لم تسمح البطاقة الشخصية لعمر الأخرس، 27 عاماً، الصادرة عن المجلس المحلي في مدينة أعزاز، بإتمام معاملته في أحد المؤسسات الحكومية في المدينة. إذ طُلب منه استخراج وثيقة لا حكم عليه، خلاصة السجل العدلي، والتي تتطلب إبراز بطاقة شخصية غير التي يحملها أو إبراز وثيقة إخراج القيد لاستكمال معاملاته.
لا يملك عمر مثل غيره من مئات آلاف السوريين بطاقة شخصية قديمة، كما يسميها، ولم يتمكن قبل سنوات من الحصول عليها في بلدته خان العسل بمدينة حلب بسبب نزوحه إلى أعزاز، حيث حصل على بطاقة شخصية صادرة من المجلس المحلي بناءً على البطاقة الأسرية التي تملكها عائلته.
الهوية القديمة، كما تعرف محلياً، هي الوثيقة الصادرة عن دوائر الأحوال المدنية التابعة للدولة، والمرتبطة بالسجل المدني والرقم الوطني لكل مواطن. إلا أنه خلال سنوات الحرب والنزوح والتهجير القسري فقد كثير من السوريين بطاقاتهم الشخصية، وتعذر على سكان الشمال السوري الذين فقدوها استخراجها مجدداً، فيما لم يتمكن آخرون من الحصول عليها أساساً.
ويكمن جوهر المشكلة، وفق من قابلناهم، في أن المؤسسات الحكومية باتت تشترط الوثيقة الشخصية الرسمية أو إخراج القيد المرتبط بالسجل المدني لإتمام معاملات معينة، رغم اعتماد السكان لسنوات على البطاقات الصادرة عن الجهات المحلية، يتساءل عمر مستغرباً “كيف تتحول فجأة بطاقته التي يحملها منذ سنوات، وتثبت بياناته الشخصية،إلى ورقة بلا قيمة أمام موظف حكومي يطلب منه إثباتاً آخر”.
يقول إنها اليوم لم تعد مقبولة في المؤسسات والدوائر الحكومية، ما جعله مضطراً إلى استخراج ورقة إخراج القيد كوثيقة بديلة. والتي تتطلب إحضار شاهدين، ووضع صورة شخصية عليه، ثم ختمها من دائرة النفوس المدنية.
تُصدر وثيقة إخراج القيد من أمانات السجل المدني (النفوس) أو مراكز خدمة المواطن الموجودة في مراكز المدن، ويمكن الحصول على الوثيقة بإبراز الهوية الشخصية أو الرقم الوطني، من صاحب العلاقة أو أحد أصوله وفروعه أو وكيله القانوني بموجب توكيل رسمي.
يتكرر هذا المشهد اليوم مع عدد كبير من السوريين لاسيما الذين كانوا في مناطق شمالي سوريا الخارجة عن سيطرة نظام الأسد حينها، إذ يتفاجأ كثير منهم عند مراجعة الدوائر والمؤسسات الحكومية بعدم قبول البطاقات الشخصية التي حصلوا عليها خلال سنوات إقامتهم في الشمال السوري، سواء الصادرة من حكومة الإنقاذ في إدلب أو المجالس المحلية في ريف حلب، ما يضطرهم إلى البحث عن وثائق بديلة لتسيير معاملاتهم الرسمية.
الانقسام الإداري وتعدد الجهات التي أصدرت الوثائق الشخصية في المناطق السورية الخارجة عن سيطرة نظام الأسد قبل سنوات، سببت بتعدد واختلاف البطاقات الشخصية للسكان حسب المنطقة والجهة الصادرة عنها، إذ اعتمد سكان مناطق واسعة من شمال البلاد على وثائق صادرة عن جهات محلية مختلفة لتسيير شؤونهم اليومية، بعد تعذر الوصول إلى مؤسسات الدولة والوثائق التي كانت تصدر عنها.
يصف عمر الإجراءات بأنها معقدة جداً، يقول “استغرقت المعاملة نحو خمس ساعات حتى تمكنت من استخراج وثيقة لا حكم عليه، مع وجود بطءٍ شديد في الإجراءات”. ويضيف أنها مكلفة أيضاً بالنسبة للأشخاص الذين لا يملكون دخلاً ثابتاً، يقول إنه دفع للمختار 200 ليرة تركية، أي ما يقارب 600 ليرة سورية جديدة، مقابل وضع الصورة وختمها، قبل التوجه إلى البريد في مدينة أعزاز لاستكمال معاملة لا حكم عليه والتي تتطلب حصراً هوية سورية قديمة أو إخراج قيد ساري المفعول أو جواز سفر سوري.
لا يختلف الوضع في إدلب عن ريف حلب الشمالي إذ واجه السكان أيضاً تحديات مشابهة، مصعب، 35 عاماً، وهو أحد سكان المدينة الذين يحملون بطاقة صادرة عن حكومة الإنقاذ استخرجها منذ عدة سنوات، يقول إنه استخرج البطاقة الشخصية له ولأفراد عائلته خلال السنوات الماضية، وكانت تُستخدم في إدلب لتسيير معاملاتهم خلال فترة إقامته هناك.
بدأت حكومة الإنقاذ في إدلب إصدار البطاقات الشخصية في 15 أيلول 2022، عبر 10 مراكز مستهدفة من أتموا 14 عاماً، واستخدمت البطاقة لإثبات الشخصية وتسيير المعاملات ضمن مؤسساتها، دون اعتراف دولي بها، وبحلول حزيران 2024، أصدرت نحو 693 ألف بطاقة، إلى جانب تسجيل الولادات والزواج والطلاق وبطاقات الأسرة وغيرها من الوثائق التي يحتاج إليها السكان في حياتهم اليومية.
ويقول مصعب إن بعض المؤسسات الحكومية استمرت، خلال الأشهر الأولى بعد سقوط نظام الأسد، في قبول هذه الوثائق قبل أن تتغير الإجراءات لاحقاً، ويبدأ الموظفون بطلب البطاقة الشخصية القديمة أو وثيقة إخراج القيد، ويضيف أنه استخرج وثائق إخراج قيد لكل أفراد العائلة من أجل استخدامها في المعاملات، بعد مراجعة دوائر السجل المدني.
ويرى مصعب أن الاعتماد على إخراج القيد كحل بديل لا ينهي المشكلة، لأن الوثيقة الورقية تحتاج إلى التجديد كل ثلاثة أشهر، كما أنها معرضة للتلف أو الضياع، في حين أن المواطن يحتاج إلى وثيقة شخصية ثابتة يمكنه استخدامها في تنقلاته ومعاملاته المختلفة.
تصبح المشكلة أكثر تعقيداً عند مراجعة المؤسسات الحكومية في المحافظات الأخرى لاسيما في العاصمة دمشق، يوضح مصعب أن بعض المعاملات مثل استخراج جواز السفر، تتطلب معرفة الرقم الوطني، وهذا ما لا توفره البطاقة الشخصية التي أصدرتها حكومة الإنقاذ سابقاً ولا المجالس المحلية.
يوضح المحامي عبدالله الشواخ، أن الرقم الوطني هو العنصر الأساسي الذي يميّز كل شخص عن غيره ويربطه بسجله المدني، وأن اعتماد البطاقات الصادرة عن المجالس المحلية وحكومة الإنقاذ لا يعني اعتمادها كوثائق نهائية لإثبات الشخصية، وإنما للاستفادة من البيانات التعريفية الموجودة فيها.
يقول لفوكس حلب إن معظم حاملي هذه البطاقات لديهم بيانات مسجلة أساساً في سجلات الأحوال المدنية، إلا أن البطاقات الصادرة عن المجالس المحلية في مناطق مثل أعزاز وجرابلس والباب وعفرين، وكذلك بطاقات إدلب، لم تتضمن الرقم الوطني، لذلك يُطلب من حامليها إبراز إخراج قيد للتأكد من الشخصية واستخراج الرقم الوطني منه.
ويرى الشواخ أن الحل يتمثل في تسريع إصدار بطاقات الهوية الشخصية الجديدة، خصوصاً مع فقدان أو تلف الكثير من الهويات القديمة، مؤكداً أنه لا يمكن أن يبقى المواطن مضطراً لحمل إخراج قيد كبير ومؤقت في كل معاملة، في حين يمكن للهوية الجديدة أن تكون وثيقة تعريفية عملية وثابتة تُستخدم في المؤسسات والدوائر الحكومية.
مدير دائرة الأحوال المدنية في سوريا، عبدالله العبدالله، نفى وجود موعد محدد لبدء إصدار الهويات الشخصية ودفاتر العائلة الجديدة، موضحاً أن ما يتم تداوله بشأن البدء بإصدارها اعتباراً من الشهر المقبل غير دقيق، وقال إن الدائرة تعمل على تجهيز البنية التحتية اللازمة لإصدار الوثائق الجديدة وفق معايير دولية، إلى جانب اعتماد نظام الإصدار الفوري وتقنيات التحقق الحيوي الحديثة.
إلى حين استصدار بطاقات شخصية جديدة، يجد سكان في شمال سوريا أنفسهم أمام مرحلة أخرى من التعقيدات الإدارية بين بطاقات شخصية صادرة عن جهات مختلفة، ووثائق فقدها أصحابها خلال سنوات الحرب، وإجراءات جديدة تتطلب إثباتاً رسمياً للبيانات الشخصية، وسط حاجة إلى حل يضمن الاعتراف بهوياتهم وتثبيت بياناتهم ضمن سجلات الدولة، دون تحميلهم أعباء إضافية بسبب ظروف الحرب والنزوح التي أفقدتهم وثائقهم الأصلية.
