في أكثر من فعالية محلية أقيمت خلال الأسبوعين الفائتين في مدينة إدلب، منها معرض الحرف اليدوية التراثية ومهرجان أسواق إدلب، لفت انتباه سناء طرشة، 40 عامًا، جناحًا يعرض منتجات للحرف اليدوية.
تتنقل سناء رفقة والدتها بين طاولات تعرض فيها صمديات وشموع ومنتجات مختلفة، تفحص شمعة مثبتة على قطعة من الكونكريت، وتعاين مجسمات الجِبْس، وقطع الصوف والصابون المعروضة في ركن تعرض فيه منتجات صنعتها يافعات مقيمات في دار “بيت العيلة” لرعاية الأيتام بمشاركة نساء مسنات وأشخاص من ذوي الإعاقة، بدعم من جمعيات إنسانية.
تلتقط سناء صورًا لبعض المنتجات بهاتفها، ثم تدفع ثمن القطع التي اختارتها والتي تبدأ من ثلاثة دولار أو أكثر، بحسب كل قطعة. تقول وهي تضع ما اشترته في حقيبتها: “لهذه المنتجات رمزية كبيرة لأنها تخفي قصصًا مختلفة للفتيات والسيدات اللواتي أنتجنها، ويجب دعمهنّ”.
خلف هذه المنتجات جهود تولّتها مديرية الشؤون الاجتماعية والعمل، بدءًا من استقبال الأطفال ورعايتهم في الدار منذ سنوات، مرورًا بتدريب اليافعات والتنسيق مع الجمعيات الإنسانية والتنموية، وصولًا إلى تأمين المساحة التسويقية لعرض أعمالهنّ.
لين طفران، 14 عامًا، إحدى المشاركات في إعداد المنتجات، فقدت والدها وهي صغيرة فاستقبتلها دار بيت العيلة مع شقيقها قبل نحو ست سنوات. تقول: “أعيش في بيت العيلة بين صديقاتي اللواتي أشعر بأنهن أخواتي، وأشعر أن محبتي لهذا المكان انعكس على القطع التي أنتجتها مع صديقاتي”.
كان صب الشمع وتزيينه ووضعه في قوالب زجاجية من أولى الأعمال التي تعلمتها لين، كما تعلمت تشكيل الجبس وتلوينه وتزيينه. تخبرنا بأن أكثر القطع التي أحبتها هي تلك التي نقشن عليها اسم بيت العيلة وشعاره، كما تحب جميع القطع التي يدخل الورد في تشكيلها.
هذه الأعمال بالنسبة للين ليست مجرد منتجات للعرض، تقول إن ساعات العمل تمنحهن مساحة للترويح عن النفس، وتؤكد أن لمدربتهن الفضل في تشجيهنّ وتوجيههنّ، حتى اكتسبن المهارات التي زادت من ثقتهنّ بأنفسهنّ.
تمضي لين معظم وقتها في المدرسة خارج الدار، وكتابة الواجبات داخلها، تتخللها أوقات للطعام الجماعي في مطعم الدار وفترات للعب مع صديقاتها. وفي أوقات الفراغ أيام العطل المدرسية، تجد فرصتها لتعلم الأشغال اليدوية والتدرب عليها.
تحتضن دار بيت العيلة أطفالًا يحملون قصصًا مؤلمة خلفتها الحرب، منهم غير مصحوبين، وآخرون فقدوا والديهم بسبب زلزال شباط 2023، إضافة إلى أطفال تعرض أحد ذويهم للاختفاء القسري أو الاعتقال في السجون أيام الحرب.
يوضح مدير الدار “محمد حميدي” أن مبنى الدار مؤلف من أربعة طوابق ويضم اطفالًا من الذكور والإناث، منهم حديثي ولادة، حتى 15 عامًا، ويشير حميدي إلى أن الطفل لا ينفصل عن الدار إلا إذا كان مؤهلًا للاستقلال بنفسه، ويضيف: “بعضهم يصل للمرحلة الجامعية ولا يرغب بالمغادرة، ونحن بدورنا نرحب ببقائهم وندربهم ليكونوا جزءًا من كادر الدار مستقبلًا”.
يحتوي كل طابق على صالون كبير مخصص للنوم، وغرفة للملابس وأخرى للأنشطة، وغرفة للأمهات اللواتي يشرفن على الأطفال، وعددهنّ ثلاث أمهات لكل طابق. وغرفة معيشة مخصصة للجلوس، وغرفة للأمتعة.
في الأسفل يوجد صالة خاصة بالطعام يتناول فيها الأطفال وجباتهم المعتادة بأوقات محددة. بينما تتوزع غرف صفية بالطابق الإداري الأول يتلقى فيها الأطفال دورسًا خارج أوقات المدرسة، ومكتبة تحوي لوازم مدرسية من قرطاسية وغيرها.
إلى جانب طاولات العرض في الفعاليات التي عرضت عليها أشكالًا متعددة من أعمال الفتيات بعد خضوعهن لتدريبات الأشغال اليدوية، يقف حميدي، يستقبل الزوار الذين يزيد إقبالهم مع اقتراب ساعات المساء، بعضهم يشتري ما بعجبه وآخرون يكتفون بالنظر ومتابعة رحلة تسوقهم في بقية الأقسام مثل الكهربائيات والمنظفات والأطعمة الجافة أو الأواني المنزلية والملابس.
نشاط الدار بتقديم التدريبات وإنتاج أشغال يدوية بدأ قبل عام، وبحسب حميدي فإن مشاركة الدار في مهرجان التسوق و معرض الحرف اليدوية و التراثية سبقتهما مشاركة في معرض دمشق الدولي الذي اختتم في الرابع من أيلول الجاري.
يقول حميدي: “الإنتاج متجدد ونسبة المبيعات مقبولة، وتساهم العائدات في تقديم مكافآت للأطفال على شكل هدايا تحفيزية”. ويشير إلى أن فكرة التدريب جاءت بهدف دمج اليافعين واليافعات بالمجتمع المحيط بهم وتعليمهم حرفًا قد تصبح مصدر دخل لهم في المستقبل.
كما تهدف إدارة الدار وفقًا لحميدي، إلى عدم حصر الطفل في التعليم المدرسي وتعلم اللغات فحسب، وإنما لتمكين المنتسبين من تعلم مهن تؤهلهم لدخول سوق العمل عندما يكبرون، إضافة لضرورة صقل شخصية الأطفال وتعزيز فكرة التعاون والعمل الجماعي وتوجيههم للدخول في مجالات تناسب رغبة الطفل. يشرح: “لدينا اليوم 15 يافعة من الفتيات المتميزات في الحرف اليدوية”.
ويلخص حميدي التحديات التي يواجهونها بحاجتهم لقاعات مخصصة للتدريب ومدربة متفرغة لتعليم اليافعات والإشراف عليهم، إضافة لتأمين المواد الأولية وضيق الوقت أيام الدوام المدرسيّ.
غدير ضاهر مشرفة على أنشطة الأطفال في دار بيت العيلة تخبرنا بأنها رصدت رغبة لدى الفتيات بالتعلم والإنتاج، أيضًا لاحظت المدربة المختصة التي تشرف على التدريبات سرعة في أداء بعض الفتيات خلال فترة التدريب التي استمرت قرابة الشهر.
وتضيف الضاهر بأن الأطفال الذكور اليافعين في الدار أيضًا لم يحرموا من الأنشطة وتعلم الحرف، إذ أتيحت لهم عدة تدريبات منها صيانة الجوالات و الحلاقة الرجالية، بالمقابل كانت تدريبات صناعة مجسمات الجبس والريزن وأشغال القش ومواد التنظيف من نصيب الفتيات.
بدورها تشرح أحلام الرشيد، مديرة مديرية الشؤون الاجتماعية والعمل لفوكس حلب، كيف ساهمت المديرية برعاية الأنشطة الإنتاجية في الدار وتسويقها لتصل إلى عدد كبير من الناس، تقول: “كان أحد أهدافنا من عرض هذه المنتجات في الفعاليات المختلفة لعام 2026، إعطاء المشاركات شعورًا بقيمة أعمالهن، وأنها قد تكون الخطوة الأولى لمشاريعهن المستقلة في المستقبل”.
توضح الرشيد أن في محافظة إدلب عشرة دور لرعاية الأيتام، وبيت العيلة إحداها، في كل دار ما يقارب 100 طفل وطفلة. وقد ساهمت منظمات في رعاية هذه الأعمال، من بينها جمعية إحسان ودار كبيرات السن اللواتي أنتجن الصوف والشمع.
وفي المهرجان أيضًا، ساهمت مديرية الشؤون الاجتماعية بخيمة تجسد واقع مخيمات المهجرين، تنتج النساء فيها خبز الصاج لتوزيعه على ضيوف المهرجان، تشجع الرشيد المتسوقين على زيارة ركن المديرية لتعرف على المنتجات اليدوية التي “صنعت جميعها بحب” حسب وصفها.
ترى الرشيد في المنتجات أنها تجسد صمود النساء السوريات اللواتي تحدين واقع الحرب وعملن بأقسى الظروف من أجل إعالة أسرهن وأثبتن قدرتهن على الإنتاج والإبداع.
تتوزع دور الأيتام في عدة مناطق في إدلب وأريافها ومن بينها بيت العيلة الموجودة على الطريق الواصل ما بين مدينة إدلب وبلدة المسطومة، وهي تقدم رعاية كاملة للأطفال من دروس تقوية إلى جانب التعليم المدرسي وتربية نفسية واجتماعية إضافة إلى الحرف والمهن المتنوعة للذكور والإناث.
وبينما تنقلت أعين الزوار بين القطع، كانت الفتيات يختبرن كيف يمكن لعمل صنعنه بأيديهن أن يصل إلى الناس ويحظى باهتمامهم. ويصبح مهارة قد ترافقهم مستقبلاً، وتفتح أمامهنّ بابًا للعمل والاعتماد على الذات.
