فوكس حلب

مجلة الكترونية تغطي أخبار محافظة حلب وعموم الشمال السوري.

أسعار الخراف تفوق القدرة الشرائية وعائلات تنتظر حصتها من الأضاحي

أميمة محمد

في سوق الأغنام ببلدة محمبل غرب إدلب، ترتفع أصوات ثغاء الأغنام، وتتعالى صرخات الباعة المتقاطعة مع أسئلة الزبائن، هناك يتنقل يحيى الجزار بين الخراف المعروضة بعين خبير اعتاد هذه الأسواق […]

في سوق الأغنام ببلدة محمبل غرب إدلب، ترتفع أصوات ثغاء الأغنام، وتتعالى صرخات الباعة المتقاطعة مع أسئلة الزبائن، هناك يتنقل يحيى الجزار بين الخراف المعروضة بعين خبير اعتاد هذه الأسواق منذ سنوات طويلة. يعاين أحد الخراف، يسأل عن وزنه وسعره، ثم ينتقل لآخر قبل أن يقول: “الناس تأتي إلى السوق لتسأل أكثر مما تشتري”.

قبل أشهر فقط، كان الجزّار يعمل قصابًا في قريته “ابديتا” بجبل الزاوية، يذبح الأغنام ويبيع اللحوم للأهالي، لكنه ترك المهنة تدريجيًا واتجه إلى تجارة الأغنام والوساطة بين المربين والباعة، بعدما تراجعت حركة شراء اللحوم بشكل كبير. يخبرنا الجزار أن حركة البيع ما تزال ضعيفة رغم اقتراب العيد”.

يجد مربو الأغنام والقصابون أنفسهم اليوم أمام سوق غير نشطة، إذ يكتفي الزبائن في كثير من الأحيان بالاستفسار عن الأسعار دون إتمام عمليات شراء، رغم اقتراب موسم يفترض أن يشهد ذروة في الطلب على المواشي، ويعزو تجار التقيناهم السبب إلى ارتفاع أسعار الأغنام والأعلاف وتراجع القدرة الشرائية لدى السكان، ما أدى إلى انخفاض حركة البيع مقارنة بالمواسم السابقة. 

“تبدو أسواق الغنم شمال غربي سوريا مزدحمة بالمواشي أكثر من المشترين” يقول الجزار، ثم يتابع موضحًا الأسعار  ترتفع كلما اقترب عيد الأضحى أكثر، ويبلغ سعر كيلو لحم “الخروف” اليوم نحو 700 ليرة تركية، (تقريبًا 15 دولار ونصف الدولار)، بينما كيلو لحم “الفطيمة” فيصل إلى 650 ليرة، في حين يباع كيلو لحم “النعجة” كبيرة السن ب 600 ليرة تركية.

سعر الأضحية الواحدة وسطيًّا، قد يتجاوز 500 دولار تقريبًا، وهو مبلغ يفوق قدرة كثير من العائلات في المنطقة. ويباع الخروف الحي بصوفه بسعر 7,40 دولار للكيلوغرام الواحد، في حين ينتج عن الخروف بوزن 70 كيلو غرامًا نحو 31 إلى 32 كيلو غرامًا من اللحم الصافي، ويكون بذلك مربح القصاب هو ما يجنيه من بيع رأس الذبيحة ومعلاقها وشحومها وأحشائها، بحسب الجزار.

يشير الجزار إلى أن معظم الزبائن باتوا يفضّلون شراء لحم “الفطيمة الرعوية” بسبب انخفاض نسبة الدهون فيها مقارنة بخراف التسمين، مضيفًا أن بعض الناس يعتقدون أن خراف التسمين تُعطى مواد وهرمونات تزيد وزنها بسرعة.

ولا يقتصر تأثير ارتفاع الأسعار على المشترين وحدهم، بل يمتد أيضًا إلى القصابين الذين شهدت مبيعاتهم تراجعًا واضحًا خلال الأشهر الأخيرة. ويأتي ذلك بالتزامن مع ارتفاع ملحوظ في أسعار الأغنام خلال الشهرين الماضيين، لا سيما بعد السماح بتصديرها إلى خارج سوريا، ما زاد من الأعباء المعيشية على السكان قبيل عيد الأضحى، في وقت تستعد فيه العائلات لتأمين الأضاحي وتلبية متطلبات العيد.

في قرية أورم الجوز بجبل الزاوية، يبدأ القصاب، مرهف حابو، يومه بالتنقل بين أسواق أريحا وعين الحمرا ومحمبل بحثًا عن الأغنام المناسبة للذبح. يشتري عددًا محدودَا من الخراف، ثم ينقلها إلى منزله حيث يخصص مساحة صغيرة لتربيتها وتعليفها أيامًا قليلة قبل الذبح.

داخل محل القصابة الخاص به، تتدلى الذبائح القليلة في الثلاجة فيما يمر الزبائن لإلقاء نظرة سريعة على لائحة الأسعار قبل المغادرة. يقول حابو: “إن العمل في مهنة القصابة أصبح مرهقًا وغير مجدٍ كما كان سابقًا، بسبب ارتفاع تكاليف النقل والأعلاف والتبريد، مقابل تراجع حجم المبيعات.

يضيف: “كنا نذبح خروفًا كل يوم تقريبًا، أما اليوم فقد نذبح خروفًا واحدًا كل ثلاثة أيام”. ويصف التغير في قدرة الأهالي الشرائية قائلًا: “اللي كان يشتري كيلو صار يشتري نصف كيلو، وفي ناس بطلت تشتري لحم نهائيًا”. 

تُلزم وحدة التموين القصابين بأسعار يراها، حابو، مجحفة وغير متلائمة مع السوق مؤكدًا أن قرار السماح بتصدير الأغنام إلى الأردن لعب دورًا كبيرًا بارتفاع الأسعار. وبحسب حابو، فإن كثيرًا من العائلات تنتظر عيد الأضحى من كل عام للحصول على جزء من لحوم الأضاحي التي يوزعها المقتدرون على الفقراء والأقارب.

في مدينة إدلب، تعيش أم رامز، النازحة من جبل الزاوية، مع أطفالها الثلاثة داخل قبو شبه مظلم في بناء متضرر جزئيًا. تطلب من ابنها بين الحين والآخر الذهاب إلى القصاب لشراء 200 غرام فقط من اللحم، وهي كمية تقول إنها لا تستطيع تأمينها سوى مرة واحدة في الشهر.

تعمل أم رامز في تنظيف المطابخ بشكل متقطع، تقول: “أصبحت اللحوم الحمراء بعيدة عن متناول معظم العائلات النازحة. أعتمد بشكل أكبر على لحوم الفروج عندما تنخفض أسعارها”.

هذا التراجع في الإقبال على شراء اللحوم لا يرتبط بالأسعار فقط، بل يمتد أيضًا إلى تحديات أوسع تواجه مربي المواشي أنفسهم. ففي إحدى قرى ريف إدلب الجنوبي، يقف أحمد الرمضان قرب عدد قليل من الأغنام والماعز التي يربيها بالقرب من منزله.

قبل سنوات، كان يعتمد على تربية خراف التسمين كمصدر دخل أساسي، تعرف هذه الخراف محليًًا باسم “الخراف الخامية” التي تحتاج إلى تسمين قبل البيع، وتكون بعمر من خمسة أشهر حتى العام. لكن ارتفاع أسعار الأعلاف دفعه للتخلي عن هذه المهنة تدريجيًا.

يقول الرمضان إن  أسعار المواد العلفية أصبحت تفوق قدرة معظم المربين، إذ يبلغ متوسط سعر الخلطة العلفية نحو 450 دولارًا، بينما يصل سعر التبن إلى نحو 350 دولارًا. وبسبب هذه التكاليف، فضّل كثير من المربين بيع الخراف قبل تسمينها، ما أدى إلى امتلاء الأسواق بها. “لو كانت الأعلاف أرخص، لما بقيت هذه الخراف معروضة في الأسواق بهذا الشكل” يقول.

ويرى الرمضان أن ارتفاع أسعار الأعلاف، إلى جانب إصابة قطعان كثيرة بالحمى القلاعية هذا العام ونفوق أعداد من الأغنام، ساهم في رفع أسعار المواشي واللحوم معًا. ويطالب مع مربي مواشي التقيناهم في السوق بدعم قطاع الثروة الحيوانية عبر توفير الأعلاف واللقاحات والأدوية بأسعار مناسبة، محذرين من استمرار تراجع أعداد المربين في المنطقة.

يُخَصّص يوم واحد أسبوعيًّا لكل بلدة يوجد فيها سوق للأغنام، يعرض خلاله تجار المنطقة والباعة ما لديهم من مواشٍ من الأغنام والخراف والفطام، بينما يتنقل الزبائن بين الحظائر محاولين العثور على أسعار تناسب قدرتهم المحدودة. لكن رغم كثرة المعروض، تبدو حركة الشراء أبطأ من المعتاد هذا العام، حسب وصف من التقيناهم.

يقول يحيى الجزار إن الباعة والقصابين يفضّلون انخفاض الأسعار، لأن ذلك ينعكس مباشرة على زيادة المبيعات. ويضيف: “عندما يكون السعر مناسبًا يشتري الناس أكثر، أما الآن فالكثيرون يكتفون بالسؤال أو مشاهدة السوق فقط”.

مع اقتراب العيد، تنتظر أم رامز، مثل كثير من العائلات الفقيرة والنازحة، أن تصل إلى باب منزلها حصة صغيرة من لحم الأضاحي، بعدما أصبح طعم اللحم بالنسبة لكثيرين غير متاحٍ إلا في أيام العيد.