لم يعد سوريون من بلدان اللجوء بحقائب تحمل ملابسهم وذكرياتهم فقط، بل حملوا معهم أيضًا وصفات تعلموها ومهارات اكتسبوها في مطابخ البلدان التي عاشوا فيها. في مدن سورية مختلفة منها إدلب وحمص، تحولت هذه الخبرات إلى مشاريع تقدم البيتزا الإيطالية والمعجنات التركية والكعكة الطرابلسية، في محاولة لنقل مذاقات إلى موائد سورية بعد أن قرر أصحابها تحويل ما تعلموه خارج البلاد إلى مشاريع داخل سوريا.
غير أن هذه الأطعمة لا تصل دائما كما هي، فبعضها يحافظ على وصفته الأصلية، بينما تدخل تعديلات على بعضها الآخر لتناسب المكونات المتوفرة والذائقة السورية.
بيتزا إيطالية في إدلب
بعد سنوات من الإقامة في إيطاليا والتخصص في المطبخ الإيطالي، عاد محمد علاء الدين أبو فراس إلى سوريا، ليجد أنّ مدينة إدلب تفتقر إلى مطعم متخصص بالمطبخ الإيطالي.
يقول أبو فراس إنّه قرر نقل خبرته إلى مدينته، وافتتاح مطعم يقدم البيتزا والباستا بالطريقة التي تعلمها في إيطاليا. بحسب أبو فراس، لاقى المشروع إقبالًا من المهاجرين الموجودين في إدلب والسكان المحليين على حد سواء، خصوصًا ممن أرادوا تجربة البيتزا الإيطالية الأصلية.
إلّا أن نقل المطبخ الإيطالي إلى إدلب لم يكن عملية نسخ حرفي للوصفات. فقد أدخل أبو فراس مكونات محلية، مثل القاورما والسجق والدجاج المشوي، في محاولة للجمع بين المطبخ الإيطالي وبعض النكهات المألوفة للسوريين.
وتبدأ خصوصية البيتزا التي يقدمها أبو فراس من العجينة، إذ يقول إنها تُخمّر لمدة ثلاثة أيام، وتُحضّر من طحين “كابوتو” الذي تبلغ نسبة الغلوتين فيه نحو 14%، ما يمنحه خصائص مختلفة عن أنواع الطحين العادي. ويُعد هذا الطحين أكثر تكلفة لعدم توفره محليًا واعتماد المطعم على استيراده من الخارج، فيما لا يُضاف السكر إلى العجينة.
ويستخدم المطعم صلصة بندورة طازجة مع الريحان والأوريغانو، إضافة إلى الموزاريلا وأنواع أخرى من الأجبان، قبل خبزها في فرن بدرجات حرارة مرتفعة. ويقدم المطعم نحو 20 نوعًا من البيتزا، تختلف مكوناتها بحسب النوع.
لكن هذه الطريقة في التحضير تفرض تكاليف أعلى، وفق أبو فراس، بسبب أسعار بعض المنتجات المستخدمة، ومنها أجبان البارميزان والغرويير والموزاريلا. ورغم ذلك، يقول إنه يحاول إبقاء الأسعار ضمن نطاق يسمح لمختلف الشرائح بتجربة المطبخ الإيطالي.
وتشكل العمالة أحد التحديات التي تواجه المشروع، إذ يصعب العثور على أشخاص لديهم خبرة في إعداد البيتزا الإيطالية، بحسب أبو فراس، بسبب اختلاف طريقة تحضيرها عن البيتزا الأمريكية المنتشرة في سوريا.
“حتى تفاصيل العمل داخل المطبخ تختلف” يقول، فالمكونات توزن بدقة، ولكل مادة تاريخ صلاحية، فيما يجري التعامل مع الخضار الطازجة والأجبان بشكل يومي. تقول فاطمة الزير، إحدى زبائن المطعم، إن البيتزا الإيطالية تختلف في مذاقها عن الأنواع التي اعتاد عليها السوريون، مشيرة إلى رقة العجينة وتنوع الصلصات والمكونات. وبعد أن أصبح للمشروع زبائن من داخل إدلب وخارجها، يطمح أبو فراس إلى افتتاح فروع جديدة في محافظات سورية أخرى.
من إسطنبول إلى بنش
ومن إيطاليا إلى تركيا، حمل سوريون آخرون معهم خبرات مختلفة في صناعة الطعام. ففي مدينة بنش جنوبي إدلب، عاد قصي البدوي وإخوته إلى سوريا بعد 12 عامًا أمضوها في تركيا، تعلموا خلالها صناعة المعجنات التركية.
وعند عودتهم قرر الإخوة تحويل ما تعلموه إلى مشروع فافتتحوا فرنًا متخصصًا بالمعجنات التركية، واختاروا له اسم “فرن إسطنبول”، في إشارة إلى المدينة التي ارتبطت فيها مهنتهم الجديدة بتجربتهم خلال سنوات اللجوء.
بدأ المشروع من بنش، قبل أن يدفعه الإقبال الكبير إلى افتتاح فرع آخر في مدينة إدلب، لتجد المعجنات التي عرفها الإخوة في تركيا طريقها إلى سوق سورية جديدة. يقول البدوي إن المعجنات التركية، وخصوصًا الكعك، لاقت إقبالًا من الأهالي، باعتبارها منتجًا جديدً نسبيًا على الذائقة السورية، إلى جانب اهتمام الزبائن بجودة الخبز ونظافة العمل.
يقدم الفرن منتجات تركية عدة منها السيميت والبوشا والسمون، ويؤكد البدوي أنهم لم يغيروا مكونات المعجنات أو يضيفوا إليها نكهات جديدة، حفاظًا على طريقتها التي تعلموها في تركيا. ومع توسع المشروع، أصبح يعمل فيه عشرة أشخاص في فرعي بنش وإدلب. لكن تجربة العودة لم تخلُ من صعوبات، أبرزها ارتفاع إيجارات المحال، بحسب البدوي، الذي يرى أن سوق العقارات في سوريا يشهد أسعارًا مرتفعة مقارنة بتركيا.
بالنسبة لأبي محمد، أحد سكان المنطقة، أصبح شراء المعجنات التركية جزءًا من روتينه اليومي. يأتي إلى الفرن لشراء المعجنات التي أصبحت طعامًا مألوفًا وجزءاً من خيارات الطعام المعتادة. يشير إلى أن وجود مكان للجلوس وحسن تعامل العاملين مع الزبائن من الأمور التي تشجعه على العودة، فيما تتراوح الأسعار، بين 40 و90 ليرة سورية تبعًا للنوع والنكهات، ويصف أبو محمد هذا السعر بأنه مناسب له ولغيره من الزبائن.
كعكة طرابلسية تحمل قصة أخرى
على بعد مئات الكيلومترات، كان عامر طحان يعود إلى حمص بخبرة اكتسبها في لبنان. هناك، تعلم طحان صناعة الكعكة الطرابلسية وعمل في هذا المجال لمدة ثلاث سنوات. بدأ مع شقيقه من خلال بسطة صغيرة، قبل أن يعود إلى سوريا ويقرر تحويل تجربته إلى مشروع دائم.
“لم تكن البداية سهلة” يقول طحان، فخلال عمله على البسطة في لبنان، واجه صعوبات خلال الشتاء بسبب الأمطار وما تسببه من هدر للمواد. بعد عودته، أراد تقديم منتج جديد في بلده، مستفيدًا من خبرته السابقة، فافتتح مشروعًا متخصصًا بالكعكة الطرابلسية في حي الوعر بمدينة حمص.
واجه طحان بدوره صعوبة في إيجاد محل مناسب للإيجار، لكنه يقول إنه فوجئ بحجم الإقبال على المشروع بعد افتتاحه. اليوم يعمل معه خمسة عمال، فيما يخطط لافتتاح فروع جديدة في محافظات سورية أخرى.
لكن الكعكة التي يقدمها لم تبقَ مطابقة تمامًا للوصفة التي عرفها في لبنان، وبحسب طحان، تعتمد الوصفة الأصلية بشكل أساسي على أجبان البيكون والعكاوي، بينما أدخل هو إضافات أخرى مثل الخضار وأنواع أخرى من الجبن إلى المنتج في سوريا، لتناسب الذائقة السورية. فالطعام لا ينتقل بوصفه وجبة فقط، بل يحمل معه معارف وطرق إعداد وعادات اجتماعية، ما يجعله جزءًا من التراث الثقافي غير المادي.
ويرى الباحث في التراث الشعبي والثقافي، محمد الفياض أن انتقال هذه الأطعمة ليس مجرد انتقال لوصفات من بلد إلى آخر، بل يعتبره جزءًا من حركة أوسع للثقافة بين المجتمعات. يقول إنّ الإنسان عندما ينتقل من مكان إلى آخر يحمل معه جزءًا من هويته وتراثه، ومن بين ذلك ثقافة الطعام والشراب.
ويرى فياض أن السوريين الذين عاشوا في بلدان مختلفة خلال سنوات اللجوء نقلوا جانبًا من ثقافتهم الغذائية إلى المجتمعات التي استقبلتهم، وفي المقابل عاد بعضهم إلى سوريا حاملًا تجارب وعادات غذائية اكتسبها في تلك البلدان.
ويصف ثقافة الطعام بأنها مساحة للتنوع والتجربة والتأثر المتبادل، مشيرًا إلى أن الإنسان يستفيد من تجارب المجتمعات الأخرى، بينما تتكيف بعض الأطعمة مع البيئة الجديدة التي تصل إليها.
“لكن هذا التكيف لا يعني بالضرورة فقدان الطبق لهويته الأصلية”، يقول فياض، الذي يرى أن بعض التعديلات قد تطرأ على المكونات وطريقة التحضير لتناسب أذواق المجتمع الجديد. ويشير إلى أن المطبخ السوري نفسه تشكل تاريخيًا في بيئة غنية بالتواصل والتبادل بين الشعوب، ما جعله متنوعًا في أطباقه وعاداته الغذائية. ومن هنا، يرى فياض أن دخول أطعمة جديدة إلى سوريا لا يعني بالضرورة أن تحل محل الأطباق المحلية، بل يمكن أن تضيف مساحة جديدة إلى التنوع الغذائي.
أما تحول هذه الأطعمة إلى جزء من التراث الغذائي السوري، فيحتاج، بحسب قوله، إلى وقت وانتشار واستمرار في الممارسة، وليس مجرد وجودها في السوق لفترة قصيرة، وهنا لا يتعلق الأمر بمجرد انتشار طبق جديد، بل بقدرته على الاستمرار والتداول وانتقال طرق إعداده وعاداته بين الأجيال، قبل أن يكتسب مع مرور الوقت حضورا في الذاكرة الغذائية للمجتمع.
حين تتحول الخبرة إلى فرصة اقتصادية
وراء كل مشروع من هذه المشاريع قصة خبرة اكتسبها صاحبها خارج سوريا، ثم حاول تحويلها إلى مصدر للدخل داخلها. يرى الخبير الاقتصادي الدكتور مجدي جاموس، أن عودة السوريين الذين اكتسبوا خبرات مهنية وإدارية في الخارج يمكن أن تشكل فرصة للاستفادة من هذه الخبرات في السوق السورية. ويعتبر أن سنوات الحرب أحدثت فجوة بين سوريا وغيرها من الدول في مجالات عدة، من بينها الإدارة والرقمنة، ولذلك يمكن للعائدين أن يساهموا في إدخال خبرات وأفكار جديدة إلى السوق.
ويرى جاموس أن المشروعات الصغيرة ومتناهية الصغر يمكن أن تؤدي دورًا مهمًا في تنشيط الاقتصاد المحلي، ولا سيما إذا أُتيح لها الوصول إلى التمويل والتراخيص والبنية التحتية اللازمة، لما يمكن أن توفره من فرص عمل وتحريك للنشاط الاقتصادي، فلا تقتصر أهمية هذه المشاريع على كونها تجارب فردية للعائدين.
وفي قطاع الأغذية، يرى جاموس أن دخول منتجات جديدة إلى السوق يمكن أن يفتح مجالات جديدة أمام المستهلكين ويعزز المنافسة، من دون أن يعني ذلك بالضرورة التأثير في مكانة المطبخ السوري.
ولأن أصحاب المشاريع يواجهون تحديات، من بينها ارتفاع الإيجارات وصعوبة الحصول على العمالة المتخصصة، إضافة إلى ضعف الوصول إلى التمويل وغياب بعض التسهيلات التي تحتاجها المشاريع الصغيرة، يرى جاموس أن توفير بيئة قانونية وائتمانية أكثر دعماً يمكن أن يساعد هذه المشاريع على النمو وخلق فرص عمل إضافية.
هذه التجارب الثلاث تمثل وجهًا من وجوه العودة، فالعائد لا يحمل معه أمتعته وذكرياته فقط، بل قد يحمل أيضًا مهنة تعلمها، وخبرة اكتسبها، ونكهة ارتبطت بسنوات عاشها بعيدًا عن بلده.
وقد لا تكون العودة مجرد استعادة لمكانٍ غادره الإنسان، بل فرصة لأن تتحول سنوات الغربة وما حملته من تجارب إلى جزء جديد من المشهد الاقتصادي والثقافي في المكان الذي عاد إليه.
