فوكس حلب

مجلة الكترونية تغطي أخبار محافظة حلب وعموم الشمال السوري.

حيّ المشهد في حلب.. حين أصبح عبور الشارع مغامرة يومية

بشار فارس

ازدحام لا يهدأ، ومشاة ينتظرون فرصة لعبور الطريق، هكذا تبدلت الحياة اليومية في حيّ المشهد، بعدما غيّر انتشار ورشات إصلاح السيارات ملامح أحد أحياء حلب السكنية

في الطريق الممتد من حيّ المشهد جنوبي غربي حلب، نحو العامرية مرورًا بمنطقة الأنصاري، لا يحتاج الزائر إلى كثير من الوقت ليدرك أن هذا الشارع لم يعد يشبه شارعًا في حيّ سكني. صفوف من السيارات تصطف على جانبي الطريق، ومركبات تنتظر دورها أمام ورشات إصلاح السيارات، بينما تمتزج أصوات المحركات وأبواق السيارات بطرق الحديد، ويغطي دخان العوادم رائحة المكان.

يخرج سكان الحيّ إلى شوارعهم كل صباح وهم يدركون أن أبسط تفاصيل يومهم قد تتحول إلى تحدٍ، طفل ينتظر فرصة لعبور الطريق، وأم تتردد قبل أن تخطو بين السيارات، ورجل مسن يبحث عن ممر آمن وسط الضجيج والدخان. مشاهد يومية تختصر التحول الذي طرأ على حيّ سكني، أصبحت فيه حركة المشاة أكثر صعوبة من حركة المركبات.

أمام أحد المفارق، تقف امرأة تحمل طفلها بين ذراعيها، تراقب حركة السير بحثًا عن فرصة لعبور الطريق. تقترب خطوة ثم تتراجع أخرى مع اندفاع السيارات من الاتجاهين. يلتصق الطفل بكتفها، بينما تنظر يمينًا ويسارًا في محاولة لاقتناص لحظة آمنة.

غير بعيد عنها، يسير رجل مسن في طريقه إلى المسجد. لا يجد رصيفًا واضحًا يسلكه، فيضطر إلى المرور بمحاذاة السيارات المتوقفة، يضم عباءته إلى جسده حتى لا تعلق بإحدى المرايا الجانبية أو حواف السيارات، ويتوقف أكثر من مرة ليفسح المجال لمركبة تحاول المرور في شارع بالكاد يتسع لحركة السير. لم تعد الأرصفة في هذا الحي مساحة آمنة للمارة بعد  إشغالها بمعدات التصليح والسيارات المركونة بانتظار دورها.

يقول محمد الديك، وهو رجل مسن عاد إلى حيّ المشهد بعد سنوات من التهجير مع أولاده وأحفاده، إن الحي تغيّر بصورة كبيرة. “الحي مسكّر.. سيارات يمين ويسار، دخان وزمامير. صرنا كأننا بمنطقة صناعية”. ويضيف أن السكان لم يعودوا يشعرون بالراحة عند الخروج من منازلهم، كذلك داخلها، وأن الضجيج المتواصل والازدحام أصبحا جزءًا من تفاصيل يومهم.

أما بهاء فارس، وهو شاب من أبناء الحي، متزوج ولديه أطفال، فيرى أن المشكلة لا تقتصر على وجود ورش الصيانة، بل تمتد إلى غياب تنظيم المهنة داخل المنطقة السكنية. يحمّل بهاء أصحاب المحال في الحيّ جزءًا من المسؤولية، لأنهم يؤجرون محالهم وهم يعلمون أنها ستتحول لورشات صيانة داخل حي سكني. وبرأيه فإن الطلب على المحال يزداد لأن كثيرًا من الشبان الذين عادوا من الغربة يتقنون مصلحة صيانة السيارات ولجؤوا لاستئجار محلات موجودة في الحي.

ويرى فارس أن نقل الورشات إلى المناطق الصناعية، يمكن أن يخفف الضغط عن الحي ويعيد إليه طابعه السكني. وهو ما لا يرفضه أصحاب الورشات أنفسهم، فهم لا يمانعون انتقالهم إلى أماكن مهيأة.

يقول أبو محمد، صاحب مركز السلام لصيانة السيارات، إن العاملين في هذا القطاع لا يرفضون الانتقال إلى المناطق الصناعية، بل يطالبون بتهيئة ظروف مناسبة لانتقالهم. “لامانع لدينا من الانتقال إلى الراموسة أو جبرين، لكن المنطقة الصناعية هناك مازالت غير مهيأة. نريد مكانًا فيه أرض واسعة للسيارات. استأجرت هنا لأنه المتاح حاليًا، لكن هذا لايعني أننا نريد أن نزعج السكان”.

ويشير يامن، المتخصص بصيانة كهرباء السيارات منذ فترة ليست طويلة، إلى أن اختيار حيّ المشهد لم يكن خيارًا مثاليًا بقدر ما كان نتيجة للظروف المتاحة أمامه. ويقول إن تكلفة استئجار المحال داخل المناطق الصناعية، سواء في الراموسة أو جبرين، تفوق قدراته المادية في الوقت الحالي، الأمر الذي دفعه للبحث عن بديل أقل تكلفة داخل الأحياء السكنية.

“حاولت أن أستأجر في المنطقة الصناعية، لكن الإيجارات هناك مرتفعة بالنسبة لي. في المشهد وجدت محلات بأسعار أقل، إضافة إلى وجود ورش ومحلات مرتبطة بالمهنة نفسها حولي، وهذا يساعدني على العمل وتوفير الزبائن”.

ويضيف أن وجوده في المناطق الصناعية قد لا يكون مناسبًا في هذه المرحلة من عمله، لكون معظم العاملين هناك يملكون خبرات طويلة وسمعة مهنية راسخة، الأمر الذي يجعل المنافسة صعبة بالنسبة للحرفيين الجدد. “أنا ما زلت في بداية الطريق، وفي المنطقة الصناعية يوجد أصحاب خبرة واسعة ومعروفة للناس، لذلك قد أخسر عملي هناك. أما هنا فوجدت فرصة أبدأ منها وأبني اسمي تدريجيًا”.

وبين شكوى السكان وتبرير أصحاب الورشات، يبقى الشارع مزدحمًا منذ ساعات الصباح وحتى المساء. يشير محمد يوسف، وهو أيضًا من أبناء الحي العائدين بعد التهجير، إلى أن كثرة الورشات غيّرت حتى هوية المكان.

“تجمع المصلحين غيّر اسم الشارع.. صاروا يسمّوه شارع المصلحين. أكبر مشكلة هي الشارع الرئيسي، عندما أريد الخروج من حلب أو باتجاه الراموسة، يستهلك الطريق وقتًا طويلًا بين انتظار العبور والخروج من الازدحام. الشارع ذهاب وإياب وورش الصيانة تشغل الأرصفة وحيزاً من طرفي الطريق”.

ولا تتوقف آثار الازدحام عند حركة السيارات. فالأطفال المتجهون إلى مدارسهم، والنساء اللواتي يحملن حاجاتهنّ اليومية، وكبار السن المتوجهون إلى المساجد أو العيادات، جميعهم يشاركون يوميًا معركة عبور شارع يفترض أن يكون جزءًا من حيّ سكني، لا ممرًا لورشات إصلاح السيارات.

ويرى عدد من الأهالي أن استمرار انتشار الورشات داخل الحي لا يقتصر أثره على الضجيج والازدحام، بل يمتد إلى زيادة تلوث الهواء، وصعوبة حركة المشاة، وتراجع الإحساس بالأمان، خصوصًا لدى النساء والأطفال.

يقول “صلاح الدين الشريف” مسؤول في مديرية الصناعة في حلب، إن هناك تنسيقًا مستمرًا بين مديرية الصناعة ومجلس مدينة حلب والمحافظة والجهات المعنية لتنظيم المهن الصناعية بما ينسجم مع المخطط التنظيمي للمدينة، من خلال الجولات المشتركة وتبادل المعلومات ودراسة طلبات الترخيص ومعالجة الشكاوى الواردة من المواطنين.

ويشير الشريف إلى أن الجهات المختصة تدرس حاليًا عددًا من المقترحات الرامية إلى تشجيع أصحاب الورش على الانتقال إلى المناطق الصناعية، عبر تقديم التسهيلات الإدارية الممكنة وتحسين البيئة الخدمية داخل تلك المناطق.

وبحسب الشريف، فإن الرؤية المستقبلية تركز على استكمال تأهيل وتطوير المناطق الصناعية وتعزيز جاهزيتها من حيث البنية التحتية والخدمات، بما يسهم في استقطاب الأنشطة الصناعية والحرفية خارج الأحياء السكنية، وتحقيق التوازن بين دعم النشاط الاقتصادي والحفاظ على جودة الحياة للسكان.

من جهته، يؤكد مجلس مدينة حلب أن سياسته تقوم على الحفاظ على الطابع السكني للأحياء وحصر المهن الصناعية والحرفية المسببة للضجيج أو التلوث ضمن المناطق المخصصة لها، مشيرًا إلى أن ورش صيانة السيارات يفترض أن تمارس نشاطها في مواقع مرخصة ومهيأة لهذا الغرض.

ويوضح المجلس أن أعمال الرقابة تنفذ عبر مديريات الضابطة والدوائر المختصة من خلال الجولات الدورية والاستجابة للشكاوى المقدمة من الأهالي، إذ يتم توجيه الإنذارات واتخاذ الإجراءات القانونية بحق المخالفين وفق الإمكانات المتاحة.

كما يقر المجلس بوجود تحديات تعيق التطبيق الكامل لهذه الإجراءات، من بينها نقص الكوادر الرقابية والظروف الاقتصادية وصعوبة تأمين بدائل مناسبة لجميع الورشات، إلا أنه يؤكد العمل على تكثيف الرقابة ومنع إشغال الأرصفة والطرقات وإزالة المخالفات وإلزام الورش باتخاذ إجراءات تحد من الضجيج والانبعاثات إلى حين استكمال عملية نقلها.

مع حلول المساء، لا يتغير المشهد كثيرًا. ما تزال السيارات تحتل جانبي الطريق. وما يزال البحث عن ممر آمن بين المركبات يشغل المارة. تفاصيل صغيرة تتكرر كل يوم، لكنها تختصر حكاية حيّ فقد جزءًا من الطمأنينة التي اعتادها سكانه.