حين يصل أبو أحمد إلى مدينة معرة النعمان قادمًا من دمشق، لا يشعر أن رحلته الطويلة انتهت، يقف على الأوتوستراد منتظرًا وسيلة نقل توصله إلى بلدته كفرنبل، التي لا تبعد سوى عشرة كيلومترات، لكنه قد يضطر للانتظار ساعات أو لاستئجار سيارة خاصة بتكلفة مرتفعة.
يقول: ” تبدأ المشكلة عند وصولنا إلى مدينة معرة النعمان الواقعة على الأوتوستراد الدولي دمشق – حلب، إذ لا يوجد أي وسيلة نقل عامة تنقلنا إلى كفرنبل، والمحظوظ من يصادف وصوله مرور أحد المعارف ليأخذه بمركبته”. ويضيف: “المشهد يتكرر بشكل دائم، حتى أن الطريق بين معرة النعمان وكفرنبل بات متعبًا لي أكثر من رحلتي من الشام إلى معرة النعمان والتي تتجاوز 350 كم”.
بعد سنوات طويلة من النزوح القسري، بدأت مدن وبلدات ريف إدلب الجنوبي تستعيد حياتها تدريجيًّا، إلا أنَّ عودة الأهالي كشفت عن أزمات خدمية، أبرزها توقف خطوط النقل العامة التي كانت تربط تلك المناطق بالطريق الدولي والمدن الرئيسة.
ومع غياب وسائل النقل المنظمة، بات السكان يواجهون صعوبة يومية في الوصول إلى أعمالهم وجامعاتهم وخدماتهم الأساسية، رغم أن المسافات الفاصلة بين بلداتهم والطريق الرئيس لا تتجاوز في كثير من الأحيان 10 إلى 15 كيلومترًا.
ولا تقتصر المشكلة على القادمين من محافظات أخرى، بل تشمل السكان المقيمين أيضًا، إذ بات مشهد الانتظار على أطراف الطرقات جزءًا من الحياة اليومية في القرى. فالوصول إلى سوق معرة النعمان لشراء الخبز والخضار، أو مراجعة طبيب، أو إنجاز معاملة في إحدى الدوائر، يبدأ غالبًا بالبحث عن سيارة عابرة أو التنسيق مع قريب يملك دراجة نارية أو سيارة خاصة.
وفي كثير من الأحيان، يقطع الأهالي المسافات بين القرى والمدينة على مراحل، متنقلين بين وسائل نقل متفرقة، بينما تتحول العودة مساءً إلى هاجس آخر مع خلو الطرقات وندرة السيارات، خصوصًا في القرى البعيدة عن الأوتستراد.
ومع اختفاء الحافلات من معظم الخطوط، ظهرت بدائل محدودة يعتمد عليها السكان بشكل يومي، أبرزها سيارات الأجرة الخاصة والدراجات النارية التي تتوقف تباعًا قرب الكراجات أو عند نقاط الوصول، بينما يتفاوض الركاب مع السائقين على الأجرة قبل الانطلاق عبر طرقات متضررة ومظلمة.
لكن هذه البدائل بقيت بعيدة عن أن تكون حلًّا مستقرًّا أو متاحًا للجميع. فتكلفة سيارة الأجرة قد تساوي أحيانًا أجرة السفر بين محافظتين، ما يدفع بعض الأهالي إلى تقاسم السيارة مع غرباء لتخفيف المصاريف، أو انتظار ساعات حتى يكتمل عدد الركاب.
أما الدراجات النارية، ذات التكلفة الأقل، فرغم سرعتها ، إلا أنها تثير مخاوف تتعلق بالسلامة، خاصة مع غياب الإنارة وتضرر الطرق وانتشار الحفر، فضلًا عن عدم ملاءمتها لكبار السن أو النساء أو العائلات التي تحمل أمتعة وحاجيات يومية.
عمر الشيبان، من بلدة معرة حرمة بريف إدلب، يعمل في مؤسسة حكومية بمحافظة حمص، يقول إنه يضطر للنزول في معرة النعمان ثم البحث عن وسيلة تقله إلى بلدته التي تبعد 13 كيلومترًا. ويضيف: “معظم الأحيان تتجاوز تكلفة الطريق من معرة النعمان إلى بلدتي سعر تذكرة السفر من حمص إلى معرة النعمان”.
لكن التكلفة المادية ليست المشكلة الوحيدة بالنسبة لكثير من السكان، آية، طالبة جامعية من ريف إدلب الجنوبي، تقول إن هذه البدائل ليست خيارًا مناسبًا لها وللفتيات والنساء، موضحة أن هذه الحلول تطرح إشكاليات اجتماعية وأمنية بالنسبة لهنّ.
تقول: “أضطر أحيانًا للمبيت عند صديقاتي في المدينة، لأنني لا أجد وسيلة للعودة، ففكرة ركوب دراجة نارية غير واردة بالنسبة لي، وسيارات الأجرة مكلفة جدًّا، وفي بعض الأحيان أضطر لإلغاء إجازتي بالكامل أو تأجيلها”.
أما سارة، وهي موظفة تعمل في إحدى المؤسسات الإعلامية في دمشق وتنحدر من بلدة حزارين في ريف إدلب الجنوبي، فتصف كل رحلة عودة إلى منزلها بأنها “رحلة تفكير طويلة” تبدأ قبل وصولها.
فبعد النزول في معرة النعمان، عليها أن تواصل طريقها عبر كفروما ثم حاس فكفرنبل وصولًا إلى حزارين. تقول: “في كل مرة أريد الذهاب أو العودة، أفكر بطريقة أصل فيها لمنزلي دون أن أحرج أحداً من انتظاري أو دفع تكاليف إضافية، وأحيانًا اضطر لتأجيل الدوام أو طلب إجازة لأنني لا أجد وسيلة نقل مناسبة توصلني للمدينة”. تتذكر سارة: ” في إحدى المرات انتظرت أكثر من ساعتين على الأوتوستراد، وفي النهاية اضطررت للاتصال بأخي ليأتي ويأخذني”.
تشير تقارير صادرة عن الأمم المتحدة إلى أن سوريا ما تزال تواجه دمارًا واسع النطاق في بنيتها التحتية نتيجة سنوات الحرب، إذ تضررت أو خرجت عن الخدمة أجزاء كبيرة من شبكات الطرق والخدمات الأساسية، بما في ذلك المرافق العامة ووسائل الربط بين المناطق الحضرية والريفية.
ووفق برنامج الأمم المتحدة الإنمائي، فإن نحو نصف البنية التحتية في البلاد إما دُمّر أو أصبح غير وظيفي، ما انعكس بشكل مباشر على قدرة المجتمعات المحلية على الوصول إلى الخدمات والتنقل بشكل طبيعي، خاصة في المناطق التي شهدت نزاعات شديدة مثل ريف إدلب ومحيطه، حيث تُعدّ الطرق وشبكات النقل من أكثر القطاعات تضررًا وأبطأها في التعافي.
في الوقت الذي يعتبر فيه الأهالي الذين قابلناهم أن غياب وسائل النقل العامة ما هو إلا نتيجة مباشرة للإهمال وتراجع الخدمات، تربط مديرية النقل في إدلب المشكلة بعوامل مختلفة، تبدأ بعدم انتظام وصول الركاب في أوقات متقاربة، وارتفاع تكاليف التشغيل، ما أثر على إعادة تفعيل خطوط السير أو التزام السائقين بالوجود في الأماكن المحددة للنقل وفي أوقات منتظمة.
يقول أحمد هماد، معاون مدير مديرية النقل في إدلب، إن المديرية حاولت إعادة تشغيل بعض الخطوط، إلا أن المحاولات لم تكن مجدية اقتصاديًّا للسائقين الذين انتقلوا للعمل على خطوط أكثر ازدحاما وربحًا. يوضح: “فعّلنا خط (المعرة- كفرنبل) وخدّمناه بمركبات نوع ميكروباص (سرفيس)، ولكن السائقين لم يستمروا بالعمل بسبب ضعف حركة الركاب”. كما أشار إلى تشغيل باص نقل “زاجل” لفترة محدودة قبل أن يتوقف أيضًا بسبب ضعف حركة الركاب وعدم وجود أوقات معينة لوصولهم”.
وترتبط المشكلة، وفق المديرية والسائقين، بعوامل اقتصادية وبواقع البنية التحتية المدمرة. فكثير من الطرق الفرعية ما تزال متضررة نتيجة القصف والإهمال، ما يرفع تكاليف التشغيل والصيانة.
أبو خالد، سائق سابق، يقول: “الطريق سيئ جدًّا، والسيارة تتعطل بشكل مستمر، حتى لو توفر عدد جيد من الركاب، فإن الدخل لا يغطي التكاليف”، موضحًا أنه ترك العمل على خطوط ريف معرة النعمان وانتقل إلى خط إدلب – سرمدا، حيث الحركة نشطة والربح أفضل بكثير.
محمد العبد، وهو سائق آخر كان يعمل على خط معرة النعمان – كفرنبل، يصف تجربته بعد عودته للعمل عقب “التحرير” قائلًا: “جربت العودة للعمل بعد عودة الحياة للمنطقة، لكن خلال أسبوعين فقط تكبدت خسائر، فعدد الركاب قليل جدًّا وأحيانًا تكون الرحلة شبه فارغة، عدا عن الحفر المنتشرة على الطرق، ما يعني أعطال مستمرة وتكاليف صيانة مرتفعة”.
ويضيف: “نحن كسائقين لا نرفض خدمة أهلنا، لكن هذا مصدر رزقنا، فعندما أعمل على خط إدلب – سرمدا، أعود بدخل يكفي عائلتي، أما هناك فلا أستطيع حتى تغطية مصروف الوقود”.
يؤكد، أحمد هماد، أن المديرية لا تستطيع إلزام السائقين بالعمل على خطوط محددة، موضحًا أن “الموضوع يرجع بشكل رئيسي لرغبة السائقين في العمل على بعض خطوط النقل دون غيرها، والسبب الحقيقي هو مقدار الإيرادات التي يجنيها السائق من العمل على هذا الخط”.
ويضيف أن الحديث عن عودة طبيعية لخدمات النقل ما يزال مبكرًا فالحلول لن تكون مجدية قبل تهيئة البنية التحتية، وتعبيد الطرق، وإنشاء مراكز للانطلاق، وعودة السكان المهجرين من تلك المناطق.
انتهت سنوات النزوح بالنسبة لسكان ريف إدلب الجنوبي، لكن الوصول إلى منازلهم ما يزال رحلة شاقة أو مكلفة، وفي ظل غياب حلول عملية تعيد ربط القرى بمحيطها، تبقى المسافات القصيرة عبئًا يختصر حجم الفجوة بين عودة السكان وعودة الحياة الطبيعية.
