ما إن سمع عدنان موسى بخبر انسحاب القوات التركية من النقطة العسكرية في قريته باصلحايا، التابعة لمنطقة عفرين شمال غربي حلب، يوم الاثنين الماضي، حتى توجّه إلى منزله الذي لم يره منذ آذار 2018. استقدم جراراً زراعياً ومقطورة لإزالة القمامة والأتربة المتراكمة داخله، بعدما وجده لا يزال قائماً.
توجه أهالٍ من القرية لتفقد منازلهم، إلا أن حجم الدمار خيب آمالهم. فمن أصل نحو 430 منزلاً في باصلحايا عند نزوح سكانها عام 2018، وجد الأهالي قرابة 100 منزل مدمّر بالكامل، إضافة إلى 150 تضررت بشكل جزئي.
خلال ثماني سنوات من النزوح، تنقّل موسى بين مناطق ريف حلب الشمالي، قبل أن يستقر خلال العامين الأخيرين في مدينة عفرين. وبعد سقوط نظام الأسد، حاول مراراً زيارة منزله، إلا أن الجنود الأتراك كانوا يمنعونه وأبناءه من الاقتراب منه.
فوجئ موسى بحجم الدمار وكمية الأوساخ في منزله ومنازل أبنائه المجاورة. وأكد أن إزالة الأنقاض وفتح الطرق المؤدية إلى منازل القرية تحتاج إلى أيام من العمل، مشيراً إلى استحالة العودة للسكن وسط هذا الخراب.

في أحد شوارع القرية المدمرة، التي كانت ساحة للقتال عام 2018، وقف لقمان شبابو، وهو رجل ستيني، ينظف بوابة منزله. أوضح شبابو لفوكس حلب أن الإقامة في القرية كانت ممنوعة سابقاً، وأن زيارات الأهالي اقتصرت على تفقد المنازل البعيدة عن القاعدة التركية فقط.
عاد شبابو بعد انسحاب القوات التركية ليكتشف تعرّض محتويات منزله للسرقة، مؤكداً أن الأبواب والنوافذ وأدوات حراثة الأراضي ومستلزمات الآبار جميعها سرقت.
في منزل قريب، كان محمد رشيد يتفقد بيته الذي نهبت محتوياته بالكامل، بما في ذلك الأثاث والأبواب والنوافذ والتمديدات الكهربائية، ما جعله غير صالح للسكن.
أشار رشيد لفوكس حلب إلى أن الأهالي لم يجرؤوا سابقاً على القدوم بسبب وجود القاعدة التركية، لافتاً إلى أن إعادة تأهيل منزله تتطلب مبالغ لا يملكها حالياً، خاصة في ظل توقفه عن العمل وصعوبة وضعه المادي.
مصطفى موسى، أحد أبناء قرية باصلحايا قال لفوكس حلب إن عدد منازل القرية بلغ عام 2018 نحو 430 منزلاً، وكان يقطنها قرابة ثلاثة آلاف نسمة نزحوا جميعاً إبّان معركة غصن الزيتون..
وبحسب موسى، خلّفت المعارك بين القوات التركية وفصائل الجيش الوطني من جهة، وقوات سوريا الديمقراطية من جهة أخرى، دماراً واسعاً في القرية. وبلغ عدد المنازل المدمرة بالكامل نحو 100 منزل، فيما تضرر 150 منزلاً بشكل جزئي، كما نُهبت معظم محتويات البيوت.

أنشأ الجيش التركي عدة قواعد عسكرية في ريف عفرين، عقب دخوله المنطقة عام 2018، فيما حُوّلت قرى كاملة إلى قواعد مُنع المدنيون من الإقامة فيها أو حتى تفقد منازلهم.
بعد انسحاب القوات التركية من قاعدة باصلحايا، ما تزال هنالك اليوم أربع قواعد عسكرية في ريف عفرين، الأولى في قرية درويش بناحية راجو، والثانية في قرية الجبلية بناحية معبطلي، والثالثة في شيخ خورزة بناحية بلبل، والرابعة في جلبل بمنطقة عفرين.
يقول حسن خليل، من أهالي قرية درويش بناحية راجو، إن السكان غادروا منازلهم في آذار 2018، بعد اشتداد المعارك وتمركز عناصر من قوات سوريا الديمقراطية داخل البيوت. ولجأ الأهالي حينها إلى مدينة عفرين، قبل أن يمنعهم الجنود الأتراك لاحقاً من دخول القرية، ما بدّد آمالهم بالعودة والاستقرار فيها.
وفي عام 2022، حاول خليل دخول قريته رفقة عائلته، وتحدث إلى الضابط التركي المسؤول عبر مترجم القاعدة، فسمح له بالدخول بمفرده، بينما مُنعت عائلته من دخول القرية وتفقد المنزل. ومنذ ذلك الحين، لم تتمكن من زيارته.

أما محمد رشو، المهجّر من قرية شيخ خورزة فوقاني بناحية بلبل، فيقول إنه تنقل بين نحو 10 منازل وخيام في مدينة حلب وريفها منذ نزوحه عام 2018. وبعد سقوط نظام الأسد، عاد إلى عفرين أملاً في الرجوع إلى منزله، لكنه ما يزال ينتظر من دون أفق قريب للعودة.
ويحرص رشو بين الحين والآخر على المرور بالقرب من قريته، علّه يتمكن من رؤية منزله، إلا أن ما يراه من بعيد لا يتجاوز مشهد المنازل المدمرة والآليات التي تنقل محتويات المنازل إلى أماكن مجهولة.
كشفت عودة الأهالي إلى باصلحايا حجم الدمار الذي طال منازلهم بعد سنوات من تحويلها إلى ثكنة عسكرية، ومع بقاء أربع قواعد أخرى في ريف عفرين، ينتظر آلاف المهجرين إخلاء قراهم وتأمين الخدمات الأساسية ليتمكنوا من العودة.
