فوكس حلب

مجلة الكترونية تغطي أخبار محافظة حلب وعموم الشمال السوري.

بين التنظيم والرزق.. هل تنتقل بسطات باب جنين من قلب حلب؟ 

مريم طاهر

يواجه سوق باب جنين في حلب مصيراً مجهولاً، فقرار البلدية بتنظيم الساحة ونقل البسطات يثير قلق عشرات الباعة وآلاف الزبائن، الذين يرون في السوق أسعاراً أرخص وذاكرة شعبية لا يمكن نقلها بسهولة

بشكل عشوائي، ودون تنظيم إلا ما ألفه أصحابها، تنتشر عشرات البسطات في سوق باب جنين بحلب. السوق الشعبي الذي يرتاده الزبائن لتنوع بضائعه ورخص أسعارها، وجهة مفضلة لذوي الدخل المحدود أو الباحثين عن خضار طازجة، ويوفّر مئات فرص العمل لبائعين يخشون على مصدر رزقهم بعد تجهيز بلدية حلب لنقلهم إلى أسواق أخرى تمهيداً لإزالة البسطات وتنظيم الساحة.

دون مكبرات صوت، تعلو نداءات الباعة وتختلط أصوات المروجة لبضائعهم، “بندورة ريانة، وبطاطا مالحة”.. في هذا الزحام، يعلو صوت صبي صغير ينادي بقوة من أمام بسطة ألبان وأجبان “جبن السفيرة”.

وعلى مقربة من بسطات الخضار افتتح محلٌ لبيع الطيور، يقصده الراغبين ببيع وشراء طيور الزينة، يضع أقفاصاً مختلفة الألوان والأحجام على الرصيف أمام محله، يترك للطيور مهمة النداء عبر زقزقتها للفت نظر المارة والزبائن.

وفي زاوية قريبة، يعتمد بائع آخر على مكبر صوت، سجّل عليه بصوته جملة واحدة يكررها طوال اليوم ” كيلو البطاطا   بأربع آلاف… يا جبار عليك الجبر يا رب”. تتداخل الأصوات، ويواصل الزبائن رصد الأسعار بين عدة بسطات لانتقاء الأرخص ثمناً.

سوق باب جنين في مدينة حلب
سوق باب جنين في مدينة حلب

إشغال الأرصفة والازدحام الذي خلفه السوق الشعبي جعل البلدية توجه إنذارات متكررة للباعة وأصحاب البسطات بإخلاء المساحة التي يشغلها السوق. هنا، في هذه الساحة لا تهدأ حركتا البيع والشراء، يقصده الأهالي للتسوق، ليس فقط لقربه من المواصلات، بل لارتباطه بذاكرتهم منذ عشرات السنين، إذ  يطلق عليه السكان “سوق الحلبيين”. نقل السوق لا يقلق أصحاب البسطات فقط، بل حتى الزبائن الذين اعتادوا عليه وأِلفوا عشوائيته وأصوات باعته.

لا يبدو القرار، بالنسبة لأبي محمد، أحد البائعين في السوق، مجرد تنظيم إداري، بل يجده تهديداً مباشراً لمصدر رزقه، يخبرنا أنه يعتاش من عمله في السوق وهي مهنته منذ نحو خمسة أعوام. يقول “لو كانت لدي القدرة على استئجار محلٍ، لما وقفت هنا في الحر والبرد،  المكان يفتقر لأبسط الخدمات ولا يوجد حاويات للقمامة، وأرضه الطينية في الشتاء تجعل الحركة صعبة وفي الصيف الغبار يملأ المكان، هذه هي المهنة التي أؤمّن منها رزق أطفالي”.

وجّهت بلدية حلب خلال الفترة الماضية عدة إنذارات لأصحاب البسطات تمهيداً لنقل السوق، يؤكد أبو محمد أن هناك أعمال تأهيل وبناء بدأت بالفعل في منتصف الساحة من قبل مديرية المرور تمهيداً لإخلائها. يقول إن “نقل السوق بالكامل لن يكون حلاً مناسباً”، ويضيف أن فكرة نقل البسطات طُرحت أكثر من مرة خلال السنوات السابقة، وتم بالفعل نقل السوق إلى مكان آخر في حي المشارقة، لكن التجربة لم تنجح، ولم يشهد إقبالاً من الناس، فعاد الباعة إلى أماكنهم هنا.

سوق باب جنين في مدينة حلب
سوق باب جنين في مدينة حلب

لايختلف موقف كثير من الباعة عن رأي أبو محمد، فهم يرون أن المكان الحالي في الساحة لا يعيق حركة السير كما يشاع، والسيارات لا تدخل إليها، ومن يأتي إلى المكان يقصده للتسوق فقط، والناس اعتادوا على مكان السوق، معبرين عن خوفهم من خسارة زبائنهم في حال الانتقال إلى موقع جديد.

هذه المخاوف تبدو حاضرة أيضاً لدى الزبائن ومنهم، أبو ياسر، وهو متقاعد من سكان حلب الجديدة، يقصد سوق باب جنين بشكل شبه يومي لشراء حاجيات منزله، الذي يرى أن السوق مقصد لعددٍ كبيرٍ من سكان المدينة، لأن كثيراً من الباعة القادمين من أرياف حلب يبيعون منتجاتهم فيه مباشرة بأسعار تقترب من أسعار الجملة.

ويضيف: “أعيل أسرة من عشرة أشخاص، وأحتاج إلى شراء كميات كبيرة، والسوق الشعبي يوفر لي المقارنة بين الأسعار وتوفير مبلغ قد يصل إلى عشرين ألف ليرة في كل مرة”. برأيه، أن وجود السوق يخلق منافسة وضغطاً على المحال التجارية لخفض أسعارها كي لا تخسر زبائنها.

سوق باب جنين في مدينة حلب
سوق باب جنين في مدينة حلب

يفضّل أبو ياسر بقاء السوق في موقعه الحالي، مع تنظيمه وتحسين ظروفه، يقول : “المكان هنا يشكّل عقدة مواصلات معروفة للجميع، يقصدها الناس بسهولة، ونقل السوق إلى مكان آخر، قد يجعل الوصول إليه أصعب، لاسيما لمن يعتمد على النقل العام”.

تنافس البسطات أصحاب المحلات التجارية في الأسواق، يقول أنس وهو صاحب محل في منطقة الفرقان، وهي منطقة إيجارات مرتفعة ” البسطات المنتشرة جانب محلنا تؤثر علينا، وأسعارهم أقل من أسعار السلع في المحلات، لأنهم لا يلتزمون بدفع إيجارات أو فواتير كهرباء أو حتى ضرائب، مما يكلفنا خسائر كبيرة حيث نتحمل تكاليف تشغيلية مرتفعة”.

عاش أبو إياد  تجربتين متناقضتين في عمله بسوق باب جنين، فبعد أن باع محله عاد للعمل على بسطة صغيرة، يقول ” قبل عامٍ بعت محلي لسداد التزامات مالية، على أن أشتري محلاً آخر خلال فترة قصيرة، لكن الأسعار ارتفعت، ولم أتمكن من الشراء مرة أخرى، فلجأت إلى هذه البسطة”.

ويضيف، أنه التزم ضمن السوق المنظم الذي جهزته البلدية قرابة أسبوعين فقط، لكن حركة الشراء خارج السوق أفضل، والناس يفضلون الشراء من أماكن قريبة منهم جداً، وهو ما لا يقدمه سوق البلدية المنظم.

سوق باب جنين في مدينة حلب
سوق باب جنين في مدينة حلب

في الساحة أمام القصر البلدي في مدينة حلب، تعمل البلدية على تجهيز أماكن مخصصة لبسطات منظمة ومرقمة، كأحد الأسواق البديلة لنقل سوق باب جنين، لكنها تفتقر للزبائن. عددٌ من أصحابها غابوا عنها، وقسم آخر ينتظرون زبائن لم يعتادوا بعد على المكان الجديد، فيما اختار بعضهم الوقوف خارج السوق المنظم أساساً، حيث تكون “الحركة أفضل”، على حد قولهم.

يقول عضو المكتب التنفيذي لمجلس مدينة حلب، حسام الدين فاعل، “تم تنظيم نحو 25 سوقاً في أنحاء مدينة حلب حتى اليوم، ضمن خطة تهدف إلى تحسين الواقع الخدمي والحفاظ على مصادر رزق الباعة”، ويشير إلى أن هذه الأسواق تخضع  للتجربة والتقييم، ومعظمها يتم تفعيلها ليوم واحد حالياً، وفق معايير متعلقة بالمساحة، والقرب من السكان، وعدم التسبب بأزمة مرورية.

وأضاف “قمنا بدراسة بحثية لتقييم المواقع في أماكن محددة مثل الألبسة في سيف الدولة، والخضار والفواكه في بستان القصر والكلاسة. منوهاً أن ضبط غير الملتزمين يكون من خلال تفعيل المخالفات وتطبيق عقوبات بالتدريج.

تاريخياً، يعد باب جنين أحد أبواب حلب القديمة، اكتسب اسمه لكونه يفضي إلى جنائن حلب الغربية على ضفاف نهر قويق، وكان مركزاً لشحن البضائع وتحويل النقود، وتعرض خلال العقود الماضية إلى هدم بابه الأصلي لتوسيع الطريق عام  1982. ومع مرور الزمن تحولت ساحته إلى مركز تجاري شعبي.

سوق باب جنين في مدينة حلب
سوق باب جنين في مدينة حلب

اليوم، تتراص على جانبي الطريق بسطات كثيرة، تتداخل أمامها أصوات الزبائن والباعة، امرأة تساوم على نظارات شمسية يبلغ سعرها 20 ألف ليرة، ورجل يطلب رأس خس من بائع الخضار، ونداءات متقطعة بأصوات عالية لجذب الزبائن تقطعها أصوات زمامير السيارات في الطرقات.

على اليمين قبل الدخول إلى عمق السوق من الشارع المؤدي إلى باب انطاكية، يعرض صاحب بسطة لبيع البسكويت بضاعته بأسلوب يجذب الزبائن، يقول “إذا ما ربحت منها لا تشتريها”، يساوم على خسارة متوقعة مقابل كسب زبائن وبيع بسكويته قبل نهاية اليوم محققاً هامشاً بسيطاً من الربح، حسب قوله.

الفوضى الظاهرة في السوق تخفي نظاماً خاصاً أعتاده الباعة والزبائن، خطوط من البسطات تفصلها ممرات ضيقة، وباعة يعرفون زبائنهم، ومتسوقون يفتشون بين الأكوام بصبر بحثاً عن سلعة مناسبة.

مهن أخرى تجد لنفسها مكاناً في السوق، حلاق يمارس عمله في الهواء الطلق، بائع خردة يعرض أدوات فقدت أجزاؤها، لكنها ما تزال تجد من يحتاجها، وبسطات من الثياب الجديدة والبالة في مداخله.

سوق باب جنين في مدينة حلب
سوق باب جنين في مدينة حلب

تتحول أرضية ساحة السوق الترابية في الشتاء إلى طينية، تترك آثارها على كل من يزورها، وعلى أرضيتها، في مختلف أوقات السنة، بقايا مخلفات وقمامة تركها الباعة والمارة، أكياس نايلون، خضار تالفة، أعقاب سجائر.

لا يقتصر سوق باب جنين على وجود بسطات لبيع المواد الغذائية والخضار والفاكهة، بل خلف الساحة وبعد اجتياز أكوام التراب يظهر سوقٌ لبيع الألبسة الجديدة والمستعملة، وقطع أثاث قديمة مستعملة وأدوات صلبة.

يقول الأربعيني محمد، وهو صاحب بسطة في السوق، إنهم عقدوا اجتماعاً سابقاً مع المكتب التنفيذي في البلدية لمناقشة مصير السوق، واقترحوا عدة حلول من بينها تخصيص إحدى الساحات القريبة لتنظيم البسطات، إلا أن القرار لم يُحسم حتى الآن.

سوق باب جنين في مدينة حلب
سوق باب جنين في مدينة حلب

وأضاف أن “البلدية طرحت فكرة نقلهم إلى موقع آخر على شكل استثمار أو نقلهم إلى مكان مؤقت، إلا أن الانتقال إلى محل تجاري ليس خياراً واقعياً بالنسبة لكثير من الباعة”. يقول محمد إن إيجار المحل الواحد قد يتراوح سنوياً بين خمسة إلى عشرة آلاف دولار، وهو مبلغ يفوق قدرتهم ويضيف:  “أنا إذا ربحت ألف ليرة أعتبر نفسي لم أخسر، أما صاحب المحل فله تكاليف تشغيلية كبيرة”.

يقف سوق باب جنين على مفترق طرق، بين فوضى تؤمّن الرزق لآلاف العائلات، وتنظيم تسعى إليه البلدية لتحسين الواقع الخدمي، قد يكلّف المدينة خسارة أحد أكثر أسواقها حيوية وشعبية.