في الثالث عشر من كانون الثاني/ يناير 1996، كانت صرختي الأولى على وشك أن تكون آخر ما تسمعه أمي. قاومتُ الخروج من رحمها ثماني ساعات، وبينما كان جسدي يصل إلى العالم، كان جسدها يبتعد عنه. تقول إنها رأت، في تلك اللحظة، سماء شديدة الصفاء. ثم، عندما صرختُ، تنفستْ مجدداً، كأن صوتي بلغها في مكان آخر، فعرفتني وعادت. كيف ميّزت صوتي؟ وهل تصل أصواتنا، أحياناً، إلى عوالم لا نعرفها؟ منذ ذلك اليوم، ظل سؤال الألم يرافقني: لماذا تحمّلت أمي كل هذا؟ ولماذا بدأت حياتي بأن تسببتُ لها بكل هذا الألم؟
كبرتُ وأنا أحمل آثاراً صغيرة لا أعرف كيف أرويها. أصيبت عيني اليسرى بقصر نظر في طفولتي بسبب جدري الماء. لا أتذكر الألم نفسه، لكنني أعيش أثره في الغباش الذي أراه، وفي الألوان التي لا أراها. بعد ذلك بسنتين، حدث ما نسمّيه في البيت: «انقلاب المعدة». كان الكبار يربطونه بعادتي في إبقاء قدميّ مرفوعتين لساعات. كنت أحب أن أرى العالم مقلوباً، لكن الجسد، كما يبدو، لا ينسى عبثنا به بسهولة.
لوقت طويل ظننت أن الحرب حدثت حولي: في الشوارع، وعلى الجدران، وفي صور الطاغية، وفي أخبار المدن والقتلى. لكنني بدأت أكتشف متأخراً أنها كانت تحدث داخلي أيضاً. حاولت تقصّي أثرها في جسدي، وفي علاقته بالمكان وبأجساد الآخرين. وفي كل مرة كنت أقترب من إجابة، كانت تفلت مني، كظلّ تبتلعه العتمة.
زرت قريتي في السويداء، جنوبي سوريا، ورحت أراقب أبي، الرجل الستيني الذي يكدح في أرضه ويزرع العنب. أردت أن أفهم إن كنت أشبهه، وإن كان يشعر بألمٍ يشبه ألمي. أبي لا يتحدث عن الصدمة، ولا تعنيه كثيراً اللغة التي نسمي بها اضطراباتنا النفسية. لجسده ألمه الخاص: تعب الأرض، خشونة العمل، ومحاولة مساعدة أبنائه بما تبقّى له من قدرة. حين سألته عن جسده قاوم أسئلتي، ثم كشف لي عن قدميه. شكّل بهما وضعية غريبة، كأنهما تتذكران شيئاً لا يريد قوله. سألته إن كانت الحركة خوفاً. صمت قليلاً ثم أجاب بحزم: لا.
في دمشق، جلست مع صديقتي في حديقة المدفع، وسط ضجيج السيارات وصوت الإشارة الضوئية كميترونوم لا يتوقف. كان ذلك قبل ذكرى ميلادي الثامن والعشرين بيوم. سألتها عن الألم الذي تشعر به حين تهاجمها نوبة الشقيقة، المرض نفسه الذي أصاب أمي عندما كنت صغيراً. قالت: «بحسّ الألم عم يمصّ الضو من عيوني». في تلك الجملة، بدا الألم شيئاً مرئياً تقريباً: قوة خفية تسحب الضوء من الجسد وتتركه أقل قدرة على رؤية العالم.
بحكم دراستي للمسرح، اعتدت مراقبة الآخرين بحثاً عن شخصيات أكتبها: طريقة مشيهم، جلوسهم، ارتباك أيديهم، وما تفضحه أجسادهم حين تصمت. كنت أراقب كيف يتصرف الجسد حين يتذكّر، لكنني كنت أتهرّب كلما وصل السؤال إليّ. لم أكن أعي جسدي حقاً. كان شيئاً مسلّماً به، أحمله من دون أن أسأل: هل هو مني؟ هل أملكه؟ أم إنه يحمل ذاكرةً لا أعرفها؟
كنا نعمل في تلك الفترة على مسرحيتنا الأولى، وكان الانتحار إحدى ثيماتها. سألتني صديقتي، بنبرةٍ أقرب إلى المزاح، كيف يمكن أن أفعلها لو فكرت يوماً بذلك. قلت إن السقوط من مكان مرتفع يخطر لي أحياناً كصورةٍ لا كقرار. أجابت: لكن جسدك سيتشوّه. عندها انتبهت إلى غرابة علاقتي بجسدي، كأنني كنت أفكر في نهايته من دون أن أشعر بأنه يخصني تماماً.
في الثامن من كانون الأول/ ديسمبر 2024، سقط نظام بشار الأسد. خرج الناس إلى المدينة كما لو أنهم يرونها للمرة الأولى. كُسرت تماثيل الأب، ومُزّقت الصور، وفُتحت أماكن ظلت لسنوات طويلة جزءاً من الرعب. بدا الفرح ثقيلاً، ومبهراً، وغير قابل للتصديق. توافد المغتربون والصحفيون إلى البلاد، وراح كثيرون يتحدثون عن مقاومتنا كأننا خرجنا من حكاية مكتملة، نحن الذين بقينا هنا، لا لأننا أبطال تراجيديون، بل لأن النجاة نفسها كانت أحياناً أقصى ما نستطيع فعله.
بعد أسابيع قليلة، صحوت من تلك النشوة. انتبه جسدي إلى ما لم تنهه لحظة السقوط. إزالة صورة الطاغية من الجدار لم تكن كافية لإخراجه من الداخل. هل انتهت الحرب حقاً؟ هل انتهى الألم؟ لا أعرف. أعرف فقط أن القلق بقي، والاكتئاب، والعزلة، وتشنجات المعدة، والصداع، والخوف الذي يبدّل شكله ولا يختفي.
لا أستطيع أن أسمي ما نعيشه بعد السقوط «ما بعد» شيئاً. هذه الكلمة تبدو أحياناً رفاهيةً لم أصل إليها بعد. الحرب تسكن جسدي حتى حين أظن أنني تجاوزتها. لقد اعتدت النسيان، لكن مهما تغيرت الصورة، تواصل الأمكنة محاصرتنا. أحاول الهرب، ثم أعود في اليوم التالي، حاملاً صورة جديدة لألم محتمل، وموتٍ غير معلن.











تنشر هذه المادة بالإشتراك مع موقع خط ٣٠
