فوكس حلب

مجلة الكترونية تغطي أخبار محافظة حلب وعموم الشمال السوري.

بين شرط المسافة والاستثناء.. صيادلة يحاولون استعادة أماكنهم في سوق العمل

حلا الخليل

عاد صيادلة إلى حلب ومدن أخرى بحثاً عن صيدليات تركوها خلفهم خلال الحرب، لكن استعادة المكان لم تعد مرتبطة بالترخيص القديم وحده، فبين شرط المسافة، وملكية العقار، وإثبات استمرار الممارسة المهنية، يجد بعضهم طريق العودة مفتوحاً بالاستثناء، ويصطدم آخرون بشروط تحول دون استعادة أماكن عملهم، وسط سوق يعاني أصلاً من فائض أعداد الصيادلة وقلة فرص العمل

شمالي مساكن هنانو في السوق الشعبي بمدينة حلب، واجهتان زجاجيتان تظهر خلفهما رفوف عليها عقاقير وعلب أدوية رتّبت بعناية. بابا الصيدليتين ملاصقين لبعضهما البعض، في مشهد غير مألوف في المدينة، ولا ينسجم مع الشروط الفنية والصحية لتنظيم وافتتاح الصيدليات الذي أقرته وزارة الصحة.

تعود إحدى الصيدليات إلى الصيدلاني علي النجار، 44 عاماً، الذي غادر حلب مرغماً خلال سنوات الحرب مثل مئات آلاف الأهالي الذين تهجروا تاركين منازلهم وأعمالهم وأرزاقهم.

مع عودة قسم منهم إلى مناطقهم في حلب، لم تكن إعادة افتتاح الصيدليات التي عملوا فيها سابقاً، وأغلقت خلال فترة غيابهم، بالأمر السهل. يقول علي إنه واجه صعوبة بفتح صيدليته بالمكان ذاته بسبب وجود صيدلية أخرى بجانبها. ويضيف أن هناك إجراءات كثيرة قام به للحصول على استثناء، فالشروط ليست مرتبطة بالترخيص القديم وحده، بل بمكان الصيدلية وملكية العقار والمسافة بينها وبين الصيدليات الأخرى.

قبل سنوات أغلق علي صيدليته في سوق هنانو، ثم غادر المنطقة إلى مدينته مارع، وعمل مديراً لمستوصفها خلال تلك المدة. يقول: “استمرار الصيدلاني في العمل ضمن المجال الطبي خلال فترة سنوات الحرب كان من الشروط الأساسية المرتبطة بحصوله على استثناء لإكمال إجراءات إعادة افتتاح الصيدلية”.

ومن ضمن الشروط الفنية والصحية المطلوب توافرها في جميع الصيدليات، والتي وضعتها  وزارة الصحة، أن لا تقل المسافة بين مركز الصيدلية المزمع افتتاحها ومركز أقرب صيدلية قائمة عن 75 متراً من كل الجهات، وذلك في الصيدليات الواقعة في مدينتي دمشق وحلب، ولمسافة 5 كيلو مترات بدءاً من الحدود الإدارية لكلا المدينتين، و عن 50 متراً في المدن الأخرى و 35 متراً في غير ذلك.

وأشار القرار إلى إعفاء الصيدليات من شرط المسافة بحدود من 30 إلى 50 بالمئة من المسافة القانونية والتي يضطر أصحابها إلى نقلها مجبرين بسبب حريق أو هدم أو تخطيط وتنظيم عمراني أو التي يجب إخلاؤها لضرورات المصلحة العامة، ويعود تقدير ذلك إلى وزارة الصحة بعد الاستئناس برأي نقابة الصيادلة، وفق شروط وزارة الصحة.

تنعدم المسافة بين صيدلية علي و صيدلية أخرى افتتحت خلال فترة غيابه ما جعله يتقدم بطلب إلى وزير الصحة  للحصول على استثناء، وبعد محاولتين سمح له بإعادة افتتاح الصيدلية وممارسة عمله فيها.

يشرح علي أن الحصول على الاستثناء يخضع لشروط محددة، من بينها ألا تتجاوز مدة وجود الصيدلاني خارج سوريا 90 يوماً، وأن يكون العقار الذي كانت توجد فيه الصيدلية مملوكاً للصيدلاني، وأن يكون صالحاً من الناحية الفنية ومستوفياً لشروط السلامة، إلى جانب أن يكون الصيدلاني قد استمر في مزاولة العمل ضمن المجال الطبي خلال فترة الحرب.

ومن ضمن الأوراق التي قدمها علي وثائق تثبت وضع الصيدلية سابقاً، وملكيته لها وعلاقتها بالترخيص القديم، وسبب إلغاء الترخيص، إذ تدرس هذه الوثائق ضمن ملف الطلب قبل اتخاذ القرار بشأن الاستثناء.

يقول إن  شرط المسافة بين الصيدليات، يبقى قائماً في الحالات العادية، لكنه لا يمنع إعادة افتتاح الصيدلية عند الحصول على الاستثناء، وهذا ما حدث في حالته، إذ استكمل الإجراءات وحصل على الموافقة، ثم أعاد افتتاح صيدليته في سوق هنانو.

مديرية صحة حلب توضح  أن إعادة افتتاح الصيدلية السابقة تبدأ بتقديم الصيدلاني طلباً إلى مدير الصحة، مرفقاً بالأوراق التي تثبت أن الصيدلية كانت مرخصة سابقاً باسمه، وأنه اضطر إلى تركها بسبب ظروف الحرب، يقول المكتب الإعلامي في مديرية صحة حلب، إن المديرية تلقت سبعة طلبات استثناء لصيادلة، تمت الموافقة على خمسة منها، ورفض حالة واحدة  لعدم استكمالها الشروط كافة، وحالة أخرى ما تزال قيد الدراسة حتى تاريخ اليوم.

وحسب  منير المحمد، مدير المكتب الإعلامي في مديرية الصحة، فإن لكل حالة ملف خاص تحفظ به، يتضمن المرفقات والثبوتيات المقدمة من صاحب الطلب، وتُستكمل الإجراءات وفق كتاب وموافقة صادرة أصولاً عن وزير الصحة.

يعمل علي اليوم في صيدليته، الملاصقة لصيدلية أخرى تماماً، لكن صيادلة آخرين لم يتمكنوا من العودة إلى صيدلياتهم ذاتها التي غادروها إما بسبب التهجير والنزوح أو بسبب السفر خارج البلاد، فلكل حالة إجراءات خاصة بها، وفق من قابلناهم، والحصول على الاستثناء لم يؤدِ إلى النتيجة ذاتها لدى جميع من تقدموا بطلبات مشابهة.

خسر الصيدلاني إبراهيم رضوان ترخيص صيدليته في منطقة الفردوس، بعد أن غادر سوريا عام 2016، إذ تنص القرارات على إلغاء الترخيص للصيدلي الذي يغادر البلاد لمدة تتجاوز ثلاثة أشهر.

يقول رضوان إن تطبيق الإجراءات لم يكن متساوياً في جميع الحالات فمن بين نحو 700 صيدلية كان أصحابها قد غادروها، أُلغي ترخيص 35 منها خلال سنوات الحرب، وبعد سقوط النظام تقدم رضوان مع نحو 12 شخصاً بطلبات للحصول على استثناءات، استغرقت إجراءات الحصول عليها قرابة عام، رغم أنهم  قدموا وثائق عقد ملكية العقار، والترخيص السابق للصيدلية، وسبب إلغاء الترخيص، وقرار الإلغاء.

يوضح رضوان أن الاستثناء يرتبط بملكية العقار وصلاحيته من الناحية الفنية والسلامة، وأن شرط المسافة يصبح غير مانع عند الحصول عليه. ورغم حصوله على الاستثناء، لم يفتح رضوان صيدليته مرة أخرى، بسبب خوفه من تأثير وجود  صيدلية أخرى افتتحت خلال فترة إغلاق صيدليته. يقول إن الزبائن اعتادت على وجود صيدلية واحدة في الشارع، ويحتاج وقتاً ليعتاد الزبائن على وجوده ما قد يعرضه للخسارة.

افتتاح صيدليات في الشارع ذاته بعد الحصول على استثناء أثر أيضاً على قيمة العقارات في محيط الصيدليات، يشرح رضوان أن عقاراً كانت قيمته، وفق تقديره، نحو 200 ألف دولاراً، انخفض إلى نصف قيمته بسبب وجود صيدلية قريبة منه، ويعرض هذه الحالة بوصفها مشكلة واجهها هو وليس تقديراً عاماً لقيمة العقارات.

في مدينة الباب، واجه هيثم حداد مشكلة أخرى، فمكان صيدليته القديم التي عمل بها نحو عامين  قبل أن يغادرها إلى تركيا في عام 2014، لم يعد متاحاً له، يقول “كنت مستأجراً الصيدلية وعلمت عند عودتي أن المحل قد بيع”.

يحاول حداد اليوم العثور على موقع آخر لفتح صيدلية جديدة في مدينة الباب، لكنه انتشار الصيدليات وعدم توفر شرط المسافة البالغ 50 متراً منعه من ذلك، ولا يرغب في الانتقال إلى أطراف المدينة.

ويشير المحمد  إلى أن الطلبات المخالفة لشروط الوزارة  لم تتم الموافقة عليها، من بينها عدم قدرة صاحب الطلب على إثبات ملكيته لعقار صيدلية مرخصة سابقاً، وفي المقابل تستقبل المديرية تساؤلات تتعلق بمصير صيدليات أخرى افتتحت في فترة إغلاق الصيدليات المرخصة سابقاً.

يقول من تحدثنا إليهم من الصيادلة إن فرص العمل الصيدلاني محدودة بسبب تشبع سوق العمل، ففي آب 2026، كانت نقابة صيادلة سوريا قد حذرت من ذلك، مشيرة إلى أن نحو 71 ألف صيدلي مسجلين في السجلات الرسمية، فيما لا يتجاوز عدد صيدليات المجتمع 18 إلى 20 ألف صيدلية.

إضافة إلى وجود نحو 7 آلاف صيدلاني غير مزاولين المهنة أو ينتظرون فرصة عمل داخل سوريا، ويعكس هذا الرقم جانباً من واقع الصيدلة الذي يواجه زيادة في أعداد الصيادلة مقارنة بفرص العمل المتاحة، في وقت يحاول فيه بعض الصيادلة استعادة مواقع عمل سابقة تركوها خلال سنوات الحرب.

بعد سنوات من إغلاق صيدليات، لا تحسم ملكية الترخيص القديم وشروط المسافة وملكية العقار وصلاحيته الموافقة على الافتتاح، إذ تبدو العودة إلى المهنة مساراً متفاوتاً من حالة إلى أخرى، واستعادة المكان القديم بالنسبة لبعض الصيادلة هو محاولة لاستعادة فرصة مهنية في سوق شديد المنافسة وليست مجرد عودة إلى عنوان سابق.