لم يتمكن ماهر جرير، 37 عاماً، وهو أحد سكان مدينة أعزاز في ريف حلب الشمالي من نقل وتثبيت ملكية منزل قد اشتراه قبل أربعة أشهر من العام الجاري، بعد عودة تطبيق قانون الترخيص الحدودي في المدينة.
في الحادي عشر من حزيران الفائت صدر تعميم شفوي أوقف معاملات نقل وتثبيت ملكية العقارات ضمن منطقة أعزاز، واشترطت مديرية المصالح العقارية بالتنسيق مع عدلية حلب إبراز الترخيص الحدودي قبل تسجيل الدعاوى المدنية المتعلقة بالعقارات.
يعود العمل بالترخيص الحدودي إلى القانون رقم 41 لعام 2004 الذي تم تعديله عام 2008 وفق المرسوم التشريعي رقم 49، والذي وسع نطاق تطبيق القانون ليشمل جميع العقارات الواقعة ضمن المناطق الحدودية سواء كانت داخل المخططات التنظيمية أو خارجها، لاحقاً في 2011 تم استثناء العقارات الواقعة داخل المخططات التنظيمية مجدداً وفق التعديل بالمرسوم التشريعي رقم 43 .
الخوف من ضياع الحقوق القانونية في تثبيت ملكية المنزل دفعت ماهر الذي ادخر ثمن منزله لسنوات، لاستشارة محام نصحه بـ “التريث قليلاً كي تتضح الخطوات القانونية والجهة المخولة بإصدار هذا الترخيص”.
حالة جدلٍ واعتراضات واسعة أثارها تطبيق قانون الترخيص الحدودي، بسبب توقف معاملات البيع وتأثيره على حقوق الملكية، والذي يفرض قيوداً على نقل ملكية العقارات أو بيعها أو شرائها ضمن المناطق القريبة من الحدود.
ويرى محامون تحدثنا إليهم أن تطبيق الترخيص الحدودي قد يقيد حقوق الملكية الخاصة و يهدد بشلل الحركة العقارية والاستثمارية في أعزاز، التي استقبلت مئات آلاف المهجرين والنازحين خلال سنوات الثورة، وكثيرٌ منهم اشتروا منازل وأراض وأقاموا عليها مشاريع سكنية وتجارية، ما دفعهم إلى تعليق الترافع في القضايا لعدة أيام احتجاجاً على هذا التعميم إثر تبليغهم القرار.
يوضح المحامي محمد الأحمد، أحد محامي المنطقة، بداية ظهور الإشكاليات المرتبطة بالدعاوى العقارية التي تعود إلى شهر تشرين الأول من عام 2025 عندما شرعت محكمة البداية بتطبيق قانون ضريبة البيوع العقارية، والذي يفرض ضريبة بنسبة 1 بالمئة على العقارات السكنية في أعزاز مشترطةً إبراز بيان بالقيمة الرائجة للعقار قبل تسجيل دعوى تثبيت البيع.
ويؤكد الأحمد أن استخراج هذا البيان يتخلله العديد من الصعوبات أبرزها عدم تفعيل دائرة المالية في أعزاز، والذي بررته مديرية مالية حلب بعدم توفر عدد كافٍ من الموظفين لإجراء الكشوفات اللازمة وتقدير القيمة الرائجة للعقارات في المنطقة، وعلى إثر ذلك قبلت المحكمة تسجيل الدعاوى وإصدار الأحكام لكنها علقت تسليم النسخة التنفيذية إلى حين استكمال الذمة المالية.
ويضيف الأحمد أن من شروط الترخيص الحدودي الحصول على موافقة أمنية وإدارية قبل التصرف بأي عقار في المناطق الحدودية السورية، مثل نقل الملكية والبيع، والذي بدوره يصدر من وزارة الداخلية عبر اقتراح من وزارة الزراعة وموافقة وزارة الدفاع، مع مراعاة اختلاف المساحة التي تحدد المنطقة على أنها حدودية من محافظة إلى أخرى والتي لا تقل عن 25 كيلو متر مربع.
يقول الأحمد إن تطبيق هذا الإجراء توقف خلال سنوات الثورة في مناطق الشمال السوري الخارجة عن سيطرة نظام الأسد نتيجة غياب المؤسسات الحكومية المخولة بإصداره، إلا أن هذا الملف عاد إلى الواجهة بعد عودة المؤسسات الحكومية إلى المنطقة و تم اعتباره شرطاً في العديد من المعاملات العقارية أبرزها البيع أو نقل الملكية أو الإيجار لمدة تفوق الثلاث سنوات في منطقة أعزاز.
ويخضع الترخيص الحدودي لسلسلة من الموافقات، الهدف منها ضبط حرية التملك في المناطق الحدودية وحماية، ما تعتبره الدولة، مناطق ذات حساسية أمنية، وبحسب نقابة المحامين فإن الهدف من الترخيص هو أمني بالدرجة الأولى.
وأضافت نقابة المحامين أن عدم وجود جهة محلية معنية بإصدار الترخيص وعدم وضوح خطوات إصداره ووضوح الإجراءات والمدة التي يستغرقها استصداره شكلت جدلاً واسعاً، وتسببت بوقف حركتي البيع والشراء في منطقة يعتمد جزء كبير من اقتصادها على بيع وشراء العقارات، والذي قد يعطل مصالح المواطنين ويعيق تثبيت الحقوق الناشئة عن العقود.
ويطالب الأحمد وعدد من محامي المنطقة اليوم، بالتراجع عن التعميم والسماح باستمرار تسجيل الدعاوى العقارية وفق الآلية السابقة، إلى جانب إشراك ممثلي الأسرة القانونية في القرارات التي تمس حقوق المتقاضين وحركة السوق العقارية.
في الوقت الذي خصت فيه مدينة أعزاز بضرورة تطبيق الترخيص الحدودي نجد مناطق حدودية مجاورة مثل عفرين، لا يشترط تقديم البيان المالي ولا الحصول على الترخيص قبل تسجيل الدعاوى فيها، ما أثار الاستياء بين السكان والأوساط القانونية، ويرجح الأحمد أن يكون هذا الشرط اجتهاداً شخصياً دون تعميم رسمي لتطبيق القانون في الشمال السوري.
من جانبه، أوضح أحمد أبو معاوية، مدير المكتب الإعلامي لوزارة العدل في محافظة حلب، أن قانون الترخيص الحدودي ليس جديداً، وإنما كان متوقفاً عن التطبيق بسبب الظروف التي شهدتها المنطقة قائلاً “إن عودة دوائر الدولة للعمل ضمن الشمال السوري يفترض معها عودة القوانين السارية ضمن بقية المناطق بشكل طبيعي”.
وأضاف أن إعادة العمل بالترخيص جاء بالتنسيق بين وزارات العدل والداخلية والدفاع، بهدف تمكين الدولة من متابعة حركة انتقال الملكية في المناطق الحدودية لأسباب أمنية. إذ يتعين على المواطنين الراغبين بإتمام معاملاتهم مراجعة مديرية المصالح العقارية في حلب كخطوة أولى، لافتاً إلى أن بعض العقارات الواقعة خارج المخططات التنظيمية قد تترتب عليها رسوم أو ضرائب مرتفعة.
تطبيق القرار أثر بشكل مباشر على سوق العقارات في المنطقة، يقول أديب عشاوي، مالك شركة وساطة عقارية في أعزاز “انخفضت حركة البيع بنحو 70 بالمئة، وعدد كبير من المشترين لم يتمكنوا من نقل الملكية إليهم بعدما أكملوا عملية الشراء قبل صدور التعميم”.
وأضاف أن القرار انعكس أيضاً على شركات الإنشاء وأصحاب المجمعات السكنية الذين باتوا يواجهون صعوبة في بيع الشقق الجديدة مع عدم وضوح تطبيق آلية الترخيص ولا سيما بالنسبة للعقارات الواقعة خارج المخططات التنظيمية التي ما يزال مصيرها مجهولاً حتى الآن”.
رغم أن وزارة الإدارة المحلية والبيئة أصدرت القرار الوزاري رقم 26/ن، لإعادة تفعيل الخدمات العقارية بالكامل وتوثيق الحقوق في مناطق منبج وأعزاز والأتارب بريف حلب، مطلع شهر تموز الجاري، إلا أن هذا القرار لم يغير شيئاً من الوضع في أعزاز.
وحسب المقترح، يتضمن القرار إنهاء العمل بالسجلات اليومية المكملة السابقة في المناطق الثلاث، ونقل محتوياتها وتثبيتها رسمياً في الصحائف العقارية الأساسية، تمهيداً لافتتاح السجل اليومي الأساسي واستئناف الحركة العقارية القانونية وفق آلية منظمة ومضمونة، واستئناف معاملات البيع والشراء ونقل الملكية بصورة رسمية وقانونية.
يرى المحامي ياسر بكور أن هذا القرار الخاص بإعادة تفعيل الخدمات العقارية لم يعالج جوهر المشكلة المرتبطة بالترخيص الحدودي، ولا يدخل ضمن صلاحيات وزارة الإدارة المحلية أو مديريات المصالح العقارية. موضحاً أن إجراءات الترخيص الحدودي مرتبطة بموافقات أمنية وإدارية تصدر عبر جهات مركزية ذات صلة بوزارات الدفاع والداخلية في حين تتبع المسائل الضريبية والمالية لوزارة المالية.
ويضيف بكور أن إعادة تفعيل السجلات والخدمات العقارية لا تعني بالضرورة حل إشكالية الترخيص الحدودي ما لم تُحدد جهة واضحة لإصداره وآلية تنفيذية معتمدة تتيح للمواطنين استكمال معاملاتهم العقارية.
ينتظر ماهر اليوم وكثير من أصحاب العقارات والأملاك في أعزاز اتضاح آلية إصدار الترخيص والتكاليف والجهة المخولة لنقل وتثبيت الملكيات وسط تخوف من أن تستغرق المعاملات وقتاً طويلاً أو أن تترتب عليها رسوم إضافية.
