تجلس ابتسام، بنت أبو عاطف يونس، داخل أربع خشبات أطلقت عليها اسم «بسطة»، ينسدل من حولها شرشف لا تترك أحجام ثقوبه وتباينها أي مجال للشك في أنه انتُزع من تحت ركام بناء تعرض للقصف. أجلس على كرسي بلاستيكي، الشيء الوحيد الذي يمكنني القبض عليه من حولي. وراء رأسي ثقب كبير، لا أستطيع التمييز إذا كان بسبب الشظايا أو «طلاقية قناص». على يساري أفران حمدان، حيث لم يعد هناك أفران، ومع ذلك ما زالت أهم نقطة دلالة جغرافية واجتماعية رئيسية في ذاكرة أبناء اليرموك.
تعمل ابتسام، البالغة من العمر 70 عاماً، في «بسطة» لبيع الدخان، بعد أن أدركت أنها الأخيرة من عائلتها والمسؤولة عن أبناء ابنتيها اللتين غُيّب زوجاهما، وابنها الذي يواجه آثار تسع سنوات من الاعتقال في فرع فلسطين، وزوجها المريض. بيني وبينها صندوق صغير تحرص عليه بحذر، يظهر من طرفه 100 ليرة. تغلقه بإحكام وهي تقول لي: «أنا ما بعتبر إني خلص نجيت بعد هرب بشار الأسد، بعدنا عم نواجه شو عمل بالبلد وفينا، وما عنا وقت نوقف ونشوف شو صار فينا، اليوم وبكرا عم نركض أنا وهالبنات حتى نأمن أكلنا ودوانا ومصاريف حياتنا».
يقاطع كلام ابتسام عامل بناء يطلب باكيت دخان ماستر. تطلب منه 80 ليرة، يعطيها 75 ويرحل. تسامحه وتستكمل حديثها: «متل مو شايف، بدك تسامح كرمال تبيع. إذا بعت كروزين دخان، مربحهم ما يقارب 300 ليرة، حق علبة دوا إلي. لهيك ما بعتمد بس على البسطة لحتى عيش، وين في مساعدات بروح، بضل عم دور على المساعدات، بس أكتر شي بكرهو بالمساعدات الكرتونة. بدنا نضل عايشين على المعكرونة، معكرونة، وكيس رز. نحن طبختنا بالبيت أقل شي كيسين رز لحتى يكفي العيلة يلي عندي».
تدريجياً تبدلت طبقة الحزن في صوت ابتسام عندما سألتها كيف خرج ابنها من المعتقل. وصفت لي بهدوء كيف وجدوه خارجاً من فرع فلسطين ليلة فرار الأسد، إلا أنها لن تسامح من اعتقله. كما أنهم بحثوا عن أي أثر لزوجَي ابنتيها، ولم يجدوا أي شيء. استطاعت إحدى البنتين توفية زوجها، إلا أن الثانية ما زالت تحاول. وما تريده اليوم هو أن ترمم آثار كل ما حدث.
في البيان الأخير لرئيسة «المؤسسة المستقلة المعنية بالمفقودين في سوريا»، بتاريخ 22 تموز/يوليو، أشارت كارلا كينتانا إلى أن المؤسسة عالجت أكثر من 75 ألف وثيقة خلال الفترة الأخيرة، ضمن ملف المفقودين في سوريا. وحتى تموز/يوليو 2026، فيما لم يتضمن البيان رقماً مستقلاً للمفقودين الفلسطينيين السوريين.
في حين تكشف نتائج تقييم أجرته اللجنة الدولية للصليب الأحمر أن 96% من عائلات المفقودين التي شملها التقييم لم تتلقَّ أي دعم مؤسسي. وأفادت 94% من هذه العائلات بأنها واجهت صعوبات اقتصادية مرتبطة بفقدان أحد أفرادها. وفي 61% من الحالات، كان الشخص المفقود هو المعيل الرئيسي للأسرة، بينما اضطرت 46% من العائلات إلى بيع أصول أو ممتلكات للتكيف مع تبعات الاختفاء.
تضع هذه الأرقام ما تقوله ابتسام أمام سؤال أكبر: ماذا يعني جبر الضرر لعائلات المفقودين؟ كون الاختفاء يترك وراءه عائلة تواصل حياتها وهي تحمل تكلفة اقتصادية واجتماعية ونفسية لا تنتهي بمجرد معرفة مصيره. وتكتسب هذه المسألة خصوصية إضافية لدى الفلسطينيين السوريين، الذين عاشوا، إلى جانب آثار الحرب والاعتقال والاختفاء والتهجير، خسارات مرتبطة بالمخيمات والممتلكات ومصير أفراد عائلاتهم .وهنا يتجاوز السؤال معرفة مصير المفقودين ومحاسبة المسؤولين عن الانتهاكات، أنه يطرح أسئلة قدرة مسار العدالة الانتقالية في سوريا على الاعتراف بهذه الخسائر، ومعالجتها، وإشراك أصحابها في تحديد شكل العدالة التي يريدونها.
ويرى المحامي أيمن أبو هاشم أن «هناك فجوة لأنه لا يوجد ممثل عن الفلسطينيين السوريين في الهيئات الإدارية التي تقود هذا المسار، ولا يوجد صوت فلسطيني يمثل الضحايا أو مطالبهم أو احتياجاتهم. وهذا خلل يؤثر على تمثيل الفلسطينيين، ويجب أن يكونوا جزءاً من مسار صناعة القرار ضمن مسار العدالة الانتقالية، والمتعلق أيضاً بكيفية تطبيق هذا المسار على الحالة الفلسطينية ضمن جميع البرامج، وليس فقط المحاسبة ».
لا تعرف ابتسام معنى العدالة الانتقالية، أسألها مجدداً وأنا أحاول أن أشرح لها سياق عمل الهيئة الوطنية للعدالة الوطنية من كشف الحقيقة إلى المحاسبة إلى جبر الضرر، تتفاجأ عندما تدرك أن هناك من يبحث عن الحقيقة، تطلب مني تكرار اسم المصطلح مجدداً، اكرره ببطء كيف تحفظه، ثم تسألني “وين لازم أروح؟!”، اخبرها أنهم هم من يجب أن يتواصلوا معك، تقسم بعفوية أنه لم يتواصل معها أحد. لتعود إلى بسطة الدخان، إلى الأكل والدواء والبحث عن مصير زوجَي ابنتيها، وكأن العدالة الانتقالية التي شرحت لها معناها قبل دقائق، ليست شيئاً جديداً عليها بقدر ما هي الأشياء التي تتحمل آثارها منذ سنوات، من دون أن تعرف أن لها اسماً.
لا أريد أن أرى من عذّبني في الشارع
التغطية سيئة. أتصل مجدداً، يجيب محمد نجم، 35 عاماً، بعد أن وجد نقطة تصل إليها التغطية لإجراء مقابلة عبر الهاتف. تعرض محمد للاعتقال مرتين في مخيم اليرموك على أيدي قوات أمن النظام السابق، كما نجا من مجزرة التضامن، التي وقعت في حي التضامن جنوبي دمشق خلال عام 2013.
لم يتأخر صوت محمد نجم عبر سماعة الهاتف، وهو يقول، بحسب رؤيته: «العدالة الانتقالية هي دور رسمي حكومي يكون جاد وواضح، وهاد التفصيل غايب تماماً. وبما يخص المخيمات الفلسطينية، فهو غير موجود. فيك تدخل على المخيم هلأ وتشوف أشخاص عليها إشارات استفهام حول انتهاكات ارتكبتها في أيام حصار المخيم، وبعدها ماشية بينا، ليه؟! يمكن لأنو مافي حدا يشتكي، ومافي متابعة من جهات رسمية. وهي الملاحظات منتشرة كمان بباقي المناطق بكل سوريا، مش بس بالمخيم، لكن بتشوف غياب المتابعة أكثر بالمخيم لأنو عنا أزمة تمثيل. مافي جهة تحكي باسمنا، ما عنا غير مقر البلدية التابع للأمن العام بالمخيم وقسم مخفر اليرموك، والاثنين ما إلهم علاقة بمسار العدالة الانتقالية. البلدية بتقلك اشتكي، طيب مين بنظم هالملفات؟ مين عم ينظم الدعاوى؟ والناس هون بطبيعة الحال ما بتشتكي، بتخاف. لهيك العدالة الانتقالية اليوم بالنسبة ألي هي إني ما بدي أشوف الناس يلي ارتكبت الانتهاك بالشارع وبحياتي اليومية».
يربط محمد نجم العدالة الانتقالية بالجدية والوضوح. وحتى اليوم، لا تضم التشكيلة المعلنة للهيئة الوطنية للعدالة الانتقالية عضواً معلناً بصفته ممثلاً عن الفلسطينيين السوريين، في وقت تقول الهيئة إن الضحايا وذويهم يجب أن يكونوا شركاء رئيسيين في مسار العدالة الانتقالية. لا يعني ذلك استبعاد الفلسطينيين السوريين من المشاركة في المسار، بقدر ما يكشف أزمة التمثيل التي يعيشها المجتمع الفلسطيني السوري، والسؤال عن الجهة التي يمكن أن تمثله.
يقول محمد نجم إن أزمة التمثيل «قصة معقدة وكبيرة»: «مين بدو يمثل؟! هل المجتمع المحلي قادر يمثل؟! المجتمع المحلي يعاني فعلياً. الفصائل؟! مش أفضل خياراتنا للتمثيل. السفارة؟! يلي منحس إنو ما إلها علاقة فينا. أنا كل يلي بدي ياه من العدالة الانتقالية هو حقي، وأكيد حقوق الناس. وبدي أعرف مين كان عم يعذبني وبدي حاسبه. ما بدي أكمل حياتي طبيعي، وغيري مكلوم أكتر مني. في ناس بتنهار بس نسألهم عن حقوقهم وشو صار معهم. طيب مين عم يسمع من هالناس؟! ومين بمثلهم؟!».
استطاع محمد نجم، مع ذلك، الوصول إلى اسم أحد عناصر الأمن الذين عذبوه في معتقلات النظام السابق. يقول: «رحت على مقر الأمن العام ضمن البلدية، وخبرتهم بدي أرفع شكوى باسم شخص كان مسؤول عن تعذيبي بالمعتقل، وأعطيتهم معلومات إضافية حول العنصر، وتم تسجيل الضبط، وتم نسيان الموضوع، على الرغم من أني قدمت شكوى رسمية. لهيك السؤال: مين بدو يحاسب مين؟!».
بعد أكثر من 13 عاماً على مجزرة التضامن، وبعد القبض على أمجد يوسف، أسأل محمد نجم ماذا يعني له اليوم أن يرى أحد الأشخاص الذين تتهمهم بارتكاب المجزرة أمام العدالة؟!
يصمت محمد نجم قليلاً، ثم يحدثني عن مشهد إحياء ذكرى مجزرة التضامن بعد هرب نظام الأسد: «الناس راحت على مكان حفرة المجزرة وحطت دم، وجابوا أدين ألعاب وغرسوها كأنها طالعة من الأرض. بينما لما انتشر خبر إلقاء القبض على أمجد يوسف، الناس راحت على حفرة مجزرة التضامن وحطت ورد. بالمرة الأولى كانوا شايفين دم الضحايا وهيمنة أمجد يوسف على وجودهم، بينما بالمرة التانية حطوا الورد بعد ما حسوا براحة الضحايا. هاد كله صار بلا تنسيق، هاد وعي الناس وفهمها للعدالة الانتقالية، على الرغم من أنو الناس ما عرفت مين أعطى الأوامر لأمجد يوسف ومين وراه، ولا عرفت مصير بعض المفقودين، ولا شافت محاكمة، إلا أنو تحقيق جزء بسيط من مسار العدالة، وهو المحاسبة».
من آليات الإبلاغ التي يمكن أن يستفيد منها الفلسطينيون السوريون اليوم برنامج «أثر» الذي أطلقته الهيئة الوطنية للمفقودين نهاية آب/أغسطس، لتقديم بلاغات تتعلق بحالات الاختفاء القسري وغيرها من القضايا. يقول المحامي أيمن أبو هاشم “البرنامج متاح عبر الموقع الإلكتروني للهيئة، مع وجود فرق مدرّبة لمساعدة الراغبين في تقديم البلاغات”. لكن الوصول إلى هذه الآلية ليس متاحاً بالسهولة نفسها للجميع؛ إذ لا يعرف بعض الفلسطينيين السوريين بوجود البرنامج، كما يتطلب استخدامه اتصالاً بالإنترنت وقدراً من الخبرة الرقمية التي قد لا تتوفر لدى كثير من العائلات.
أخيراً، إذا كان الضحايا يعرفون، ولو بطرق مختلفة، ما هي العدالة بالنسبة إليهم، وإذا كانت المؤسسات السورية قد بدأت بالفعل في بناء مسار للعدالة الانتقالية، يبقى السؤال عن المكان الذي يقف فيه الفلسطينيون السوريون داخل هذا المسار؟!
ربما لا يتعلق الأمر فقط بما إذا كانت الانتهاكات التي تعرضوا لها ستُدرج في الملفات، أو بما إذا كانت أسماء ضحاياهم ستظهر في سجلات الضحايا والمفقودين، وإنما بسؤال من سيحكي هذه القصة، ومن سيصغي إليها، ومن سيقرر ما الذي يعنيه جبر الضرر بالنسبة إلى مجتمع عاش التهجير والاعتقال والحصار وفقدان الممتلكات والمخيمات، وما زالت بعض عائلاته تبحث عن مصير أفرادها.
حتى الآن، تبدو الإجابة غير مكتملة. فغياب تمثيل فلسطيني سوري معلن داخل التشكيلة الحالية للهيئة لا يعني أن هذا المجتمع خارج مسار العدالة، لكنه يترك سؤال التمثيل مفتوحاً: من يتحدث باسم الضحايا الفلسطينيين السوريين؟ ومن يضمن أن خصوصية تجربتهم لن تضيع داخل ملف أوسع للضحايا في سوريا؟
ومهما بدت أهمية المسافة التي ينبغي أن تُقاس فيها العدالة الانتقالية، فإن مسار العدالة حتى اليوم يبدو وكأنه يُقاس أساساً بما سنفعله تجاه من ارتكبوا الانتهاكات، من دون وصول واضح إلى من تضرروا منها، أو إنصات كافٍ إليهم، أو إدخال تجاربهم في تعريف العدالة نفسها.
في النهاية، لم تكن ابتسام تبحث عن العدالة الانتقالية. كانت تبحث عن طريقة لتكمل بها حياتها، عن دواء لزوجها، وعن طعام يكفي أبناء بناتها، وعن جواب لم يصلها منذ سنوات عن مصير زوجَي ابنتيها. ولم يكن محمد نجم يبحث عن مصطلح يشرح ما جرى له؛ كان يريد فقط ألّا يلتقي، في الطريق أو في الحي أو في حياته اليومية، بمن عذّبه.
ربما هنا تبدأ العدالة الانتقالية من مكان أبسط بكثير مما تبدو عليه في البيانات والقوانين والهيئات. تبدأ من أن يعرف الناس أن ما حدث لهم لم يكن شيئاً عليهم أن يتعايشوا معه بصمت، وأن هناك من يسمعهم، ومن يبحث عن الحقيقة، ومن يحاسب من ارتكب الانتهاك، ومن يحاول أن يعيد إليهم شيئاً مما أخذته السنوات منهم.
بالنسبة إلى الفلسطينيين السوريين، لا يبدو السؤال اليوم إن كانوا ضحايا لهذه السنوات؛ فآثار ذلك حاضرة في المخيمات، وفي البيوت التي لم يعد أصحابها إليها، وفي أسماء المفقودين، وفي عائلات ما زالت تدفع ثمن الغياب. السؤال الأصعب هو ما إذا كان مسار العدالة الانتقالية في سوريا سيتمكن من رؤيتهم داخل هذه القصة.
