فوكس حلب

مجلة الكترونية تغطي أخبار محافظة حلب وعموم الشمال السوري.

مرشد نفسي أم مشرف أنشطة .. كيف أُعيد تعريف دور الإرشاد النفسي؟

فاطمة الحاج أحمد

أثار تحول مسمى وظيفة المرشد النفسي إلى مشرف أنشطة، وفق القرار الوزاري رقم 1056 الصادر في 3 آب 2026 عن وزارة التربية، موجة غضب واستياء بين مرشدين نفسيين، معتبرين أن المسمى يقلل من القيمة المهنية والعلمية للتخصص، ويعطي انطباعاً بأنه وظيفية ثانوية يمكن أن يقوم بها أي خريج جامعي أو معهد غير متخصص

مع بداية العام الدراسي الجديد أصدرت وزارة التربية تعميماً تؤكد فيه الدور الأساسي للمرشد النفسي والاجتماعي وتكلفه بالإشراف على الأنشطة اللاصفية لتعزيز القيم والسلوك الإيجابي لدى الطلبة، على أن يتولى المختصون تنفيذ الأنشطة كلٌ في مجال اختصاصه، فيما يتابع المرشد أبعادها النفسية والاجتماعية والقيمية والسلوكية.

وشددت الوزارة على أن أهداف صالات الأنشطة تفعيل دور المرشد وتوظيف النشاط اللاصفي ضمن التربية المتكاملة، وتنمية التعاون والمسؤولية والانتماء لدى التلاميذ، مطالبةً مديريات التربية والتعليم ومديري المدارس التقيد بالتعميم بما يضمن التكامل بين مهام المرشد واختصاصات القائمين على الأنشطة ويحافظ على دوره الأساسي في البيئة المدرسية.

القرار لم يغير مسمى المرشد النفسي فحسب، بل أدرج مهاماً تنظيمية ورقابية جديدة، بينها الإشراف على الاجتماع الصباحي والرحلات والاحتفالات ومتابعة دخول الطلاب وخروجهم ولباسهم، إضافة إلى مهام تتعلق بالأمن والسلامة ودراسة الحالات النفسية والسلوكية وتقديم الدعم النفسي والاجتماعي وهو ما اعتبره مرشدون نفسيون يتعارض مع مهمتهم الأساسية.

بالنسبة لنجاح بالوش، وهي مرشدة نفسية وتربوية، لم تكن غرفة الإرشاد النفسي مجرد مكتب عادي داخل المدرسة، بل مساحة يلجأ إليها التلاميذ لحل مشكلاتهم الخاصة من خلافات أسرية ومشاجرات مع بعضهم إلى التقصير الدراسي والعنف والتنمر. تقول نجاح إنها تمكنت من كسب ثقتهم، بسبب حفاظها على خصوصيتهم باتباع أساليب علمية سليمة بناءً على تخصصها.

لكن هذه العلاقة برأيها، قد تتغير عندما يتحول المرشد إلى مشرف يراقب سلوك التلميذ ويشرف على انضباطه المدرسي والتزامه باللباس المدرسي ومواعيد الدخول والخروج، إذ تخشى نجاح أن يصبح المرشد بنظر التلاميذ موجهاً أو مراقباً أو جزءاً من إدارة المدرسة وبالتالي يفقد جوهر وظيفته التخصصية وهي الإرشاد والدعم النفسي لهم. تضيف: “المهام الجديدة قد تأخذ جزءاً من الوقت الذي كان مخصصاً للجلسات الفردية والدعم النفسي ومتابعة الحالات، إذ أن الاهتمام بالصحة النفسية والدعم النفسي يجب أن يكون أولوية بعد حرب استمرت نحو عقد ونصف العقد”.

ولا يقتصر الاعتراض على المرشدين العاملين في المدارس، فبين خريجي الاختصاص من يرى أن القرار يغير طبيعة تخصص أكاديمي ومهني،  إذ تقول رؤى غنام، وهي خريجة قسم الإرشاد النفسي في جامعة حلب، أن تنظيم الأنشطة أو مساعدة الموجهين يمكن أن يكون جزءاً من عمل المرشد، لكن ليس على حساب الرعاية النفسية للطلاب.

وتوضح أن خريجي الاختصاص يتلقون تدريباً في الإرشاد النفسي والتشخيص والتعامل مع الحالات النفسية والتربوية، إلى جانب التدريب العملي في المدارس، ولذلك فإن تحميل المرشد مهاماً تنظيمية واسعة قد تأتي على حساب المتابعة الفردية للحالات وحصص التوعية النفسية، أو أن يصبح توجيه الطلاب وتنظيم الأنشطة بالنسبة له أسهل من التعامل مع الحالات النفسية التي تتطلب وقتاً وجهداً وتأهيلاً متخصصاً، وتخشى أن يؤدي ذلك مع الوقت إلى تغيير صورة المرشد داخل المدرسة وإضعاف مكانة الاختصاص نفسه.

لا تتعلق القرارات الجديدة بزيادة وتغيير مهام المرشد النفسي، وإنما بطبيعة العلاقة التي يفترض أن تجمع التلميذ بالمرشد، إذ يرى براء الجمعة، أخصائي نفسي في علم النفس السريري، أن الجمع بين الدور الإرشادي ومهام الرقابة والانضباط قد يضع المرشد في موقعين متناقضين أمام الطالب، ويخشى الجمعة أن يدفع ذلك بعض الطلاب إلى إخفاء مشكلاتهم أو عدم الإفصاح عنها خوفاً من أن تُستخدم المعلومات التي يقدمونها ضدهم، مؤكداً أن دور المدرسة لا ينبغي أن يقتصر على فرض الانضباط الخارجي، بل يجب أن يساعد الطالب على بناء الضبط الذاتي.

بينما يحذر صلاح لكة، وهو مرشد نفسي، يعمل في القطاع الخاص والمنظمات الإنسانية، من فتح المجال أمام غير المتخصصين لتولي مهام الإرشاد النفسي عند عدم توفر أصحاب الاختصاص والذي قد ينعكس على جودة الخدمة المقدمة للطلاب. يقول إن دراسة الحالة النفسية ليست مجرد الاستماع إلى الطالب وإنما عملية تحتاج إلى معرفة ومهارات في المقابلات النفسية وتقييم الحالة وتحديد التدخل المناسب ومتابعتها أو إحالتها إلى مختص آخر عند الحاجة.

وتزداد حساسية الأمر وفق لكة، في المدارس السورية التي تستقبل جيلاً عاش سنوات من الحرب والنزوح والعنف والفقدان، فالحالة التي تصل إلى غرفة المرشد قد لا تكون مجرد مشكلة في السلوك أو تراجع في التحصيل، وإنما تجربة أكثر تعقيداً تحتاج إلى شخص مؤهل للتعامل معها، يقول: إن احتمال فتح جراح نفسية والفشل في احتواء المشاعر والخبرات الصادمة يصبح قائماً عندما يتولى هذه المهام أشخاصاً غير مؤهلين للتعامل مع الحالات النفسية.

ويجب وفق لكة، حصر مهامه في المجال الإرشادي والنفسي، وضمان عدم تكليفه بأعمال إدارية أو رقابية أو تعليمية تتناقض أو تتضارب مع عمله الإرشادي هو ما يسمح له بأداء دوره الأساسي، أي أن يكون الطالب قادراً على الوصول إليه عندما يحتاج إلى من يستمع إليه.

في الشمال السوري واجهت المدارس نقصاً كبيراً في المتخصصين، ووفق دراسة صادرة عن وحدة إدارة المعلومات في وحدة تنسيق الدعم (ACU/IMU) عام 2024، بعنوان “المدارس في سوريا” تبين أن 94 بالمئة من المدارس التي شملها التقييم لم يكن فيها مرشد نفسي متخصص، هذا النقص دفع الجهات العاملة في التعليم إلى تدريب جزءٍ من الكوادر المدرسية والإدارية للتعامل مع المشكلات النفسية لدى الطلاب، إلى جانب تطوير برامج للدعم النفسي والاجتماعي.

زيادة مهام المرشد النفسي لم تقابل بزيادات نوعية على الراتب، والتي وصلت إلى نحو 100 بالمئة، وفق مرسوم الزيادة  الصادر في أيار الماضي، إذ استثني المرشدون النفسيون والاجتماعيون من الزيادة، إلى جانب فئات وظيفية أخرى بينها بعض الوظائف الإدارية في وزارة التربية، ما أحدث فرقاً في الأجر يتجاوز مليون ليرة سورية بالعملة القديمة للمرشد النفسي من الفئة الأولى مقارنة بالمستفيدين من الزيادة النوعية.

الاعتراض على القرار لم يبق داخل المدارس فقط، بل أخذ طرق عدة للتعبير عن رفضهم للقرارات وعدم شمولهم بالزيادة النوعية، ففي 16 آب أعدّت مجموعة من الأكاديميين والمختصين والعاملين في القطاع ورقة موقف بشأن القرار 1056، دعت فيها إلى إعادة النظر في تكليف المرشد النفسي بوظيفة “مشرف أنشطة”، والحفاظ على الإرشاد النفسي بوصفه وظيفة مهنية مستقلة داخل المدرسة.

وتستند الورقة في اعتراضها إلى أن جمع الإرشاد النفسي مع مهام رقابية وتنظيمية قد يضعف هذه العلاقة، ويثير تساؤلات حول السماح لغير المتخصصين بتولي مهام إرشادية نفسية عند عدم توفر المختصين.

تقترح الورقة تطوير منظومة الإرشاد النفسي المدرسي عبر التدريب والإشراف والتقييم والمساءلة وتفعيل دور مديرية الإرشاد النفسي في وزارة التربية، إلى جانب تشكيل لجنة فنية تضم الوزارة والجامعات والمختصين في علم النفس والصحة النفسية وحماية الطفل لمراجعة الهيكلية الجديدة.

عبد الكريم قادري مدير التنمية الإدارية في وزارة التربية، يوضح أن إعادة تنظيم عمل المرشدين تأتي ضمن خطة أوسع لإعادة هيكلة الكوادر الميدانية وتفعيل الأنشطة اللاصفية والتربوية داخل المدارس. يقول إن وجود خريجي الإرشاد وعلم النفس والاجتماع ضمن العمل على الأنشطة الفنية والثقافية والرياضية والاجتماعية يتيح توظيف هذه الأنشطة في تعديل السلوك وتفريغ طاقات الطلاب وتنمية مهاراتهم، عوضاً عن حصر دور المرشد داخل غرفة الإرشاد.

ويؤكد القادري أن التغيير لا يعني إلغاء الجانب النفسي والاجتماعي وإنما إعادة دمجه في التوجيه التربوي والأنشطة المدرسية، بما يجعل العلاقة بين الطالب والمرشد أكثر قرباً من الحياة اليومية داخل المدرسة.

وفيما يتعلق بالحالات التي تحتاج إلى تدخل نفسي متخصص، يؤكد القادري أنّ الوزارة تعتمد على إحالتها إلى الجهات والمراكز الإرشادية المتخصصة في مديريات التربية، إلى جانب إقامة دورات وورشات تدريبية للعاملين بهدف تعزيز مهارات الدعم النفسي والاجتماعي، مشيراً إلى أن الوزارة ستواصل مراجعة آثار القرار وتقييم نتائجه ميدانياً، بهدف تطوير العمل الإرشادي من دون أن ينعكس سلباً على الصحة النفسية للطلاب.

بقيت وظيفة المرشد النفسي في  المدارس التابعة لوزارة التربية قائمة ضمن الهيكل المدرسي، تتعلق بمتابعة الطلاب ومشكلاتهم النفسية والسلوكية والتواصل مع الأهالي والهيئة التعليمية ووضع الخطط الإرشادية، وفي عام 2022 اتجهت وزارة التربية إلى تفعيل هذا الدور، من خلال التأكيد على تخصيص غرفة للإرشاد وإعفاء المرشد من عدد من المهام الإدارية والرقابية، بما يسمح له بالتفرغ أكثر لعمله الإرشادي.

ارتبطت وظيفية المرشد النفسي لدى كثير من السوريين، بدور المرشدة النفسية حنان، الذي لعبته الممثلة سلمى المصري في مسلسل أشواك ناعمة قبل نحو 18 عاماً، حيث كانت تستقبل طالبات المدرسة في غرفة الإرشاد النفسي، تستمع إلى مشاكلهن وتحاول مساعدتهن والوقوف إلى جانبهن، وبقيت صورتها عالقة في ذاكرة جيل كامل. مرشدة في غرفة مدرسية خاصة بها، مهمتها واضحة ومستقلة عن المهام الأخرى للكادر التعليمي. يتساءل من تحدثنا إليهم من المرشدين هل ستُطرق أبواب غرفهم بالثقة نفسها؟ أم سيتردد التلاميذ باللجوء إليهم بعد المهام الجديدة؟.