمل وتنشيط للأسواق وقطاعات الإنتاج.
غير أنّ التوسع العمراني والاقتصادي يزيد الطلب على شبكات المياه والصرف الصحي والطرق والكهرباء، ويضع المرافق القائمة أمام أعباء إضافية تتطلب احتسابها منذ مراحل التخطيط والترخيص.
ومع وجود نحو 85 كيلومتراً من التمديدات المهترئة التي تنتظر التأهيل، وفق الأرقام الرسمية، وما كشفه “خورتو” عن قدم التصاميم والأخطاء الهندسية، تبرز الحاجة إلى ربط المشاريع الاستثمارية بخطط تحديث البنية التحتية وتقييم قدرة الشبكات على استيعاب التوسع الجديد.
ويكتسب هذا الربط أهمية خاصة في المشاريع السكنية والتجارية والصناعية التي تتطلب خدمات مستقرة، حيث يمكن أن يؤدي التوسع العمراني دون تطوير موازٍ للشبكات إلى زيادة الضغط على مرافق تعاني أصلاً من مشكلات في القدرة الاستيعابية.
هذه المعطيات، تضع الجهات المسؤولة عن التخطيط والاستثمار أمام تحدي تحقيق التوازن بين تسريع تنفيذ المشاريع الجديدة وتأهيل المرافق التي ستعتمد عليها، بما يضمن استدامة النشاط الاقتصادي والخدمات المرتبطة به.
بعد انحسار المياه.. متى تنتهي أزمة الغرق؟
العاصفة الأخيرة كشفت عن حجم المشكلات التي تواجه شبكة الصرف الصحي في حلب، من تصاميم يعود آخر تحديث رئيسي لها إلى عام 1970، وأخطاء هندسية في مواقع معروفة بتجمع المياه، إلى نحو 85 كيلومتراً من التمديدات المهترئة التي تنتظر التأهيل، ونقص حاد في الكوادر البشرية، ومشروع توسعة توقف منذ سنوات.
وفي الأيام التالية للعاصفة، اتخذت المحافظة إجراءات إدارية، وأعلنت صيانة ومعالجة أكثر من 50 نقطة ضمن الشبكة، في حين واصلت فرق الصرف الصحي والطوارئ أعمال التنظيف والتعزيل وسحب المياه من المواقع المتضررة.
لكن استمرار المشكلة في أحياء سبق تحديدها ضمن النقاط المعرضة للغرق يعيد طرح التساؤلات حول الخطوات المقبلة، ومواعيد تنفيذ الإصلاحات الهندسية، وأولويات تأهيل الشبكة، وآليات تعويض السكان الذين تعرضت ممتلكاتهم للأضرار.
وبعد سنوات من المشاهد المتكررة للمياه التي تغمر الشوارع والمحال والمنازل، ينتظر سكّان الفيض والمشارقة وغيرها من الأحياء المتضررة في مدينة حلب، نتائج ملموسة قبل العواصف المقبلة،
أمّا عبارة “ريكارات لا دوّارات”، فقد أصبحت عنواناً لنقاش أوسع حول أولويات إعادة الإعمار في حلب، ومدى حضور البنية التحتية في الخطط والمشاريع التي يجري تنفيذها.
وبين مشاريع تغير ملامح الشوارع والساحات، وشبكات قديمة تنتظر التأهيل تحت الأرض، سيبقى الامتحان الأهم مع أوّل هطول غزير للمطر، حين يراقب الحلبيون منسوب المياه في شوارعهم، ويترقبون أن تؤدي المصارف وظيفتها قبل أن تصل السيول مجدّداً إلى أبواب منازلهم ومحالهم.
