فوكس حلب

مجلة الكترونية تغطي أخبار محافظة حلب وعموم الشمال السوري.

الكهرباء تعود إلى أجزاء من السكري.. والمولدات تخنق شرقي حلب

محمد عجم

بعد 14 عاماً من الانقطاع، بدأت الكهرباء تعود تدريجياً إلى أجزاء من حي السكري في حلب، ضمن مشروع لإعادة تأهيل الشبكة يخدم عشرات آلاف المنازل، لكن أحياء شرقية أخرى ما تزال تنتظر التغذية، فيما يواصل سكانها الاعتماد على المولدات التجارية التي أنهكت جيوبهم، وتركت أدخنتها ومخاطرها الصحية أثراً على حياتهم اليومية

وصل التيار الكهربائي إلى أجزاء من حي السكري بمدينة حلب قبل يومين، عقب استكمال أعمال تأهيل المرحلة الأولى، وماتزال أحياء شرقية في حلب تنتظر إعادة التغذية، أبرزها النيرب والميسّر والفردوس وجسر الحج، ضمن  وعود محافظة حلب بأن  خطة إعادة تأهيل الشبكات الكهربائية مستمرة للوصول إلى بقية الأحياء.

شملت أعمال التأهيل 30 مركزاً تحويلياً، وبناء 17 غرفة لمراكز التحويل الحجرية، وتركيب 450 عمود توتر منخفض، ومدّ أكثر من 22 كيلومتراً من الكابلات، لتخديم 25 ألف منزل في الحي  ضمن المشروع، إضافة إلى تأهيل شبكة التوتر المتوسط، وتركيب 150 علبة وصل كهربائية، فضلاً عن تأهيل وصيانة الخلايا الرئيسة في محطة جسر الحج المغذية للحي، ويستفيد من المشروع أكثر من 140 ألف نسمة في حي السكري ومحيطه، وفق ما أعلنته شركة الكهرباء.

المشروع بدعم من حملة حلب ست الكل، بمبلغ 5 ملايين دولار لتغذية كلاً  من أحياء السكري والعامرية والمعادي والفردوس وتل الزرازير، ويفترض أن ينتهي مع نهاية العام الحالي، حسب تصريحات سابقة لمدير الشركة العامة للكهرباء في حلب.

عبد القادر مسلاتي، مدير مكتب التشغيل في شركة الكهرباء برر التأخير في وصول الكهرباء إلى حي السكري بانتظار تأمين المعدات اللازمة للبدء بالعمل، لاسيما أن الشبكة في الحي مدمرة بشكل كامل،  وقال “حالياً نقوم بعمل مشترك بين شركة الكهرباء وحملة حلب ست الكل، وأنهينا العمل على تجهيز الشبكة لقسم من حي السكري في المرحلة الأولى وبدأنا تغذية الجزء الأول منه”.

وأضاف أنه يتم العمل على مساكن الفردوس وقد بدأت الشركة بتجهيز المراكز مدنياً وإعداد الدراسات الكهربائية للبدء بأعمال تجهيز الشبكات فور انتهاء الأعمال المدنية.

لا تتجاوز نسبة المستفيدين من الكهرباء في أحياء حلب الشرقية، وفق تقدير سكانها، 15 بالمئة من الأهالي مقابل عدد كبير من  المحرومين منها بشكل كلي حتى اليوم، موزعين على نحو عشرين حيٍ في مقدمتها الفردوس والصالحين والشيخ سعيد و وقاضي عسكر و كرم الدعدع وأجزاء غير مخدمة من حي السكري.

ودفع استمرار غياب الكهرباء عن أحياء حلب الشرقية طيلة الأعوام السابقة للاعتماد على المولدات الكهربائية التجارية للحصول على الكهرباء، والتي تتموضع بشكل عشوائي بين الأسواق والمنازل السكنية ضمن المدينة، وتسبب مخاطر صحية على السكان، نتيجة الأدخنة والغازات السامة المنبعثة من منظومات التوليد الكهربائي المنتشرة بين أبنيتهم السكنية، إضافة إلى استنزاف المشتركين مادياً بسبب دفع أجرة الاشتراك بخدمة الأمبيرات مبالغ يصفها من تحدثنا إليهم بـ “المرتفعة جداً”.

تشكو الأربعينية إيمان عمران، وهي ربة منزل وأم لثلاثة أطفال سوء حالة طفلها الصحية، ذو السنوات السبع، الذي أصيب بمرض الربو منذ سنوات، تراقبه بألم وهو يصارع نوبة الربو المعتادة، وتنتظر شقيقه الأكبر ليحضر عبوة دواء جديدة من الصيدلية المجاورة.

تسكن إيمان في غرفة ضيقة بأحد منازل حي السكري قرب ثلاث مولدات كهربائية، تقول “الدخان يعيش معنا طيلة اليوم، ويحتاج ابني كل أسبوع عبوة بخاخ، وعندما تسوء حالته يحتاج جلسة رذاذ في الصيدلية”.

تحتار إيمان بين أن تفتح النوافذ لتخفيف درجة الحرارة وتهوية المنزل وبين إغلاقها لتجنب رائحة الدخان والغازات المنبعثة من الخارج. تقول: “طفلي مصاب بمرض الربو منذ الصغر، وحذرنا الأطباء من تعرضه لأي شيء قد يهيج حالته لاسيما الدخان”.

ولم تقتصر تكلفة الاعتماد على المولدات على ما يدفعه الأهالي مقابل الاشتراك، إذ امتدت آثارها إلى صحتهم، ولا سيما الأطفال المصابين بأمراض تنفسية، يقول وحيد جيلو، طبيب صدرية مقيم في مستشفى حلب الجامعي، إن هناك تزايد بعدد جلسات الرذاذ وبخاخات الربو من المرضى خلال ساعات تشغيل المولدات الكهربائية خصوصاً في فصل الصيف، ويؤكد أن الحالات التي تأتي إلى قسم الصدرية نتيجة التعرض اليومي لدخان المولدات أو عوادم الديزل لفترات مستمرة وطويلة، وهو غالباً بسبب جزيئات كيميائية سامة ويمكن أن يؤدي التعرض المزمن لها إلى تهيج والتهاب في الشعب الهوائية وتفاقم أمراض التنفس الموجودة مسبقاً.

يضيف جيلو أن التعرض المزمن للهواء الملوث قد يرتبط بزيادة مخاطر الإصابة بأمراض تنفسية خطيرة بينها سرطان الرئة، لاسيما إن كان مصدره قريب من المنازل السكنية، وتكمن خطورة غاز أول أكسيد الكربون الناتج عنها كونه “غاز سام لا لون له ولا رائحة، خطره كبير في الأماكن المغلقة أو سيئة التهوية وخصوصاً في الأحياء الشعبية”.

يترك الهواء الملوث أثره في كل مكان، تقول إيمان “حتى قطع الملابس المنشورة تتشبع برائحته”، وتضيف أن الضجيج الدائم من أصوات المولدات الكهربائية يسبب الصداع لسكان الحي. تضيف أن اعتراض أهالٍ على وجودها بين الأبنية السكنية قد ينجح في حال وجد مكان آخر لنقلها، تخبرنا إيمان أن السكان في الحي المجاور اعترضوا على وجود المولدات قرب منازلهم، وصدر قرار بنقلها إلى مكان أبعد في حين أنه لا يوجد مكان قريب ومناسب لنقل المولدات من حيها.

الكهرباء ليست مجرد خدمة غائبة، إذ نتج عن غيابها لسنوات طويلة وجود اقتصاد بديل له تكلفة مالية وصحية وبيئية، وتحولت المولدات الكهربائية التجارية إلى خيار لا بد منه، ويقدر أهالي من حيي السكري والفردوس عدد المولدات الكبيرة الموجودة فيهما بنحو 55 مولدة منتشرة بين الأبنية السكنية.

تشكل أجرة الاشتراك للحصول على الكهرباء عبئاً على المشتركين، إذ تتراوح أجرة اشتراك أمبير واحد بين 800 و900 ليرة سورية جديدة أسبوعياً، بمعدل تشغيل سبع أو تسع ساعات يومياً يحددها المستثمر، بأوقات متقطعة بين الظهر والمساء، ويحتاج المنزل لتشغيل الأدوات الكهربائية التي تستهلك طاقة كهربائية مثل البراد والثلاجة والمروحة والغسالة اشتراك بثلاثة أمبيرات أي بتكلفة تصل إلى مايقارب 2400 ليرة سورية على الأقل أسبوعياً.

يروي ياسين بزارة، 46 عاماً، من أهالي حي السكري، أنه يدفع أسبوعياً 1600 ليرة اشتراك أمبيرين، أي ما يعادل شهرياً “أكثر من نصف مدخوله الشهري من عمله على سيارة أجرة”. متسائلاً كيف  يمكنه تحمل تكاليف المعيشة وتأمين احتياجات أسرته الأخرى.

يقول إنه رغم دفعه تلك المبالغ فهي لا تكفِ احتياجات المنزل، يوضح “تشغيل المروحة والبراد وشاحن البطارية إضافة إلى الشاشة معاً قد تقطع الكهرباء لذلك تشغل الأدوات الكهربائية وفق الاحتياج، أما تشغيل الغسالة العادية قد يحتاج إلى ثلاثة أمبيرات على الأقل”.

وفي الفترة بين الظهر والعصر تتوقف ساعات التغذية في الحي، يقول ياسين “في هذه الفترة تصبح المنازل خانقة وكذلك بعد منتصف الليل  تنقطع الكهرباء إلى ظهر اليوم التالي”.

يبرر عبد الملك الحسين، وهو صاحب مولدة في حي الفردوس، عدم تنظيم أماكن المولدات في الحي بقوله أن الأبنية عشوائية وبدون تنظيم، والمولدة يجب أن تكون قريبة من منازل المشتركين لضمان وصول الكهرباء بدون ضعف أو ضياع أو تضرر الكابلات من المسافات البعيدة، ويضيف أنه في بعض الأحيان تلعب جودة الوقود دوراً في انبعاث الأدخنة السامة وأحيانا تكون جيدة ولا تسبب أدخنة مزعجة.

بالنسبة للأسعار، يرى الحسين أنها قد تكون مكلفة للمشتركين، ولكنها بالكاد تغطي نفقة التصليح  وتعويض نقص المحروقات خصوصاً في الصيف، يقول “أغلب الأحيان نغطي النقص من السوق السوداء وبأسعار مرتفعة، ما يزيد التكلفة علينا وعلى المشتركين، وإلا فإننا  سنضطر لإطفاء المولدات والتوقف عن العمل”.

تعمل المولدات طوال اليوم بدرجات حرارة عالية، تسبب أعطالاً ميكانيكية شبه دائمة ومفاجئة لاسيما في ذروة الصيف، إضافة إلى دفع ثمن قطع الغيار والفلاتر والزيوت بالدولار، والاستلام من المشتركين بالليرة السورية، وفق الحسين، الذي أكد أن تكلفة صيانة أو تبديل محرك واحد قد تساوي ملايين الليرات بدفعة واحدة.

بالنسبة للأهالي، لا تتعلق عودة الكهرباء بمجرد إنارة المنازل وتشغيل الأجهزة، وإنما بإنهاء اعتماد طويل على الأمبيرات وما رافقه من نفقات إضافية، وضجيج وتلوث ومخاطر صحية. وبينما تواصل شركة الكهرباء أعمال التأهيل، يبقى اكتمال المشروع ووصول التغذية إلى بقية الأحياء هو الاختبار الفعلي لعودة خدمة الكهرباء إلى شرق حلب، وإنهاء سنوات من الاعتماد على حلول مؤقتة لم تعد تحتملها الأسر.