شكّلت لحظة سقوط نظام بشار الأسد، بداية طال انتظارها لكثير من السوريين الذين عايشوا عقوداً من الانتهاكات والحرب، لكن الانتقال من التغيير السياسي إلى استحقاق العدالة سرعان ما كشف عن اختبار أكثر تعقيداً: كيف يمكن تفكيك إرث واسع من الانتهاكات وجرائم الحرب، وتحويل مطالب المحاسبة إلى مسار قضائي قادر على احترام القانون وضمان حقوق الضحايا والمتهمين في آن واحد؟
ومع الساعات والأيام الأولى بعد سقوط النظام، بدأت أولى معارك هذا المسار خارج قاعات المحاكم نفسها: فتح السجون والمقار الأمنية، توثيق مواقع الاحتجاز والاختفاء القسري، ومحاولة حماية الوثائق والأدلة من الضياع أو العبث، ثم بدأت لاحقاً ملامح البنية المؤسسية والقضائية للعدالة الانتقالية تتشكّل، وصولاً إلى محاكمات مسؤولين سابقين وإصدار أحكام بحق عدد منهم.
من التوثيق إلى المحاكم.. كيف بدأ مسار العدالة الانتقالية؟
بعد نحو اثنين وعشرين شهراً على سقوط نظام الأسد، انتقلت بعض ملفات الانتهاكات التي بقيت سنوات في أرشيف المنظمات الحقوقية وشهادات الضحايا إلى قاعات المحاكم السورية.
مثل مسؤولون أمنيون وعسكريون وسياسيون سابقون أمام القضاء، وحوكم آخرون غيابياً، وصدرت أحكام بالإعدام والمؤبد، بينها أحكام غيابية بحق بشار الأسد وشقيقه ماهر، فيما بدأت وزارة العدل توسيع نطاق الغرف القضائية المخصصة لهذه القضايا في المحافظات.
لكن الانتقال من المطالبة بالمحاسبة إلى إصدار الأحكام فتح سؤالاً أكثر تعقيداً: هل يجري بناء مسار قضائي قادر على الصمود قانونياً وحقوقياً في قضايا توصف بأنها جرائم حرب وجرائم ضد الإنسانية، أم أن المحاكمات سبقت الإطار التشريعي الذي يفترض أن ينظمها؟
حين نادى آذن المحكمة في دمشق، بتاريخ 26 نيسان 2026، أسماء المتهمين في القضية التي كان عاطف نجيب، الرئيس السابق لفرع الأمن السياسي في درعا، أبرز المتهمين الحاضرين فيها، لم يكن بشار الأسد أو ماهر الأسد وبقية المسؤولين، الموجودين خارج قبضة السلطات، في القاعة.
كان المشهد جديداً في التاريخ السوري الحديث: مسؤول أمني رفيع من عهد “الأسد” يقف أمام محكمة سورية في ملف يعود إلى ما جرى في درعا، عام 2011، فيما تعامل القضاء مع أسماء من أعلى هرم السلطة السابقة بوصفهم متهمين في دعوى جنائية.
وفي 11 آب 2026، وبعد تسع جلسات، أصدرت محكمة الجنايات الرابعة في دمشق أحكاماً بالإعدام بحق نجيب وسبعة متهمين آخرين، بينهم بشار وماهر الأسد، بينما أسقطت الدعوى بحق متهم تبين أنه متوفى.
ووصفت المحكمة جانباً من الأفعال التي أدانت المتهمين بها بأنها جرائم ضد الإنسانية وجرائم حرب. واستندت في العقوبات إلى نصوص سورية، فيما استعانت بالقانون الجنائي الدولي في توصيف طبيعة بعض الجرائم.
معركة الأدلة
بدأ تحدي العدالة قبل وصول الملفات إلى المحاكم، فبعد سقوط النظام، في 8 كانون الأول 2024، وفتح السجون والمقار الأمنية، ظهرت سريعاً مشكلة حماية الأدلة التي قد تقوم عليها قضايا السنوات المقبلة.
وبين 10 و20 كانون الأول، زار باحثون ومحققون من “هيومن رايتس ووتش” و”منظمة العفو الدولية” و”رابطة معتقلي ومفقودي سجن صيدنايا” عشرة مراكز احتجاز وسبعة مواقع لمقابر جماعية والمحكمة العسكرية، ووجدوا في عدد من المواقع وثائق رسمية متروكة من دون حماية. تعرض بعضها للنهب أو الحرق أو الإتلاف، كما رُصد عبث بمواقع يحتمل أنها مسارح جرائم أو مقابر جماعية.
لم تكن المسألة مجرد فوضى رافقت الأيام الأولى بعد سقوط النظام، فأرشيف أجهزة الأمن والسجون قد يساعد في كشف تسلسل الأوامر، وبنية المؤسسات، وأسماء المسؤولين عن الاعتقال والتعذيب والإخفاء، كما قد يسهم في تحديد مصير المفقودين، وأي وثيقة تُفقد أو تُنتزع من سياقها قد يصبح إثبات مصدرها وسلامة سلسلة حيازتها أكثر صعوبة أمام القضاء. هكذا بدأ مسار العدالة الانتقالية وهو يحمل أحد أصعب تحدياته: كيف تتحوّل ذاكرة واسعة من الانتهاكات إلى أدلة قضائية قابلة للفحص والمناقشة؟
الهيئة الوطنية للعدالة الانتقالية
في الأشهر التالية بدأت البنية الرسمية للمسار تتشكّل، حيث تضمن الإعلان الدستوري الصادر، في آذار 2025، إشارات إلى العدالة الانتقالية، وفي 17 أيار 2025 أُنشئت “الهيئة الوطنية للعدالة الانتقالية” بموجب “المرسوم رقم 20″، ثم صدر في آب من العام نفسه “المرسوم رقم 149” بتسمية أعضاء الهيئة.
الهيئة ليست محكمة، ومهامها، وفق تعريفها الرسمي، تشمل: كشف الحقيقة، دعم المساءلة، جبر الضرر، الإصلاح المؤسسي، حفظ الذاكرة، ضمان عدم تكرار الانتهاكات، أمّا الملاحقة الجنائية فتبقى من اختصاص القضاء، كما يحصر المرسوم ولاية الهيئة بـ”الجرائم والانتهاكات الجسيمة التي تسبّب بها النظام البائد”.
وعملياً، كانت محكمة الجنايات الرابعة في دمشق هي التي استقبلت أبرز الملفات الأولى، وفي حزيران 2026 أعلنت وزارة العدل تخصيص غرف قضائية لمسار العدالة الانتقالية في عدليات المحافظات، تشمل النيابة والتحقيق ومحاكم الجنايات، وبدأ تطبيق ذلك في محافظات عدة، ففي اللاذقية، على سبيل المثال، كانت نحو 40 شكوى قيد الدراسة، فيما أُحيل نحو 20 ملفاً إلى التحقيق، بحلول أواخر أيلول.
في المقابل، لم يصدر قانون العدالة الانتقالية الشامل حتى الآن، رغم إعلان الموقع الرسمي للهيئة أنّ المسودة الأولى أُعدت، كما قال مسؤول في الهيئة، إنّ المشروع ما يزال في طريقه إلى الأمانة العامة لرئاسة الجمهورية تمهيداً لإحالته إلى المجلس ومناقشته، بالتزامن مع مباحثات حول المشروع، جرت بين رئيس الهيئة عبد الباسط عبد اللطيف وأعضاء في مجلس الشعب.
وهذا يعني أن القضاء بدأ بالفعل إصدار أحكام في ملفات توصف بأنها جزء من مسار العدالة الانتقالية، بينما ما يزال القانون الذي يفترض أن ينظم أجزاء أساسية من هذا المسار قيد التشريع، وهنا تبدأ واحدة من أكثر نقاط التجربة حساسية.
المحاسبة ضرورية.. لكن وفق أي أساس قانوني؟
يفصل المحامي والكاتب والناشط في قضايا حقوق الإنسان ميشال شماس بين مسألتين: ضرورة محاسبة المسؤولين عن الانتهاكات، وسلامة الأساس القانوني الذي تقوم عليه المحاكمات.
ويقول شماس إن “ضرورة محاسبة مرتكبي الانتهاكات الجسيمة مسألة لا خلاف على أهميتها”، لكنه يشير إلى أن سوريا لا تملك حتى الآن قانوناً نافذاً ومتكاملاً للعدالة الانتقالية يحدد صراحة أركان جرائم الحرب والجرائم ضد الإنسانية، وأشكال المسؤولية الجنائية، والإجراءات والاختصاصات الخاصة بهذه القضايا.
ولا يعني ذلك، وفق شماس، أن الأفعال نفسها غير مجرّمة، فالقتل والتعذيب والخطف والحرمان من الحرية وغيرها أفعال يعاقب عليها التشريع السوري، لكن تبدأ الإشكالية عندما لا يقتصر الحكم على إدانة المتهم بأفعال مجرّمة في القانون الوطني، بل يصفها أيضاً بأنها “جرائم ضد الإنسانية” أو “جرائم حرب”، ويستعين بتعريفات القانون الدولي للوصول إلى هذا التوصيف.
وهنا يضيف شماس: “لا أرى أنّ مجرد الاستناد إلى الإعلان الدستوري أو إلى تعريفات القانون الدولي يكفي بمفرده لإنشاء جرائم جديدة أو توسيع المسؤولية الجنائية بأثر رجعي”، ويربط ذلك بمبدأ الشرعية الجنائية: “لا جريمة ولا عقوبة إلا بنص”.
وتظهر هذه المسألة بوضوح في قضية عاطف نجيب، فبحسب “هيومن رايتس ووتش”، لا يتضمن قانون العقوبات السوري جريمة مستقلة باسم “الجريمة ضد الإنسانية”، رغم أن المحكمة أدانت المتهمين بأفعال مجرّمة في التشريع السوري، واستشهدت أيضاً بتعريف الجرائم ضد الإنسانية في “نظام روما الأساسي للمحكمة الجنائية الدولية”.
ويرى شماس أنّ الحل الأكثر متانة هو صدور قانون شامل “يعرّف تلك الجرائم ويضع العقوبات المناسبة”، ويحدد في الوقت نفسه قواعد المسؤولية والاختصاص،ولا يقف اعتراضه عند تعريف الجرائم، بل يمتد إلى طريقة بناء القضاء المتخصص بهذه الملفات.
ويوضّح: “قيام وزارة العدل بتخصيص غرف قضائية ضمن القضاء العادي قبل صدور قانون للعدالة الانتقالية وقبل استكمال بناء مؤسساتها يثير تساؤلات مشروعة حول استقلال هذا المسار”، مشيراً إلى أنّ الأنسب كان أن يصدر أولاً قانون يحدد علاقة الهيئة الوطنية للعدالة الانتقالية بالقضاء، ويضبط صلاحيات مختلف المؤسسات، ثم تبنى البنية القضائية المختصة ضمن هذا الإطار.
ويختصر شماس المسألة بالقول: “العدالة الانتقالية ليست مجرد محاكمات جنائية، بل منظومة متكاملة تشمل المساءلة وكشف الحقيقة وجبر الضرر وضمان عدم التكرار”، وبالنسبة إليه، لا تنفصل سلامة المحاكمات عن وضوح تصميم المنظومة واستقلالها عن السلطة التنفيذية.
وتتقاطع هذه الملاحظة مع ما أثارته “هيومن رايتس ووتش” بشأن محكمة الجنايات الرابعة، إذ قالت إنّ تخصيصها لهذه القضايا يبدو أنه جرى بإجراء وزاري، لا بقانون خاص، وهو ما يفتح أسئلة حول الأساس القانوني والاختصاص.
عاطف نجيب.. أوّل اختبار كبير
شكّلت قضية عاطف نجيب الاختبار الأوضح للمسار الجديد، فقد أوقفته السلطات في كانون الثاني 2025، ثم بدأت محاكمته في 26 نيسان 2026 على خلفية وقائع درعا عام 2011.
ولم يقتصر ملف القضية، وفق قرار الإحالة الذي اطلعت عليه “هيومن رايتس ووتش”، على سرد سياسي للوقائع، فقد تضمن أكثر من 40 بنداً من المواد والأدلة، بينها إفادات شهود ومدعين، واستجواب نجيب، وصور وسجلات ووثائق وقوائم ضحايا، إضافة إلى توثيق حقوقي سابق، لكن المنظمة لاحظت أن المواد المتاحة علناً بدت أكثر تركيزاً على نجيب، باعتباره المتهم الحاضر، مقارنة بالمتهمين الغائبين.
وبعد الحكم في القضية في 11 آب، توالت ملفات أخرى، ففي 18 آب حكمت المحكمة بالإعدام ومصادرة الأموال على وسيم بديع الأسد بعد ست جلسات، وفي 24 آب صدر حكم بالسجن المؤبد ومصادرة الأموال بحق المفتي السابق أحمد بدر الدين حسون، ثم صدر في 27 آب حكم بالإعدام بحق عبد الناصر براقي، في قضية تضمنت الإخفاء القسري والحرمان من الحرية والتدخل في القتل والتعذيب المفضي إلى الموت.
يصعب اختزال ما يجري في خطوة رمزية، فهناك متهمون موقوفون يمثلون أمام القضاء، ونيابة ودفاع ومدعون شخصيون وشهود، وقد صدرت أحكام بعد جلسات كان بعضها علنياً، كما سُمح لمنظمات حقوقية بحضور عدد من الجلسات، وبُثت الجلسة الأولى في قضية نجيب وجلسة النطق بالحكم، لكن وجود المحاكم والمتهمين والأحكام لا يحسم وحده جودة العدالة.
ففي القضايا التي تحمل توصيف الجرائم الدولية، يصبح معيار قوة الحكم أعلى، فالمطلوب لا يقتصر على إثبات وقوع قتل أو تعذيب، بل يشمل إثبات الصلة الفردية بين المتهم والجريمة، وبناء سلسلة المسؤولية والأوامر، وتحديد السياق الذي يجعل الفعل جريمة حرب أو جريمة ضد الإنسانية، ويجب أن يظهر ذلك كله في حكم معلل يستطيع الصمود أمام الطعن والتدقيق القضائي اللاحق.
المحاكمات الغيابية.. الحكم ليس نهاية القضية
تظهر هذه المعضلة بوضوح في الأحكام الصادرة بحق متهمين موجودين خارج سوريا، وهنا يقول الخبير في القانون الجنائي الدولي المعتصم كيلاني، إنّ القانون السوري يجيز محاكمة المسؤول الموجود في الخارج غيابياً وفق أصول الجنايات، لكنه يحذر من اعتبار صحة الإجراءات وفق القانون الداخلي كافية لجعل الحكم قوياً خارج سوريا.
ويضيف: “صحة الإجراءات داخلياً لا تكفي وحدها لإقناع دولة أخرى بتسليمه”، فالدولة المطلوب منها التسليم ستنظر، بحسب قانونها والاتفاقيات المطبقة، في مسائل عدة: هل أُخطر الشخص فعلياً بالتهم؟ هل علم بموعد المحاكمة؟ هل أتيح له دفاع حقيقي؟ وهل سيحصل على محاكمة جديدة بعد تسليمه؟
وبحسب كيلاني، تبدأ المشكلة من التبليغ، فقانون أصول المحاكمات الجزائية السوري يضع إجراءات لإعلان المتهم الغائب ومنحه مهلة قبل السير في المحاكمة. لكن استكمال إجراءات الإعلان والنشر لا يعني بالضرورة أن دولة أجنبية ستعتبر أن المتهم علم فعلياً بالمحاكمة.
ويرى كيلاني أنّ المطلوب، حين يكون مكان وجود المتهم معروفاً، هو توثيق خطوات جدية لإبلاغه بالتهمة وموعد الجلسة والتكييف القانوني، وعدم افتراض تنازله عن الحضور لمجرد غيابه.
أمّا الإشكال الثاني فيتعلق بحق الدفاع، حيث يشير كيلاني إلى أنّ “المادة 325 من قانون أصول المحاكمات الجزائية السوري” لا تقبل وكيلاً عن المتهم في المحاكمة الغيابية، مع السماح لأقاربه أو أصدقائه بتقديم عذر عنه، مردفاً: “تقديم العذر لا يعادل محامياً يطلع على الأدلة، ويختبر رواية الادعاء، ويناقش الشهود، ويثير الدفوع”.
وفي ملف قد ينتهي بالإعدام، يرى كيلاني أنّ التطبيق الحرفي لهذا النص قد يترك الحكم “عرضة لاعتراض حقوقي قوي”، حتى إذا استوفت المحكمة إجراءات الإعلان المنصوص عليها داخلياً، وتتقاطع هذه الملاحظة مع مخاوف سجّلتها “هيومن رايتس ووتش” بشأن التمثيل القانوني للمتهمين الغائبين في قضية عاطف نجيب، ومدى كفاية المعلومات المتاحة لتقييم احترام حقوقهم في الدفاع.
مع ذلك، يتضمن القانون السوري ضمانة مهمة: الحكم الغيابي ليس نهاية القضية بالضرورة، ويوضح كيلاني هنا، أنّ “المادة 333” تقضي بأنّه إذا سلم المتهم الغائب نفسه أو ألقي القبض عليه قبل سقوط العقوبة بالتقادم، يُلغى الحكم الغيابي وفق الآلية التي يحددها القانون، وتُعاد محاكمته وفق الأصول العادية.
ويشدّد كيلاني على أنّ إعادة المحاكمة يجب ألا تكون شكلية، بل تتضمن “حضور المتهم ومحاميه، وتمكينهما من الاطلاع على الملف ومناقشة الأدلة والشهود، ثم صدور حكم جديد قابل للمراجعة وفق القانون”، وتصبح هذه النقطة مهمة إذا طلبت دمشق مستقبلاً من دولة أخرى تسليم أحد المحكومين غيابياً، فعليها، وفق كيلاني، أن توضح أن الشخص سيحاكم حضورياً من جديد، لا أن الحكم الغيابي سينفذ فور وصوله.
الإعدام.. مشكلة تتجاوز حدود سوريا
تضيف عقوبة الإعدام تعقيداً آخر إلى ملفات التعاون القضائي، فقد صدرت أحكام بالإعدام في عدد من القضايا الرئيسة، بينها قضايا عاطف نجيب وبشار وماهر الأسد ووسيم الأسد وعبد الناصر براقي.
ويقول كيلاني إنّ وجود حكم بالإعدام “لا يمنع التسليم في كل الدول تلقائياً، لكنه يجعل الطلب أصعب كثيراً، ولا سيما لدى الدول التي تحظر هذه العقوبة”، ويضرب مثالاً بالاتفاقية الأوروبية للتسليم، التي تسمح للدولة برفض التسليم إذا كان الشخص معرضاً للإعدام، ما لم تحصل على ضمانات تراها كافية بعدم تنفيذ العقوبة.
ويشدد في الوقت نفسه على أن المرجع القانوني يختلف من دولة إلى أخرى، ولا توجد نتيجة واحدة تنطبق على جميع طلبات التسليم، ولا تٌحل المشكلة، في رأيه، بتعهد دبلوماسي عام، فإذا أرادت سوريا تعاون دولة تحظر عقوبة الإعدام، فقد تحتاج إلى ضمان “صريح وملزم وصادر عمن يملك تنفيذه قانوناً”، على أن يشمل نتيجة إعادة المحاكمة أيضاً، لا الحكم الغيابي الأول وحده.
وقد تطلب الدولة المعنية ضمانات إضافية تتعلق بظروف الاحتجاز، واستقلال المحكمة، وحرية الدفاع، والقدرة على مراقبة تنفيذ التعهدات، وهكذا قد تتحوّل عقوبة يجيزها القانون السوري، إلى عائق عملي أمام الوصول إلى متهم موجود في دولة ترفض تسليمه إذا كان معرضاً للإعدام.
ماذا يحتاج الحكم السوري كي يكون ذا وزن خارجياً؟
قد يكون لصدور حكم قضائي سوري بحق مسؤول سابق أهمية في المسارات القضائية اللاحقة، لكنه لا يضمن وحده قبول طلب تسليم أو تعاون قضائي من دولة أخرى، وهنا يقول كيلاني إنّ ما يقوي الملف السوري خارجياً هو “حزمة قضائية قابلة للفحص”.
وتشمل هذه الحزمة، أمر قبض وطلب تسليم يحددان الوقائع والزمان والمكان ودور المتهم، وسجلاً كاملاً لمحاولات التبليغ، والنصوص القانونية التي كانت نافذة وقت وقوع الأفعال، وحكماً مكتوباً ومعللاً، وأدلة أصلية محفوظة ضمن سلسلة حيازة واضحة، وشرحاً دقيقاً لما يحدث للحكم الغيابي بعد القبض على المتهم.
وفي الجرائم الدولية تصبح المتطلبات أكثر تعقيداً، فلا يكفي، وفق كيلاني، إطلاق وصف “جريمة حرب” على واقعة، بل يجب إثبات العناصر القانونية التي تجعلها كذلك، وفي حالة جرائم الحرب، يتطلب ذلك إثبات وجود نزاع مسلح ذي صلة وقت وقوع الفعل، ووجود ارتباط بين الجريمة وهذا النزاع، إضافة إلى بناء مسؤولية كل متهم بصورة منفردة.
وهنا يعود النقاش إلى السؤال الذي أثاره شماس: كيف سيُعالج القانون السوري مبدأ عدم رجعية التجريم، وأشكال المسؤولية التي لم تكن منظمة بوضوح في التشريع الوطني وقت وقوع الأفعال؟
هل كانت المحاكمات سريعة أكثر مما ينبغي؟
أثارت سرعة بعض القضايا سؤالاً آخر، فقد بدأت جلسات قضية عاطف نجيب في 26 نيسان وانتهت بالحكم في 11 آب بعد تسع جلسات، أما وسيم الأسد فصدر الحكم عليه في الجلسة السادسة.
ولا يرى كيلاني أن المدة وحدها تصلح دليلاً على بطلان المحاكمة، لكنّه يعتبر أن قصرها النسبي، مع تعدد المتهمين وخطورة الوقائع ووصول العقوبات إلى الإعدام، يستدعي فحصاً دقيقاً لمجريات الملف.
ويقول: “هذه السرعة، مقترنة بتعدد المتهمين وخطورة الوقائع وأحكام الإعدام، تثير شبهة جدية بأن وقت التحقق من الأدلة وبناء المسؤولية الفردية قد لا يكون كافياً، لكنها لا تسمح بالجزم ببطلان حكم بعينه من دون الاطلاع على ملف التحقيق الكامل ومحاضر الجلسات والحكم المكتوب وأسبابه”.
ويضع كيلاني معياراً أكثر دقة من مجرد عدّ الجلسات: هل فُحصت الوثائق والشهادات والأدلة النافية؟ هل تمكن الدفاع من مناقشتها؟ هل بيّن الحكم أركان كل جريمة ودور كل متهم؟ وهل أجاب عن الدفوع القانونية والتكييف الزمني للوقائع؟
إذا كانت هذه العناصر واضحة في الملفات والأحكام، تصبح سرعة المحاكمة أقل دلالة، أمّا إذا غابت، فقد يصبح التعجيل مشكلة للمتهمين والضحايا معاً، لأنّ الحكم الهش يكون أكثر عرضة للنقض أو لرفض التعاون معه خارج سوريا.
“شفافية جزئية وحماية شهود غير مكتملة”
سجّل المسار تقدماً في العلنية مقارنة بطبيعة القضاء والمحاكم الأمنية في سوريا سابقاً، لكنه لم يتجاوز بالكامل مشكلة الوصول إلى المعلومات، فقد دُعيت منظمات حقوقية إلى مراقبة جلسات في قضية نجيب، وبُثت الجلسة الأولى وجلسة النطق بالحكم، وأغلقت جلسات أخرى لحماية الشهود، وهو إجراء تقبله المعايير الدولية عندما تقتضيه سلامتهم.
لكن “هيومن رايتس ووتش” أشارت إلى عدم وجود إطار قانوني متكامل لحماية الشهود، وإلى صعوبة حصول المراقبين والجمهور على بعض الوثائق الأساسية، بينها قرار الاتهام المكتوب، إضافة إلى عدم وضوح معايير اختيار الجهات التي يسمح لها بحضور المحاكمات.
وفي قضايا قد تشكل سوابق قانونية، لا يعد نشر الأحكام الكاملة وتسبيبها مسألة علاقات عامة، فمن خلال الأحكام يمكن للمحامين والضحايا والباحثين والقضاء الأعلى معرفة كيفية تفسير النصوص، وكيف ربطت المحكمة بين الأدلة والمتهمين، وعلى أي أساس استخدمت توصيفات القانون الدولي.
عدالة انتقالية لِمَن؟
الهيئة الوطنية للعدالة الانتقالية تحدّد مهمتها بـ”الانتهاكات الجسيمة التي تسبب بها نظام الأسد البائد”، لكن الحرب السورية لم تشهد انتهاكات من طرف واحد، فقد وثقت منظمات حقوقية انتهاكات جسيمة وجرائم حرب ارتكبتها أيضاً جماعات مسلحة غير حكومية خلال سنوات النزاع.
ولهذا أثارت منظمات حقوقية سؤالاً حول قدرة مسار يقتصر على انتهاكات طرف واحد على توفير مساءلة شاملة لجميع الضحايا، وهنا يتجاوز النقاش حدود القانون الجنائي إلى معنى العدالة الانتقالية نفسها: هل الهدف هو محاكمة رموز نظام الأسد فقط، أم بناء منظومة تجعل حق الضحية في الحقيقة والإنصاف ثابتاً بصرف النظر عن هوية الجاني؟ الإجابة النهائية لم تتضح بعد، خصوصاً أنّ قانون العدالة الانتقالية لم يصدر حتى الآن.
هل تصمد الأحكام بعد صدورها؟
خلال أقل من عامين على سقوط نظام الأسد، انتقل جزء من ملف الانتهاكات في سوريا من التوثيق والمطالبة بالمحاسبة إلى المحاكمات الفعلية، ولهذا التحول دلالة واضحة بالنسبة إلى ضحايا أمضوا سنوات من دون مسار قضائي محلي قادر على مساءلة شخصيات من المستويات العليا في السلطة السابقة.
لكن عدد القضايا والأحكام لا يكفي للحكم على جودة المسار، فالاختبار الأكثر صعوبة سيبدأ عندما تمر الأحكام أمام محكمة النقض، وعندما يحاول القضاء الوصول إلى متهمين في الخارج، وحين تضطر دولة أجنبية إلى تقرير ما إذا كانت تثق بضمانات القضاء السوري بما يكفي لتسليم شخص إليه.
وسيتوقف جانب من الإجابة أيضاً على قانون العدالة الانتقالية المنتظر: كيف سيعرّف الجرائم؟ ما حدود المسؤولية؟ ما علاقة الهيئة بالقضاء؟ ما الأساس القانوني للغرف المختصة؟ وما الضمانات المقررة للمتهمين والضحايا والشهود؟
كذلك، سيُحدّد القانون نطاق الانتهاكات والأطراف المشمولة بالمسار، وآليات جبر الضرر، وصلته ببقية أدوات العدالة الانتقالية، فالعدالة في قضايا بهذا الحجم لا تقاس فقط بقدرة الدولة على إصدار حكم، إنّما بقدرة هذا الحكم على تحمل الفحص والطعن.
وهنا يلتقي تحذير شماس من هشاشة محتملة في الأساس التشريعي مع قراءة كيلاني لمشكلات المحاكمات الغيابية والتسليم وعقوبة الإعدام، فقد يكون وصول مسؤولين سابقين إلى قاعة المحكمة، هي اللحظة التي انتظرها السوريون طويلاً، لكن الامتحان القانوني الحقيقي لا ينتهي عند باب المحكمة.
فالأحكام التي يمكن أن تعيش طويلاً ليست بالضرورة الأسرع أو الأشد عقوبة، إنّما تلك التي يمكن إثبات أنّ المتهم فيها عرف ما نُسب إليه، وحصل على دفاع فعلي، وفُحصت الأدلة ضده، وحُددت مسؤوليته الفردية، وطُبق القانون من دون توسع رجعي، وكتبت المحكمة أسباب قرارها بما يسمح بمراجعته والطعن فيه.
عندها فقط يصبح السؤال أكبر من صورة مسؤول سابق خلف القضبان، يصبح السؤال ما إذا كانت سوريا تبني قاعدة قانونية تستطيع أن تعيش بعد هذه المحاكمات نفسها: أي أنّ المساءلة عن الانتهاكات الجسيمة لا تتوقف على تغيّر السلطة، وأن العدالة التي تحاسب على خرق القانون، هي نفسها شديدة الالتزام به.
