يستقبلك من الجهة الشمالية من دوار الصناعة على الطريق الواصل بين سرمدا و باب الهوى، طريقٌ عريض عبّد رصيفه بحجارة الإنترلوك، يعلوه قوس حجري حديث البناء يحمل عبارة “مدينة باب الهوى الصناعية“، في ريف مدينة إدلب الشمالي.
افتتحت المدينة الصناعية رسمياً في 15 سبتمبر 2021، بمنطقة سرمدا، على مساحة شغلت في مرحلتها الأولى نحو 51 هكتاراً، مقسمة إلى أكثر من 260 مقسماً صناعياً. منحها قربها من معبر باب الهوى الحدودي مع تركيا أهمية استراتيجية للتبادل التجاري والتصدير.
يقدر مدير المكتب الإعلامي لمدينة باب الهوى الصناعية، أحمد القاضي، عدد المنشآت والمعامل التي تضمها المدينة اليوم، بـ 286 منشأةً صناعيةً ومعملاً، إذ تعد أكبر تجمع صناعي على مستوى المحافظة، وتعكس صورة الواقع الصناعي للمحافظة ككل.
تضم المدينة منشآت صناعية متخصصة ومتعددة، تتدرج بين الغذائية والبلاستيكية وصناعة الألبسة والتعدين والصلب وغيرها، ويسعى معظم الصناعيين فيها لتحقيق توازن واستمرارية في الصناعات المحلية، وسط وعود بتسهيلات عدة، يقول صناعيين إنه “لم يتم الوفاء بمعظمها”.
تحديات عديدة تواجه الصناعيون اليوم في مدينة باب الهوى، وتحد من تطوير مشاريعهم، منها طبيعة ملكية الأرض التي ما تزال على الشيوع، وفرض رسوم جمركية مرتفعة، وتراجع في عدد اليد العاملة، وعدم ثبات في الطاقة الكهربائية، ونقص جزئي في الخدمات، إضافة إلى مشاكل الترانزيت والنقل. يقول من تحدثنا إليهم من الصناعيين إنها “منغصات تعرقل تقدم قطاع الصناعة في المحافظة وتصيبه بالبطء والجمود”.
شيوع يعرقل البناء والبيوع
يشكل عدم امتلاك أصحاب المصانع لوثائق الأرض التي أقيمت عليها مصانعهم بصورة رسمية، نقطة تخوف لدى كثيرٍ منهم، ويجد المهندس أسامة وزاز، مدير شركة أورانج لتعبئة الزيوت في المدينة، في تأخر عمليات فرز عقارات مصانعهم عائقاً رئيسياً تسبب بامتناع بعض الصناعيين عن إكمال عمليات البناء في منشآتهم، مفضلين الانتظار ريثما يتم فرزها بصورة قانونية تنهي حالة الشيوع التي تصنف على أساسها اليوم ضمن السجل العقاري.
يقول أسامة: “من حق صاحب المنشأة اليوم ضمان حقه في ملكية عقاره مع حرية التصرف به، فتكلفة بناء منشأة صناعية اليوم يصل إلى عشرات آلاف الدولارات”. مؤكداً على ضرورة حل مسألة ملكية الأرض وتسجيلها بشكل قانوني يضمن حق المستثمرين الصناعيين.
لم يُقدم أبو أحمد، وهو أحد المستثمرين، على إكمال بناء الطابق الأول لمعمله، والذي ما يزال قيد الإنشاء منذ منتصف العام الماضي، يقول “لليوم لم تتقدم عملية البناء خطوة، بسبب عدم تمكني من فراغ العقار باسمي”، موضحاً أنه قد يغامر ببناء الأعمدة متحملاً خسارتها، لكن تحمل تكلفة بناء السقف والإكساء فهو مكلفٌ جداً، مفضلاً التوقف عند هذه المرحلة.
بررت إدارة المدينة الصناعية، عبر مكتبها الإعلامي، أن عملية فرز أراضي المدينة الصناعية يرتبط باعتبارات تنظيمية وإجرائية كثيرة، لم يفصح عن ماهيتها صراحة، مضيفاً أن هناك خطوات ومراحل قانونية وتنظيمية، يتم العمل عليها لضمان حقوق المستثمرين وتحقيق الاستقرار القانوني.
زيادة مبيعات ومنافسة غير عادلة
إضافةً إلى مشكلة ملكية أرض المنشآت الصناعية، تبرز مسألة ارتفاع الرسوم الجمركية على المواد الأولية التي يوردها المصنّع لمعمله، والتي تساوي تقريباً الرسوم المفروضة على البضائع المصنعة المستوردة، ومن الصنف ذاته الذي ينتجه، وهذا يعني، حسب من قابلناهم من الصناعيين، ارتفاعاً في التكاليف وتراجع في نسب الربح وضعف المنافسة، وبالتالي الحد من تطور صناعاتهم.
رفع قيمة الرسوم الجمركية على عدد من المواد التي يستوردها الصناعيين مثل النحاس والبلاستيك، التي أقرت مطلع شباط من العام الماضي، انعكست سلباً على مردود الصناعة المحلية، رغم زيادة الطلب عليها في السوق المحلية بعد سقوط نظام الأسد من بينها صناعة الكابلات الكهربائية النحاسية.
يوضح حسام عبد القادر، صاحب شركة الأخوة لصناعة الكابلات، في مدينة باب الهوى الصناعية، والذي نقل علامته التجارية المعروفة بماركة “الشهباء” في مدينة الشيخ نجار الصناعية بحلب قبل العام 2012، إلى مدينة باب الهوى، أن انفتاح المصانع في المدينة على الأسواق المحلية في باقي المحافظات السورية والأسواق الخارجية، ساعد في انتعاش المبيعات، لكن رفع قيمة الرسوم الجمركية على المواد التي يستوردها لصناعة كابلاته، انعكست سلباً على مردود صناعته مادياً.
يقول حسام “خاطبت وزير الاقتصاد السوري مطالباً برفع الضريبة المستوفاة على الكابلات المصنعة دعماً للمنتج المحلي”، لكنه فوجئ بأن التعرفة حددت ضريبة 300 دولاراً أمريكياً لمادة النحاس الخام، وأقل من 500 دولاراً للمصنع منها، ما قلص هامش الربح وزاد من أعباء المنافسة. يقترح حسام حلاً من وجهة نظره، يقول “يجب أن لا تعدل التعرفة بصورة جماعية لكل المواد، بل يجب إجراء دراسة حقيقية لكل مادة حسب خصوصيتها، ضمن تعرفة جمركية مخصصة”.
المهندس أسامة، يشتكي أيضاً من ارتفاع التعرفة الجمركية على مادة التنك والكرتون التي يستوردها من تركيا، ويستخدمها في عملية تعبئة الزيوت. يقول إن المواد المذكورة ليست مواد أولية تدخل في صلب الصناعة، وأنه يعتمد على الزيت المحلي في إنتاجه، ثم يصدر المواد إلى خارج سوريا منها دول الخليج. مطالباً بضريبة “صفرية” لدعم المنتج المحلي الذي يؤمن قطعاً أجنبياً للبلد.
يقول أسامة: “كان جواب الحكومة أننا نحمي صناعة عبوات التنك والكرتون المحلي بهذا القرار”، لكن تجربته مع عبوات التنك المصنعة محلياً، عرضته لخسائر مادية عدة مرات بسبب عيوب في صناعتها، ما اضطره للاعتماد على العبوات المصنعة في تركيا.
من المعبر إلى المدينة انتظار يعيق وصول البضائع
شكل قرار منع دخول الشاحنات التركية المحملة بالبضائع الموردة لسوريا، والصادر عن هيئة المنافذ البرية والبحرية السورية، مطلع العام الحالي، بحسب حسام، عائقاً أمام تطور صناعة الكابلات وغيرها من الصناعات التي تعتمد على المواد المستوردة في منتجها.
يقول حسام موضحاً: “يفصلنا عن المعبر التركي 5 كيلو متراً فقط، أي عشر دقائق بالسيارة، ومع ذلك تبقى البضاعة ملقاة على المعبر التركي مدة 12 يوماً بانتظار أن يأتي دورها في التفريغ والنقل للشاحنات السورية”. مطالباً المعنيين في الحكومة أن لا يكون توفير عمل لأصحاب الشاحنات السورية على حساب الصناعيين وبضاعتهم.
سعد بدوي، المدير التنفيذي لشركة ريان فود للصناعات الغذائية، والتي تضم مدينة باب الهوى مجموعة من معاملها، يؤكد أن المواد الأولية التي يستوردها لصناعاته حصلت على تخفيضات في الرسوم والضرائب، وقسم من مواده الأولية تأتي من السوق المحلية مثل الفول والحمص، وقسم آخر يتم استيراده مثل البازلاء وعدد من أنواع اللحوم والمواد الحافظة المكملة للصناعات.
يتفق البدوي وصناعيون كثر قابلناهم أن انفتاح إدلب على السوق المحلية بعد تسلم الحكومة الانتقالية الحالية، ترك أثراً إيجابياً، وأن منتجات مصانعهم تلقى رواجاً في المحافظات السورية، مع بقاء حاجز السعر الناجم عن ارتفاع تكلفة التصنيع عائقاً أمام تحقيق منافسة أكبر.
تحفظت هيئة المنافذ البرية والبحرية، و مديرية الصناعة في المحافظة، على الرد حول الرسوم الجمركية ومطالب الصناعيين المختلفة والوقوف على واقع حال الصناعة الحقيقي اليوم، مبررين ذلك أنه لا يدخل ضمن اختصاصهم
بطاقة تاجر متوقفة دون بديل
لا يحصل معظم الصناعيين ورجال الأعمال في سوريا اليوم، على مايعرف بـ “بطاقة تاجر” أو على جواز سفر يميزهم عن المسافرين العاديين، الأمر الذي يؤخر معاملات سفرهم المتكررة للدول الأخرى، والتي تفرضها عليهم طبيعة عملهم في الاستيراد والتصدير وعقد الصفقات وحضور المعارض العالمية.
هذا ما أكده صناعيون كثر منهم المهندس أسامة وزميله حسام عبد القادر، مقارنين بين طريقة تعامل الحكومة التركية مع رجال الأعمال لديها، وبين ما هو معمول به من قبل الحكومة السورية تجاه الصناعيين ورجال الأعمال لديها. إذ يتم منح الصناعيين الأتراك جواز سفر بلون أحمر يشبه جوازات السفر الدبلوماسية لكل صناعي يقوم بإخراج مواد بقيمة خمسة مليون دولار من البلاد، ما يمنح الصناعي ميزات وتسهيلات عند عبوره للمنافذ الحدودية.
هذه التسهيلات التي يفتقدها صناعيو سوريا من بينهم حسام عبد القادر تدفعهم للتفكير بمغادرة المدينة الصناعية يقول: “أفكر أحياناً بإعادة مصانعي إلى تركيا، فأنا هناك أحظى بمعاملة وميزات أفتقدها اليوم في بلدي الأم”.
يشارك عبد الفتاح البنشي، صاحب مصنع للألبسة، تجربته أيضاً في عدم حصوله على تسهيلات، يقول إنه حرم من المشاركة في معرض للصناعات النسيجية أقيم في إحدى الدول الأوروبية العام الماضي، بسبب “البطء في استخراج تأشيرة السفر والأوراق الثبوتية اللازمة له”.
رحيل العمالة وضعف التأهيل
تراجعت أعداد اليد العاملة لدى قسم كبير من المصانع ضمن المدينة الصناعية خلال العامين الماضيين، عما كانت عليه قبل سقوط نظام الأسد، يبرر الصناعيون هذا التراجع بعودة قسم كبير من سكان المخيمات المحيطة بالمدينة، والتي شكلت خزاناً بشرياً مدّ المعامل باليد العاملة التي تحتاجها طيلة السنوات الماضية، إلى مناطقهم وبلداتهم التي نزحوا، وتوجه قسم من العمال إلى العمل الحكومي عوضاً عن القطاع الخاص.
فرض هذا التراجع على أصحاب المصانع ضرورة إيجاد حلول مختلفة للحفاظ على اليد العاملة، تمثلت بحسب سعد البدوي وآخرين، بتقديم مغريات للعمال مثل زيادة الأجور أو توفير وسائط نقل وحوافز مادية وغيرها. يضيف البدوي أن اليد العاملة هي رأسمال المصانع، ومورد لا غنى عنه، وغيابه يسبب شللاً أو تراجعاً في إنتاج المصانع والشركات”.
بالمقابل يرى قسم من الصناعيين ومن بينهم المهندس أسامة، ضرورة إقامة تدريبات مهنية وتقنية لليد العاملة، تتعلق بالسلامة المهنية وطرق التعامل مع المكننة والتكنولوجيا تشرف عليها الحكومة بالتنسيق مع الصناعيين، مبدياً استعداده لتحمل جزء من نفقات تلك التدريبات، بهدف رفع سوية العمل وكفاءة العمال.
منشآت كثيرة وخدمات مقبولة
شهد العامين الماضيين زيادةً في عدد المنشآت الصناعية العاملة ضمن مدينة باب الهوى الصناعية، بحسب ما ذكره أحمد القاضي، مدير المكتب الإعلامي لإدارة المدينة، مع دخول 85 منشأةً حيز الإنتاج الفعلي، و160 منشاةً قيد الاستثمار.
وتشغل المدينة اليوم مساحة تقدر بـ 53 هكتاراً، تحتضن صناعات دوائية وهندسية وغذائية وكيميائية ونسيجية، بالإضافة إلى صناعات نوعية لتصنيع وتجميع أنواع الآلات والمكنات الصناعية البسيطة وتشغل ما يقرب من آلاف يد عاملة ضمنها.
ويرجع القاضي سبب الزيادة لحالة الاستقرار التي تشهدها المحافظة، إضافةً لتوفير الإدارة مجموعة من الخدمات الفنية من طرق وشبكات مياه وصرف صحي وكهرباء. يقول: “نتوقع زيادة عدد المعامل بحدود 100 معمل ومنشأة، بسبب إقبال كثير من المستثمرين للاكتتاب على مقاسم ضمن المدينة”. يضيف : “هذه الزيادة المتوقعة دفعت إدارة المدينة للتفكير جدياً في توسعة المساحة لتصل لحدود الضعف وتصبح أكثر من 160 هكتاراً”.
خدماتٌ وصفها قسم من الصناعيين الذين التقيناهم بـ”الجيدة” مع ملاحظات عن تأخر في جمع القمامة وحال الطرقات أمام المعامل المفروشة بالحصى، مفضلين رصفها بحجارة “الإنترلوك“، أو الإسفلت كونه أكثر ثباتاً وأماناً للمركبات الكبيرة التي تعبر فوقه.
يؤكد صناعيون التقيناهم أن اقتراحاتهم لتحسين الخدمات تلقى استجابة من قبل الإدارة، يقول عبد المنعم الدغيم مدير شركة لصنع المثلجات، إنه اقترح إحداث محطة كهربائية مستقلة خاصة بالمدينة الصناعية تسهم في تحقيق أمان أكبر للآلات الصناعية والعاملين عليها، ولاقت فكرته رضىً من إدارة المدينة.
أحمد القاضي أوضح أن توسعة المدينة ستشمل التخطيط لمحطة كهربائية خاصة للمدينة، ويتم يومياً جمع القمامة عبر سيارة ضاغطة مخصصة، وبالنسبة لمعظم طرقات المدينة تمت تغطيتها ببلاط الإنترلوك من نوعيات مقاومة للأحمال الثقيلة، مع إدراج باقي الطرق في خطة التنفيذ القادمة، ويتم تأجيلها لحين انتهاء المستثمرين من الأعمال الإنشائية ضمن منشآتهم، حفاظاً على طبقة البلاط من الضرر.
يطالب الصناعيون اليوم إدارة المدينة أن تولي الصناعة اهتماماً أكبر يتمثل بالجلوس معهم والاستماع لمطالبهم، و معاينة العمل على أرض الواقع وخارج المكاتب، لتقديم تسهيلات وخدمات أفضل، وسط مخاوف من ردة فعل صناعيين قد يغادرون المدينة مع معداتهم وآلاتهم الصناعية في الاتجاه المعاكس عبر منفذ باب الهوى الحدودي نحو تركيا التي احتضنتهم لسنوات ماضية.
