يغرس خالد الغازي معوله في حقله ببلدة سفوهن جنوبي إدلب، محاولاً أن يجرّ قليلاً من تراب الساتر الترابي الذي يقسم أرضه إلى قسمين. يتناثر التراب تحت قدميه، فيتوقف لحظة، ينظر إليه، ويمسح العرق عن جبينه، ثم يتابع، رغم إدراكه أن جهده اليدوي لن يعيد إلى أرضه ما فقدته بعد تجريف التربة لإنشاء سواتر وخنادق عسكرية على امتداد خطوط التماس السابقة. فقد كانت الأرض يوماً بستاناً يضم عشرات أشجار الزيتون والتين، ولم يبقَ منها اليوم سوى طبقة صخرية يصعب استصلاحها.
عاد الغازي إلى بلدته قبل نحو عام ونصف العام، بعد سنوات من النزوح، ليجد أرضه التي تمتد على مساحة ستة دونمات خالية من الأشجار. يخبرنا أن ما يواجهه لا يختلف كثيراً عن حال مئات المزارعين العائدين إلى قرى وبلدات ريف إدلب الجنوبي، فتلك السواتر الترابية والخنادق التي خلفتها سنوات الحرب تحول دون استعادة مزارعي المنطقة للنشاط الزراعي في أراضيهم، فقد جُرفت التربة الزراعية من مساحات واسعة لإنشاء تحصينات عسكرية تفصل بين مناطق سيطرة قوات الأسد والفصائل المعارضة آنذاك، لتبقى الحقول خارج الإنتاج، وتصير الحركة بينها خطرة بسبب انتشار الحفر ومخلفات الحرب التي تعرقل استصلاحها وإعادتها إلى الخدمة.
يقول الغازي: “خلال الموسمين الماضيين لم نستطع الاستفادة من أراضينا، فحركة الآليات الزراعية، والوصول إلى بعض الحقول أصبح يحتاج التفافًا طويلًا أو عبور سواتر مرتفعة”. تنتشر هذه السواتر والخنادق في محيط بلدات سفوهن وحزارين والفطيرة وكوكبا وفليفل وغيرها من القرى التي كانت ملاصقة لخطوط التماس السابقة، وتقطع الأراضي الزراعية وتعزل أجزاء واسعة منها، وتحد من قدرة أصحابها على حراثتها أو إعادة تشجيرها أو حتى التنقل بينها.

تمتد المشكلة من فقدان التربة إلى تكلفة استصلاح ما تبقى منها. فالمزارعون يضطرون إلى استئجار آلية تعرف محلياً باسم “النغل” لفتح ممرات بين الأراضي أو تسوية أجزاء من السواتر، بكلفة تصل إلى أربعين دولاراً في الساعة، وهو مبلغ يفوق قدرة كثير من العائلات التي أنهكها النزوح.
يقول محمد الرضوان، وهو مزارع من سفوهن: “أزور أرضي بين الحين والآخر، أنظر إليها بحسرة ثم أعود. ما دامت السواتر موجودة فالأرض بالنسبة لنا ميتة ولا يمكن زراعتها”. يضيف أنه حاول زراعة القمح هذا الموسم، لكن الأرض التي فقدت طبيعتها الزراعية تحولت إلى ما يشبه المستنقع، فغرقت البذار تحت مياه الأمطار ولم تنبت، وهو ما دفع مزارعون إلى التخلي عن زراعة القمح والشعير خلال الموسم.
آثار التجريف ليست المشكلة الوحيدة التي تواجه السكان، إذ تنتشر خنادق يتجاوز طول بعضها أربعين متراً، إضافة إلى حفر دفاعية محلية تعرف باسم “الدشم” يصل عمق بعضها إلى نحو ثلاثين متراً، ولا تزال مفتوحة حتى بعد عودة الحياة للقرى ولبعض حقولها. ويخشى المزارعون ورعاة الأغنام الاقتراب منها، ليس فقط بسبب خطر السقوط، وإنما أيضاً لاحتمال وجود ألغام أو ذخائر غير منفجرة في محيطها، ما يجعل محاولة ردمها بجهود فردية مخاطرة حقيقية.
يروي زياد حشاش، وهو صاحب جرار زراعي من بلدة حزارين، كيف تحولت هذه الحفر إلى تهديد دائم لعمله، قائلاً: “كنت أحرث أرضاً في منطقة الصحن ولم ألاحظ حفرة غطاها العشب، فسقطت مقدمة الجرار داخلها. احتجنا إلى تركس لإخراجه، وكلفني إصلاحه نحو ستمائة دولار”.
يضيف أن معظم الأهالي لا يملكون القدرة على تحمل نفقات إزالة السواتر أو ردم الخنادق، إذ تتراوح أجرة الآليات بين أربعين وخمسة وأربعين دولاراً في الساعة. ويستذكر حادثة أخرى وقعت حين اختفى طفل لساعات قبل أن يعثر عليه الأهالي عالقاً داخل أحد الخنادق القريبة من المنازل، وقد حال شبك حديدي دون سقوطه إلى القاع، قبل أن يُنقل إلى المستشفى ويتلقى العلاج ليومين.

بحسب تقديرات وزارة الزراعة فإن ما بين 14 و18 بالمئة من الأراضي الزراعية الواقعة في مناطق الاشتباك السابقة والمناطق المحاذية لخطوط التماس تعرضت لأضرار مباشرة. وفي محاولة لمعالجة هذه الآثار، بدأت مديرية الزراعة في إدلب منذ حزيران 2025 تنفيذ برنامج لإزالة السواتر الترابية وردم الخنادق بالتنسيق مع مؤسسة الدفاع المدني ووزارة الدفاع، بعد إجراء مسح للمناطق المتضررة عن طريق رؤساء الكتل ومدراء المناطق.
تقول المديرية إن الأعمال شملت إزالة سواتر بطول يقارب ألف كيلومتر على جوانب الطرق وداخل الأراضي الزراعية والنقاط التركية والمواقع العسكرية السابقة، بما يعادل نحو مليون متر مكعب من الأتربة، واستفاد من عملية الاستصلاح هذه قرابة تسعمائة مزارع.
وتشير المديرية أيضاً إلى أن هذه الأعمال لم تخلُ من المخاطر بالرغم من أخذهم الاحتياطات كافة، إذ تعرضت إحدى الآليات لانفجار لغم في قرية آفس، ما أدى إلى تضررها دون إصابة سائقها، ثم انفجر لغم آخر في الآلية نفسها بعد إصلاحها أثناء عملها قرب الطريق الدولي دمشق، حلب بين بلدة آفس ومدينة سراقب بريف إدلب الجنوبي الشرقي ما يعكس حجم التحديات التي تواجه فرق إزالة السواتر.
يطالب مزارعون التقيناهم في بلدة سفوهن والقرى المجاورة بريف إدلب الجنوبي بتكثيف الجهود لإزالة ما يعيق وصولهم لأراضيهم التي ماتزال خارج الإنتاج، فآثار المشاريع المنفذة لم تصل بعد إلى مناطقهم، وما تزال السواتر والخنادق تقطع الحقول ومازالوا عاجزين عن استعادة نشاطها الزراعي.
