فوكس حلب

مجلة الكترونية تغطي أخبار محافظة حلب وعموم الشمال السوري.

كل طير يعود إلى عشّه.. إلاّ حمام حلب

فاطمة الحاج أحمد

كانت أسراب الحمام وبيوتها جزءاً من سماء المدينة وأسطح منزلها، قبل أن تغادرها تحت وطأة الحرب ودمار المنازل واحتلال ألواح الطاقة الشمسية ما تبقّى.. هي رحلة بين أسطح المدينة وسكّانها الجدد

ترافقني عادة لا أعرف متى بدأت، كلما دخلت حياً في حلب أو مشيت في أحد شوارعها، أرفع رأسي إلى السماء قبل أن أنظر أمامي. منذ طفولتي كان الفضول يقودني إلى أسراب الحمام وهي ترتفع فوق المدينة وتنخفض في انسجام، قبل أن تهبط إلى بيوت صغيرة تنتشر على أسطح المنازل. كنت أقف منبهرة بالمشهد، وأتمنى ببراءة الأطفال لو أن لي جناحين أحلّق بهما معها. كبرت، وبقيت العادة.

في إحدى جولاتي الأخيرة في المدينة، رفعت رأسي أبحث عن المشهد الذي احتفظت به ذاكرتي كل تلك السنوات، انتظرت الأسراب نفسها والحركة التي ألفتها، لكن السماء بدت أكثر فراغاً.

ومن أعلى قلعة حلب، اتضح التغيّر أكثر. الحمام الذي كان جزءاً مألوفاً من سماء المدينة صار أقل حضوراً، فيما امتلأت أسطح المنازل بألواح الطاقة الشمسية وخزانات المياه، وبينها أبنية ما تزال تحمل آثار الدمار. بدا المشهد مختلفاً عن الصورة التي بقيت في ذاكرتي، وكأن أسطح حلب نفسها غيّرت وظيفتها وسكانها.

سكّان جدد لأسطح المدينة

عبرت مدخل بناء في حي البياضة، وبدأت أصعد درجاً ضيقاً تآكلت أطرافه من أثر الأقدام. كانت صورة السطح في ذاكرتي، من بيوت زرتها ومشاهد بقيت عالقة من طفولتي، مختلفة: بيت خشبي صغير للحمام في إحدى الزوايا، وأوانٍ معدنية تضع فيها ربّات المنازل “مية الفرنجي”، معجون الطماطم باللهجة الحلبية، لتجف تحت الشمس، وخيوط تتدلى منها شرائح الفليفلة الحمراء استعداداً للشتاء.

لكن الصورة على السطح كانت مختلفة. امتدت ألواح الطاقة الشمسية على معظم المساحة، وتكدست في إحدى الزوايا خزانات مياه تشابكت أنابيبها الصدئة، فيما كانت قطرات تتسرب منها إلى الأرضية الإسمنتية.

التقط مضيفي، أبو حسن، لحظة الصمت التي وقفت فيها أتفحص المكان. أشار إلى بقعة قرب حافة السطح وقال: “شايفة هون؟ كان نص السطح بيوت حمام”. كأن الإشارة أعادت إليه المكان كما كان. بدأ يسرد أنواع الحمام التي ربّاها، ألوانها وطباعها ومزايا كل نوع، وأماكن وقوفها ونومها وطعامها. ويتذكر نفسه حاملاً إبريق الشاي، يجلس على السطح ليريح عينيه بمراقبة طيوره ويتفقد ما تحتاج إليه.

كان ذلك جزءاً من يومه وعلاقته بسطح البيت. أما اليوم، فيمرر يده فوق صفوف من الألواح الشمسية المغبرة والساخنة، ويقول: “بداية جبنا لوحين.. بعدين صاروا أربعة.. وكل ما كانت الكهربا تقطع أكتر كنا نحنا أو جيراننا نضيف لوحين جداد. سنة ورا سنة، بدون ما نحس، تعبّى السطح”. يصمت قليلاً، ثم يختصر ما جرى بجملة واحدة: “ولما ما صفي محل.. أول شي تخليت عنه كان طيور الحمام”.

ولم يكن بيت الحمام وحده ما اختفى. شيئاً فشيئاً، تقلصت أيضاً مساحة كانت تستخدم لتجفيف المؤونة، ونشر الغسيل، وجلسات المساء. ومع أزمات الكهرباء والمياه، فُرضت على السطح وظائف جديدة، مكان لألواح الطاقة وخزانات المياه قبل أي شيء آخر.

باتت عبارة “السطح مشترك” لازمة عند المكاتب العقارية، بعد أزمة الكهرباء التي شلّت المدينة لسنوات طويلة، الصور الجوية للمدينة توضح ذلك، إذ لا يكاد يخلو سطح منزل أو مبنى من عشرات الألواح التي تعكس أشعة الشمس وتغيّر بحديدها ولونها الرمادي شكل المكان. مقابل ذلك ما تزال بيوت صغيرة لطيور الحمام تتوزع خجولة على شكل رقع في أسطح المدينة الشمسية. 

غادرت السطح وأنا أنظر مرة أخيرة إلى الزاوية التي أشار إليها أبو حسن. لم يبق فيها بيت خشبي، ولا رفرفة أجنحة أو هديل حمام. كانت الشمس ترتد عن الألواح الرمادية وكأنها أصبحت الساكن الجديد لسطوح حلب.

من “الكشّ” إلى “الزقّ”

حين وصلت إلى سطح آخر لبيت عربي يملكه حسان منصور في حي قاضي عسكر بحلب، عاد شيء من التفاصيل التي كنت أبحث عنها. احتفظ السطح هنا بجزء من وظيفته القديمة. في إحدى زواياه بيت إسمنتي يتقدمه باب من الشبك، وفي داخله صفوف من الصناديق، لكل طائر مكانه. فوقه ارتفعت ألواح الطاقة الشمسية، وفي الجهة المقابلة صوانٍ معدنية امتلأت بعصير البندورة وشرائح خضار تُجفف تحت الشمس.

رغم أن الوقت كان عصراً، بقيت طيور الحمام داخل بيتها، ولم أرَ حمامة واحدة تحلّق في السماء. سألت حسان إن كان ما يزال يمارس “كشّ” الحمام كما اعتاد مربوه، فهز رأسه نافياً.

“بطّلنا من زمان”، يقول حسّان، موضّحاً أنّ معظم من تبقى من مربي الحمام تخلّوا عن “الكش” وهو إطلاق الحمام ليحلّق في السماء ثم يعود إلى بيته، واتّجهوا عوضاً عن ذلك إلى ما يسمونه “الزق”، حيث يبقى الحمام داخل بيته، يطعمونه ويسقونه ويعتنون به، ولا يسمحون له بالطيران.  

يخبرني حسّان أن تربية الحمام تقتصر اليوم على المنازل العربية “الحواش”، أما في الأبنية الطابقية ذات الأسطح المشتركة فلم يعد هناك مكان لها بعد احتلال ألواح الطاقة وخزانات المياه معظم المساحات المتاحة. 

فالحمام، بحسب تجربته، يحتاج إلى مساحة مفتوحة يهبط فيها بعد عودته من “الكشّ”. ومع امتلاء الأسطح بالألواح والخزانات، تقلصت هذه المساحة، كما أن انعكاس أشعة الشمس على الألواح قد يربك الطيور أثناء عودتها من التحليق ويجعل بعضها يرتطم بها.

وتكررت الملاحظة نفسها لدى أكثر من مربٍّ التقيته. فالحمام، كما يشرحون، لا يحتاج فقط إلى مكان يعيش فيه، بل إلى مساحة مفتوحة يستطيع الهبوط فيها بعد التحليق. ومع تغير شكل الأسطح، لم يعد المكان الذي تعرفه الطيور هو نفسه، وهو أحد الأسباب التي دفعت بعض المربين إلى التوقف عن “الكشّ” والاكتفاء بـ”الزقّ”.

وأضيفت إلى ذلك أجهزة طرد الحمام التي انتشرت فوق بعض الأسطح. ففضلات الطيور تتطلب تنظيف ألواح الطاقة باستمرار، ويقول السكان إنها قد تؤثر في كفاءتها أو تتسبب في تضرر بعض خلاياها إذا تراكمت عليها، ما دفع بعضهم إلى تركيب وسائل تمنع الحمام من الوقوف عليها، وضيّق بدوره المساحات المتاحة للطيور فوق الأسطح.

الحمام يبحث عن سبل للبقاء

على سطح منزل طلال شومان، أحد جيران حسان الذي رافقني إليه، توزعت بيوت الحمام في أكثر من زاوية. حولها أوانٍ للماء، وعلى أرضية السطح ذرة صفراء وقمح وأنواع أخرى من العلف لم أميزها.

كانت الطيور مختلفة الألوان والأشكال، بعضها برقاب طويلة، وبعضها بريش يغطي الأرجل أو يحيط بالرقبة، فيما تنوعت ألوان عيونها. مشت بخيلاء على السطح، بينما ابتسم طلال وهو يشرح أنها سلالات أجنبية يجمعها ويعتني بها، ويبيع بعضها لهواة آخرين، لتصبح الهواية مع الوقت مصدر دخل يساعده على الاستمرار فيها.

لكن كلفة إطعام الحمام أصبحت سبباً إضافياً يدفع بعض المربين إلى تقليص أعداد طيورهم أو التخلي عن تربيتها. يقول طلال إن طيوره تستهلك نحو ثمانية كيلوغرامات من العلف يومياً، بكلفة يصفها بأنها “باهظة”.

فوق ذلك السطح، كان طلال وحسان يتحدثان عن تمسكهما بهوايتهما، وعن الطرق التي وجداها، مع عدد قليل من المربين الآخرين، للحفاظ عليها. في المقابل، دفعت الظروف المعيشية الصعبة وتغير الأولويات خلال سنوات الحرب كثيراً من المربين إلى التخلي عنها.

“رغم سمعتها السيئة لكنّها ليست مضيعة للوقت ولا يمكن تعميم ما يحكى عن مربي الحمام على الجميع”، أخبرنا الرجلان وهما يرشّان بكفيهما قليلاً من الغذاء فتتجمع حولهما طيور الحمام لتأكل من يديهما.  وفي كل بيت لمربي حمام زرته، كان تبرير الهواية حاضراً منذ الكلمات الأولى، كأن أصحابها يدافعون عن قرار يحتاج إلى شرح، أو عن هواية أصبحت موضع اتهام.

ولم يكن مستغرباً بعد تكرار هذا الموقف، أن أسأل أحد المربين عن سبب حرصه على الدفاع عن هوايته. ابتسم وقال: “إذا واحد ربّى كناري أو كروان، الناس بتقول عنه هالزلمة بحب يعتني بالطيور، أما إذا ربّى حمام بصير اسمه حميماتي”. توقف قليلاً قبل أن يضيف: “الكلمة لحالها صارت تحمل صورة مو حلوة، مع إنها بالنهاية هواية مثل أي هواية ثانية”.

غادرت ولم تعد

خلال سنوات الحرب، اختفت أسراب كثيرة من الحمام من أسطح حلب، من دون أن يكون ممكناً إحصاء أعدادها أو معرفة مصيرها بدقة. بعضها نفق خلال القصف، وبعضها فقد أصحابه أو بيوته بعد دمار أو تضرر أكثر من 235 ألف منزل في حلب وفق تقديرات البنك الدولي، فيما حمل مربون آخرون طيورهم معهم في رحلة النزوح إلى بيوت جديدة أو مخيمات.

من أسطح المدينة، قادتني الرحلة إلى مخيم في دير حسان، حيث يقيم محمد الحسين. لم يعد محمد إلى حلب بعد استعادة المدينة، وكلما سألته عن السبب كان يشير بيده إلى برج حمام صغير بناه قرب المخيم ويقول: “وين بدي روح؟ وطيور الحمام اللي عندي وين بدي اتركها؟”

بدت إجابته للوهلة الأولى غير متوقعة. لم يتحدث عن بيت مهدّم أو عمل سيضطر إلى البدء من الصفر بحثاً عنه، بل عن طيور الحمام التي يربيها. يقول إنه حين اضطر إلى مغادرة حلب لم يستطع تركها خلفه. حمل طيوره معه، إلى جانب أشياء أخرى كانت جزءاً من حياته، ثم بنى لها برجاً صغيراً قرب مكان إقامته في المخيم.

أما العودة إلى شقة داخل المدينة، كما يشرح، فتعني بالنسبة إليه التخلي عن هواية رافقته سنوات طويلة؛ فالأسطح لم تعد كما كانت، والحمام يحتاج إلى مساحة لم يعد يجدها في كثير من الأبنية. كما أنه لا يعرف هناك أشخاصاً يشاركونه الهواية، ويخشى أن ينظر إليه محيطه باستغراب أو أن يتعرض للنبذ بسببها.

ولم تكن حكاية محمد الوحيدة. خلال إعداد هذه المادة، التقيت مربي حمام حملوا طيورهم معهم في رحلة النزوح، وآخرين بدؤوا من جديد واشتروا طيوراً بعد استقرارهم في أماكن أخرى. لم يتحدث أحد منهم عن الهواية بوصفها وسيلة لمواجهة آثار الحرب، لكنهم وجدوا فيها، وسط الفقد والنزوح، شيئاً من حياتهم القديمة يمكن الاحتفاظ به.

بدأت رحلتي بحثاً عن الأسطح التي تغيّرت، لكن الحمام قادني إلى حكاية أوسع من غيابه. خلف بيوت الحمام التي اختفت، وجدت أسطحاً تغيّرت وظائفها، أماكن كانت تتسع للطيور وتجفيف المؤونة وجلسات المساء، صارت تحمل ألواح الطاقة الشمسية وخزانات المياه.

ومع تغيّر الأسطح، تقلصت المساحات التي كان الحمام يحلق منها ويعود إليها. أبقاه بعض المربين داخل بيوته، وحمل آخرون طيورهم إلى أماكن النزوح، فيما بقيت تربيته ممكنة في البيوت العربية التي ما تزال أسطحها تتسع له.

لم يكن الحمام وحده ما تغيّر، بل المكان الذي اعتاد أن يعود إليه، ومع ذلك، بقي الحمام خيطاً يصل بين أسطح حلب التي كانت، وتلك التي صارت عليها اليوم.


هذه المادة هي نتاج ورشة صحفية مشتركة لشبكات الإعلام والصحافة التعاونية في سوريا، نظمتها مؤسسة MiCT الإعلامية بالتعاون مع 12 مؤسسة إعلامية سورية مستقلة.