فشلت محاولة عمر عبد الله، اسم مستعار لشاب ثلاثيني من سوريا، في الوصول إلى ألمانيا بطريقة غير نظامية، إذ احتجز في تركيا لأشهر وخُيّر بين البقاء في السجن أو العودة إلى بلده، وهو ما اختاره عائداً رفقة زوجته وأطفاله الثلاثة.
يعيش عمر مع فيروس عوز المناعة البشري HIV منذ سنوات، ويتلقى علاجه في تركيا، يقول “إصابتي جعلت التفكير في العودة إلى سوريا أشبه بالانتحار، لم أكن أعرف شيئاً عن آلية العلاج ومتابعة المتعايشين مع المرض وتوفر الدواء، إضافة لخوفي من الوصمة الاجتماعية”.
أمضى عمر، قبل عودته أياماً في البحث عن معلومات تشجعه على قرار العودة ومتابعة العلاج. دخل، على حد قوله، إلى حسابات وزارة الصحة وبرنامج مكافحة الإيدز، ولم يصل إلى أي خط ساخن يمكّنه من الاستفسار عن معلومات تهمّه وتخفف من قلقه، أو أيّ منظمة للمتعايشين مع المرض.
يخبرنا عمر أنه وصل إلى مجموعة فيسبوك للمتعايشين وحصل على أكثر معلومة مهمة بالنسبة له، وهي” وجود العلاج، وسرية البروتوكول العلاجي”. يتنهد قليلاً ثم يكمل “هنا، قررت العودة لمتابعة العلاج”.
خلال عام واحد سُجّلت في سوريا 212 إصابة جديدة، من أصل 1166 إصابة مسجلة في سوريا منذ عام 1987 إلى عام 2025، وفق بيانات المركز الوطني لمكافحة الإيدز، تؤكد وزارة الصحة توفّر العلاج والتحاليل اللازمة لهم، لكن عمر وآخرين تحدثنا إليهم يواجهون تحدياً لا يقل قسوة في تعاطي المجتمع مع المصابين، والوصمة الاجتماعية التي تلاحقهم.
يشعر عمر بأنه مواطن من الدرجة الثانية، منقوص الحقوق، وفق تعبيره،. يقول إنه منذ إصابته بالفيروس يعيش حالة رعب، وبدأ ينعزل أكثر، لرغبته بتجنّب أي صدام مع الآخرين، وجلّ ما يخشاه تعرضه للاحتجاز لدى السلطات لأي سبب كان وبالتالي انقطاعه عن العلاج. يضيف “يتحوّل الخوف لدي معظم الوقت إلى شعور بالعار سببه أحكام الآخرين على المصابين واعتبارهم آثمين”.
لم يكن الوصول والحديث إلى مصاب بفيروس نقص المناعة البشري بالأمر السهل، لكن حاجتهم للحديث عن التحديات التي يعيشونها بصمت وقلق دفعتهم للبوح لنا، متخفيين وراء أسماء مستعارة لنقل جزء من تجاربهم.
يسكت عمر أكثر من مرة أثناء حديثه، يحرك لحيته بأصابعه تارةً، وأحياناً يرفع رأسه للسّماء، كأنّه يحدث نفسه بين ما يمكنه البوح به أو التكتم عنه. يقول “منذ عودتي قبل عام، أعيش في قلق وترقب من تسريب اسمي، أو خوف من انقطاع الدواء، رغم أن رحلة العلاج تتمتع بدرجة جيدة من الخصوصية، وتعاملي مع عدد محدود من الموظفين للحصول على العلاج كل شهر”.
تلقي عمر علاجه في تركيا بشكل سري جداً جعله يشعر براحة واطمئنان، إذ يمنح المتعايش رقماً خاصاً ويتم التّواصل معه هاتفياً لمتابعة وضعه الصحي في حال انقطع المصاب عن مراجعة المركز لمدة تزيد عن ثلاثة أشهر وتقدم المراكز الصحية تحاليل وفحوصات مجانية دورية.
في سوريا بدأ عمر علاجه قبل ستة أشهر. يقول إنه يحتاج إلى تحاليل دورية وفحوصات ضرورية لمتابعة وضعه الصحي، ومراقبة الأعراض الجانبيّة للدواء، إذ يحتاج المريض متابعة الآثار المحتملة لعلاج الفيروس وإجراء تحاليل و فحوصات لوظائف الكبد والكلى والقلب، وفحص شامل للغدد وتصوير للعظام. إضافة إلى تحليل الحمل الفيروسي وتحليل المناعة، وهما متوفران فقط في دمشق، أما باقي المحافظات فيضطر المتعايش إلى تحمل مشقة وتكاليف الذهاب إلى العاصمة.
مدير البرنامج الوطني لمكافحة الإيدز عمر أبو النعاج، يؤكد لفوكس حلب أن البرنامج يوفر تحاليل التقييم والمتابعة لمعرفة مدى الاستجابة للأدوية والعلاج، وهي تحليل اختبار الحمل الفيروسي، وتحليل CD4 لقياس مناعة المريض قبل العلاج، موضحاً أنها موجودة في دمشق وبشكل مجاني، أما في باقي المحافظات فقد تم الإيعاز إلى رئيس برنامج مكافحة الإيدز للاتصال مع المرضى وتحديد يوم لقطف العينات وإرسالها إلى دمشق مشيراً أنه وخلال الفترة القادمة سيتم تأمين أجهزة لجميع المحافظات بحيث يجرى الاختبار في المحافظة نفسها.
ويضيف أن معظم المحافظات أرسلت عينات من بينها حماه وحمص وطرطوس واللاذقية، وفي ريف دمشق افتتح مخبر للتحاليل قبل أيام، أما في دير الزور فقد طلب مدير البرنامج الوطني من مديرية الصحة تأمين مكان لافتتاح مخبر وعند جاهزية المكان سيتم تقديم الأجهزة ومباشرة العمل.
وعن مخاوف المتعايشين من انقطاع الدواء وتوقف علاجهم يؤكد أبو نعاج أن البروتوكول العلاجي متوفر في برنامج مكافحة الإيدز ولا يشكو من أي حالة انقطاع، وفي حال حدوث مقاومة للأدوية هناك بروتوكولات علاجية بديلة متوفرة في وزارة الصحة.
تأسس البرنامج الوطني لمكافحة الإيدز، عام 1987، ويعمل على تنفيذ برامج الوقاية والعلاج والتوعية والتثقيف الصحي، إضافة إلى تقديم خدمات المشورة والفحص الطوعي والعلاج المجاني للمتعايشين مع الفيروس.
الالتزام بالعلاج يمكّن المصابين من التعايش مع الفيروس بشكل طبيعي، وقد تنخفض نسبته إلى غير مقروءة في الدّم، وهي مرحلة يتعايش فيها المصاب مع الفيروس ولا يمكن نقله إلى الآخرين سواء عن طريق العلاقة الجنسية أو بالطرق الأخرى. يقول عمر إن “التعايش مع فيروس الإيدز أسهل من التّعايش مع مرض السّكر طبياً، ولكنه أصعب من الإصابة بمرض السرطان على الصعيد النفسي والاجتماعي”. يشير أبو النعاج إلى أن الوصمة والتمييز ضمن المؤسسات الصحية تمنع بعض الأفراد من الحصول على الرعاية الصحية، وهي أحد التحديات التي تواجه البرنامج.
بعد سبعة أعوام من العلاج في سوريا تمكن حاتم، 35 عاماً، وهو اسم مستعار حفاظاً على خصوصية الحالة، من السيطرة على الفيروس والتحضير لخطبته الفترة المقبلة. يقول “أصبح الفيروس تقريباً غير مقروء في الدّم، وبحسب تعليمات الطبيب المسؤول عن علاجي في البرنامج الوطني لمكافحة الإيدز يمكنني الزواج والإنجاب بشكل آمن. ولا يوجد أي مخاطر أو احتمال لانتقال المرض إلى الزوجة أو الأطفال، مع ضرورة متابعة العلاج والالتزام به”.
تؤكد منظمة الصحة العالمية أن الأشخاص الذين يعيشون مع فيروس نقص المناعة البشرية ولديهم حمولة فيروسية غير قابلة للكشف، باستخدام أي اختبار وعينة معتمدة من المنظمة والذين يتناولون العلاج بمضادات الفيروسات القهقرية، ليس لديهم أي خطر لنقل الفيروس إلى شركائهم الجنسيين.
أما الأشخاص الذين لديهم حمل فيروسي منخفض إلى أقل من 1000 نسخة / مل، لكنه ما يزال قابلاً للكشف، يشكلون خطراً ضئيلاً أو معدوماً لنقل الفيروس إلى شركائهم، طالما أنهم ما زالوا يتناولون العلاج كما هو موصوف.
لم تحد هذه الأرقام والدراسات من التمييز والوصم الاجتماعي الذي يتعرض له المتعايشون ويجعلهم في حالة نفسية صعبة تؤثر على حياتهم الاجتماعية فيرفضون البوح ويفضلون السرية في العلاج.
يتفق خالد، اسم مستعار، 40 عاماً، الذي تعرض للعدوى بسبب عمله في القطاع الطبي في إحدى دول الخليج، وتم ترحيله فوراّ بعد اكتشاف إصابته، بـ “أنّ الوصمة الاجتماعية هي الأصعب بالنسبة للمرض، وهذه المشكلة تفاقمت بسبب المسلسلات الدرامية التي بالغت جداً في تصوير المرض على أنه نهاية للحياة، الأمر الذي جعل المصابين المحتملين يتهربون من الفحص، ويعيشون ربما لسنوات في وهم الإصابة”.
تزوج خالد بعد إصابته بالفيروس، ويعيش حياته الزوجية بشكل طبيعي، دون أن تلتقط زوجته العدوى، مع حصولها على العلاج الوقائي المقدم من البرنامج الوطني ، يقول إن خطوة الزواج كانت نتيجة الالتزام بخطة العلاج وبروتوكول وزارة الصحة السورية، إلى أن وصل الفيروس إلى مرحلة غير المقروء.
وفي الوقت الذي عاد خالد إلى سوريا وبدء رحلة علاجه، ترفض الأربعينية نادين، اسم مستعار، لسيدة سورية تعيش في ألمانيا، متعايشة مع فيروس نقص المناعة المكتسب منذ عشرة أعوام، العودة.
تعمل نادين متطوعة في منظمة إنسانية، تقول إنها لا تفكر في العودة إلى سوريا إطلاقاً، فالضرر الذي يترتب على النّساء المصابات أكثر من الرجال لاسيما اللواتي لا يمتلكن حرية التنقل والحركة للوصول إلى دمشق لإجراء التحاليل وتلقي العلاج، بالتّالي يمكن أن يعشن لسنوات في وهم المرض، أو يحملن المرض فعلاً، وينقلنه إلى أطفالهن، عن طريق الحمل والإرضاع دون الجرأة على الذهاب والفحص والتأكد.
خلال اتصالنا معها عبر تطبيق Whats app، أكدت أن المتعايشين السوريين في الخارج يحصلون على معلومات تتعلق بالفيروس والعلاج عن طريق الإنترنت، وترجع ذلك إلى ضعف الخدمات الرسمية وعلى رأسها غياب الخط الساخن المخصص للاستفسار حول المرض.
غياب الخط الساخن وسرية البحث وعدم سهولة الوصول لتلقي العلاج ليست التحديات الوحيدة التي تواجه المتعايشين في سوريا، إذ يجمع من تحدثنا إليهم من أن عدم وجود عيادات تخصصية في محافظاتهم تستقبلهم وتقدم لهم خدمات صحية مثل العيادة الداخلية أو السنية يزيد من سوء حالتهم الصحية.
في دمشق أعادت وزارة الصحة افتتاح عيادة سنية للمتعايشين بعد توقفها لعدة سنوات، يقول حاتم إنه يواجه صعوبة ومشقة في الذهاب إليها لمتابعة علاجه فضلاً عن التكاليف المادية.
بدوره يؤكد أبو النعاج أن هناك تعميم صادر عن وزير الصحة، قبل شهرين، لاستقبال جميع المتعايشين، في عيادات ضمن المستشفيات العامة التابعة لمديريات الصحّة. وتقديم جميع الخدمات لهم. ويضيف “يوجد طبيب مسؤول عن برنامج الإيدز في كل محافظة يمكن للمتعايشين التّواصل معه بشكل مباشر في أي وقت، ضمن أوقات الدّوام، أو خارجه، ويمكن أيضاً للمتعايشين التّواصل معه مباشرة في حال ضعف الاستجابة أو للشكاوى”.
وفي رده على المعلومات المتداولة حول ارتفاع حالات الإصابة في سوريا العام الماضي، قال “سُجلت 212 إصابة جديدة العام الماضي بسبب عودة مواطنين سوريين كانوا يتلقون العلاج خارج البلاد، مؤكداً أن الأرقام المتداولة (1538 إصابة منذ 1990) هي أرقام تراكمية للمرضى الأحياء وليست إصابات مكتشفة في سنة واحدة فقط، مشيراً إلى أن الاختبارات السريعة للإيدز تتوفر في جميع المحافظات وهي سهلة الاستخدام ولا تتطلب أجهزة معقدة”.
وما تزال سوريا، بحسب أبو النعاج، ضمن الدول الأقل انتشارا للمرض قياساً بالدول المحيطة، وبحسب بيانات البرنامج، بلغ العدد التراكمي للإصابات المسجلة بين السوريين منذ عام 1987 وحتى عام 2025 نحو 1166 إصابة، سُجلت منها نحو 352 حالة وفاة مرتبطة بالمرض خلال الفترة نفسها.
وتعتمد آليات الرصد بشكل رئيس على عيادات ما قبل الزواج وبنوك الدم والمسوحات التي تقوم بها الوزارة لبعض الفئات الأكثر عرضة للإصابة، ويتم التعامل مع الحالات بمهنية مع مراعاة السرية التامة، مرجعاً الإقبال على التسجيل وتلقي العلاج إلى تحسن آليات الرصد وبناء الثقة مع المصابين بعد أن تأكدوا من توفر الخدمات وضمان السرية والخصوصية. يضيف أبو النعاج “تمّت متابعة 160 مريضاً، أظهرت نتائج تحاليل 96 بالمئة منهم استجابة جيدة جداً للعلاج”.
وتنشط جمعية مناعة لمكافحة الإيدز، لدعم المتعايشين مع الفيروس، وبحسب أنس حبيب المدير التنفيذي للجمعية، يتم دمج المتعايشين ضمن أعضاء الهيئة العامة للجمعية و العاملين فيها، وترحب الجمعية بأي متطوع من المتعايشين الرّاغبين بالانتساب إليها.
وتقتصر أنشطة الجمعية حديثة العهد في سورية، على تنفيذ جلسات توعية حول فيروس نقص المناعة البشري و طرق انتقاله والوقاية منه، وتقديم محتوى رقمي نوعي عبر حسابات الجمعية على مواقع التواصل الاجتماعي، بحسب أنس الذي قال إن الجمعية بصدد وضع خط ساخن للاستجابة مع المرضى وغيرهم.
وبحسب منظمة الصحة العالمية يعيش نحو 40.8 مليون شخص مع فيروس نقص المناعة البشرية حول العالم، فيما تتيح العلاجات الحديثة للمصابين حياة طبيعية مع خفض خطر انتقال العدوى إلى مستويات شبه معدومة عند الالتزام بالعلاج. لكن بالنسبة لعمر وخالد وحاتم، لم يعد التحدي الأكبر هو الفيروس نفسه، بل الخوف من أن تُعرف إصابتهم ويحد ذلك من عيشهم مثل أي إنسان آخر.
