فوكس حلب

مجلة الكترونية تغطي أخبار محافظة حلب وعموم الشمال السوري.

في أثر الرغيف.. حكاية الخبز في السويداء

مينا الحلبي

منذ الصيف الماضي، لم تغب طوابير الخبز عن السويداء. بدأت تحت الشمس الحارقة، واستمرت مع تبدّل الفصول، فيما بقي الانتظار جزءاً ثابتاً من يوميات الناس. في هذه القصة المصوّرة، نتتبع رحلة الرغيف في السويداء، من لحظة غيابه إلى طرق وصوله، وكيف يعيد الناس ترتيب حياتهم مع كل انقطاع

من قال إنّ حقائب اليد في السويداء تحمل النقود فقط؟ في هذه الحقيبة، ربطة خبز. تضعها “وجيهة” قرب يدها وتمضي. الرغيف يسافر معها أينما حلّت، بعد انقطاعاته المتكررة منذ تموز الماضي. حضوره داخل الحقيبة يشي بقلق دائم حول توفره، قلق يرافق حركة الناس اليومية ويظهر في أبسط التفاصيل.

منذ تموز الماضي، مع الأعمال العسكرية التي شهدتها السويداء، لم يعد مشهد انقطاع الخبز طارئاً في المدينة، بل تحول إلى حالة متكررة دفعت الناس إلى التعامل مع الرغيف بوصفه أولوية يومية، فمع كل توقف في عمل الأفران، كانت عودة الرغيف مرتبطة بوصول شحنات الطحين عبر القوافل الإنسانية، في دورة متواصلة من الانقطاع والاستئناف.

أصبحت حركة قوافل الطحين إلى السويداء تعكس إيقاعاً متقلباً يمكن تتبعه في الأرقام، كما يظهر في المخطط البياني. فمنذ تموز، وقبل الهجوم العسكري على السويداء، كانت الكميات المخصصة تصل لنحو 840 طناً أسبوعياً. أما اليوم، فلا يصل سوى 500 طن، بعجز يبلغ 340 طناً في الأسبوع الواحد.

خلال السنة الماضية، دخل إلى محافظة السويداء نحو 7500 طن من الطحين. وصلت هذه الشحنات عبر أرتال مساعدات تسلك طريق دمشق–السويداء، أكثر الطرق توتراً في المنطقة الجنوبية، تقوده سيارات الهلال الأحمر. وتكون الشاحنات محمّلة بأكياس الطحين التي تبدأ رحلتها من مستودعات برنامج الأغذية العالمي (WFP)، حيث تُجهَّز قبل أن تنطلق نحو المحافظة ضمن استجابة إنسانية مستمرة للمنطقة الجنوبية.

مع وصول كل شحنة طحين، تعود الحركة إلى الأفران في السويداء. تُفرغ الأكياس، يُشعل الفرن، ويبدأ الخبز بالخروج من جديد. هكذا، يستعيد الرغيف -مؤقتاً- مكانه في تنظيم إيقاع الحياة اليومية.

نقص الإمدادات أجبر الأفران في السويداء على تعديل آلية عملها، فصارت تعمل أربعة أيام مقابل ثلاثة أيام توقف. وللحصول على الخبز، يُطلب من المواطنين إبراز دفتر العائلة أو بطاقة تُظهر عدد أفراد الأسرة. ويُخصص لكل فرد أربعة أرغفة، ما يعني أن عائلة من أربعة أشخاص تحصل على 16 رغيفاً في كل دورة، وهي كمية بالكاد تكفي ليومين في ظل الطلب المستمر.

في أنحاء مختلفة من المحافظة، لم يعد نقص الطحين ينعكس على الأفران فقط، بل على تفاصيل الطعام داخل البيوت أيضاً، حتى في المناطق التي لم تشهد عمليات عسكرية مباشرة، حيث أخذت المؤونة اليومية تتقلص إلى الحد الأدنى.

في الريف الجنوبي، يفتح صفوان ثلاجته فلا يجد سوى رغيفين وعدد قليل من الصحون. يمد يده ليحضّر عشاءه، ثم يتوقف لحظة، مفكراً في صباح اليوم التالي. يتراجع عن أخذ الخبز، ويترك ما تبقى لإعداد سندويشات الفطور لأولاده.

مع شروق الفجر، كان صفوان يقف في طابور طويل أمام فرن البلدة، وسط وجوه أنهكها الانتظار والقلق. تدور الأحاديث نفسها كل صباح: هل يصل الخبز اليوم؟ وهل تكفي الكمية؟

شحّ الخبز أجبر السكان على البحث عن بدائل خارج الأفران، فظهر ما يُعرف بـ”الخبز الحر”. تُعرض الربطات على الأرصفة إلى جانب سلع بسيطة أخرى، وقد يصل سعر الربطة غير المدعومة إلى نحو 20 ألف ليرة سورية، وهو مبلغ يفوق قدرة كثير من العائلات، لكنه يظل خياراً يلجأ إليه البعض لتفادي الانتظار الطويل.


نقص الطحين وتكرار توقف الأفران أعاد كثيراً من أهالي السويداء إلى الخبز المنزلي، بعد سنوات تراجع فيها حضوره في الحياة اليومية. في بعض البيوت، عادت النساء إلى تخزين الطحين واستخدامه عند كل انقطاع، كحلّ يفرضه غياب البدائل أكثر مما تفرضه العادة.

أم علاء، من قرية “ملح” جنوب السويداء، تصف هذه العودة قائلة: “بسبب الظروف الأمنية والاقتصادية السيئة رجعنا نخزن طحين على قد ما منقدر، ولما يوقف الفرن منرجع نخبز بالبيت”. هكذا عادت طقوس كاد سكان المحافظة ينسونها، لكنها صارت اليوم وسيلة اضطرارية لمواجهة النقص المستمر.


“هذه المادة هي نتاج ورشة صحفية مشتركة لشبكات الإعلام والصحافة التعاونية في سوريا، نظمتها مؤسسة MiCT الإعلامية بالتعاون مع 12 مؤسسة إعلامية سورية مستقلة”.