فوكس حلب

مجلة الكترونية تغطي أخبار محافظة حلب وعموم الشمال السوري.

في مسرح إدلب.. نساء يستعدن مكانهن على الخشبة وخلف الكواليس

أميمة محمد

في إدلب، تستعيد النساء حضورهن في المشهد المسرحي بعد سنوات من الغياب. غدير ونغم تخوضان تجربتهما الأولى في التمثيل، فيما تعمل هبة الله خلف الكواليس، هذه الخطوة تفتح المجال أمام مشاركة نسائية أوسع في المسرح المحلي

تجلس غدير في الصف الأمامي من مدرج المسرح في مبنى مديرية الثقافة في مدينة إدلب، تراقب المشهد الأول وتنتظر دورها. على الخشبة، يؤدي شابان دور الملك والوزير، فيما يتابع المخرج والمدرب والممثلون تفاصيل المسرحية التي تعرض ضمن فعاليات مهرجان إدلب المسرحي.

يرتدي أحد الممثلين عباءة حمراء ويضع تاجًا على رأسه، ويمسك عصًا ملكية. يجلس تارة على كرسي في منتصف الخشبة، ثم يقف ليتحدث مع وزيره، فيما تتعالى ضحكاته بما يتناسب مع المشهد الذي يتدرّب عليه.

تراقب غدير التفاصيل بدقة قبل أن يحين موعد صعودها إلى المسرح. وعلى الخشبة، ينتصب ساتر خشبي متحرك صُمم على هيئة قصر، ويمكن تغيير أجزائه ليصبح منزلًا لعائلة فقيرة، تؤدي فيه غدير دور الابنة. يقول مخرج المسرحية محمد نيربي: “إن الساتر ثبت بصورة مؤقتة بسبب ازدحام المسرح بالفعاليات خلال هذه الفترة”.

يشهد المسرح في إدلب عودة للنساء بعد غياب شبه تام خلال السنوات الماضية. تشارك شابات في التمثيل والتنظيم وورش التدريب، في ظل إمكانات محدودة وتحديات اجتماعية وثقافية ما تزال حاضرة. وتأتي هذه المشاركة ضمن نشاط مسرحي بدأ يستعيد حضوره خلال العام الأخير، مع إقامة مهرجانات وورش تدريبية بعد سنوات الحرب التي ألحقت أضرارًا كبيرة بالبنية التحتية الثقافية في المنطقة.

غدير، البالغة من العمر 19 عامًا، تخوض تجربتها الأولى في التمثيل من خلال مسرحية “الملك هو الملك”، التي تعرض ضمن فعاليات مهرجان سوريا المسرحي لعام 2026 في المركز الثقافي في مدينة إدلب. وترى غدير في مشاركتها فرصة تفتح المجال أمام مزيد من النساء للمشاركة، شرط أن تتم الأدوار ضمن ما تصفه بـ”الضوابط” التي تحترم المرأة وخصوصيتها.

مدرج مسرح المركز الثقافي في مدينة إدلب
مدرج مسرح المركز الثقافي في مدينة إدلب

تقول غدير إن المسرح يمتلك قدرة على إيصال رسائل إلى جمهور واسع بطرق يصعب تحقيقها في مجالات أخرى، مشيرة إلى أن دراستها للهندسة لم تمنعها من ممارسة هوايتها التي بدأت معها منذ الطفولة. وتضيف: “الشيء الوحيد الذي كان مرهقًا بالنسبة لي هو التدريب والبروفات أثناء فترة الامتحانات، أما ما تبقى فكان ممتعًا جدًا، والتجربة جميلة ومشجعة”.

ضمن المشهد الثاني، تخرج غدير من باب المنزل تمسك عصا خشبية في أسفلها مكنسة. تمشي ببطئ أمام منزلها المنصوب على خشبة المسرح. و تدندن بصوت خافت قبل أن تبدأ بالتحدث مع الخادم. يراقب المخرج أداءها من بعيد، وخلف الكواليس، يتولى فريق الديكور والتنظيم والتقنيات متابعة تفاصيل العرض والتنسيق مع مهندسي الصوت والإضاءة.

لا تتوقع غدير أن تمر تجربتها من دون انتقادات اجتماعية، لكنها ترى أن خوضها التجربة يستحق ذلك. تقول إن المسرحية تحاكي الواقع، “ولا يمكن أن يكون الواقع من دون وجود النساء”، معتبرة أن ظهور الممثلات على خشبة المسرح يمكن أن يكون بداية لأدوار أعمق تتناول حياة النساء اللواتي عشن الحرب والقصف والنزوح والتهجير.

وتضيف: “منذ صغري أحب أن أعبر عن مشاعري من خلال التمثيل. اكتشفت أن لدي شغفًا بهذا المجال وأحببت أن أخوض هذه التجربة الجديدة، وأتمنى أن يتشجع من خلالها بقية الفتيات اللواتي لديهن موهبة ويرغبن في تطويرها”. وترى أن التمثيل المسرحي ليس أمرًا سلبيًا، بل يمكن أن يكون “ملهمًا” عندما تقدم النساء أدوارًا تراعي خصوصيتهن والمعايير الاجتماعية المحيطة بهن.

عرض مسرحي في مسرح المركز الثقافي بمدينة إدلب
عرض مسرحي في مسرح المركز الثقافي بمدينة إدلب

نغم غراب، تشارك صديقتها غدير التجربة نفسها، واختارت خوضها التمثيل المسرحي إلى جانب صديقتها حتى لا تكون وحدها في هذه الخطوة. قبل الوقوف للمرة الأولى أمام الجمهور، شعرت نغم بمزيج من الحماس والتوتر، لكن رغبتها في تقديم الدور بصورة جيدة تغلبت على الخوف. تقول: “النقطة الأهم أن أقدم الدور بالشكل الذي يليق بالمسرحية وينال إعجاب الحضور”.

تؤدي نغم دور أم بسيطة تعمل في بيوت الناس لمساعدة زوجها وتأمين احتياجات أبنائها، وهي شخصية ترى أنها تشبه كثيرًا من النساء اللواتي اضطررن خلال سنوات الحرب إلى تحمل مسؤوليات إضافية للحفاظ على أسرهن.

تقول إن قرب الشخصية من الواقع كان أحد أسباب تعلقها بالدور، مضيفة أن حبها للمسرح وإصرارها على خوض التجربة ساهما في تغيير نظرة المحيطين بها. وتحث نغم الفتيات والنساء اللواتي يمتلكن شغفًا بالتمثيل على خوض التجربة والتعلم واكتساب الخبرة، وألا يسمحْن للخوف أو لكلام الناس بأن يحول دون تحقيق طموحاتهن.

لا يقتصر الحضور النسائي في المسرحية على التمثيل. فصديقتهنّ آية الله بركات، وهي طالبة جامعية تدرس الهندسة المدنية، اختارت العمل في الجانب الإداري ضمن فريق “مواهب المسرحي“. تعمل بركات نائباً للمدير العام في الفريق، وتتولى مهام التنظيم والتنسيق، كما تساهم في هندسة الديكور والمكياج ومتابعة شؤون أعضاء الفريق.

تقول إنها سمعت، رفقة صديقتيها غدير ونغم، عن حاجة الفريق إلى مشاركة نساء لاستكمال المشاهد المسرحية، فقررن الانضمام إليه. وبعد ذلك وُزعت الأدوار وفق ميول كل مشاركة ورغبتها. تشير هبة إلى أن التخوف كان حاضرًا في البداية، خصوصًا من الظهور أمام الجمهور ومن ردود فعل المجتمع، لكن هذا الشعور بدأ يتراجع مع الوقت، بينما ازدادت ثقتهن بأنفسهن.

وتضيف أن تشجيع المخرج كان عاملًا مهمًا في استمرارهن، خصوصًا في ظل الحاجة إلى تنمية المواهب الشابة التي حُرمت خلال سنوات الحرب من كثير من فرص التدريب والتطوير.

يقول مصطفى شحود، مدير المسارح في محافظة إدلب، إن الحركة المسرحية في إدلب “تنهض من جديد” رغم التحديات الكبيرة. ويشير إلى أن مشاركة النساء في المجال المسرحي بدأت حديثًا وتتزايد تدريجيًا، لكنها ما تزال تواجه عوائق اجتماعية وثقافية. ويلفت شحود إلى تحديات تواجه النشاط المسرحي والفرق من جانب محدودية القاعات والتجهيزات والكوادر المتخصصة.

ويضيف أن معظم الصالات المسرحية في المنطقة تضررت أو دُمّرت خلال سنوات القصف، من بينها صالة الخنساء التي خرجت من الخدمة وتحولت لاحقًا إلى مخبز. ولم يبقَ لاستضافة العروض المسرحية سوى قاعة رئيسية واحدة، هي قاعة المركز الثقافي في إدلب، التي تستقبل معظم الفعاليات المسرحية في المحافظة رغم الإقبال الجماهيري عليها.

عرض مسرحي في مسرح المركز الثقافي بمدينة إدلب
عرض مسرحي في مسرح المركز الثقافي بمدينة إدلب

وتحاول الجهات والفرق المسرحية تجاوز الصعوبات المختلفة من خلال تنظيم ورش تدريبية في التمثيل والإخراج والسينوغرافيا والمكياج المسرحي، إلى جانب ورش لكتابة النصوص المسرحية والسينمائية، تستهدف الشباب والنساء. وبحسب شحود، استقطب مهرجان إدلب المسرحي الأخير أكثر من عشرة فرق محلية، اختيرت خمسة عروض منها للمشاركة.

تأتي تجربة غدير ونغم وزملائهما في فريق مواهب في سياق أوسع عاشه المسرح السوري خلال سنوات الحرب، التي لم تقتصر آثارها على تضرر المسارح والمساحات الثقافية، بل طالت أيضًا ظروف العمل المسرحي والممارسات الفنية داخل البلاد.

على خشبة المسرح، تدربت غدير ونغم بشكل كافٍ قبل العرض ومع ذلك ما تزال المخاوف من نظرة المجتمع حاضرة، لكن الشغف يبدو أقوى. تخطو الشابتان تجربتهما الأولى بعيون تتطلع إلى مستقبل تصبح فيه النساء جزءًا أكثر حضورًا في المشهد الثقافي والفني في إدلب، بعد سنوات طويلة غاب فيها صوتهن عن خشبة المسرح.