فوكس حلب

مجلة الكترونية تغطي أخبار محافظة حلب وعموم الشمال السوري.

لاجئون سوريون يفرون من حرب لبنان ويعودون إلى نقطة الصفر في سوريا

وجد آلاف اللاجئين السوريين في لبنان أنفسهم في مواجهة مع حرب جديدة أثرت على وجودهم واستقرارهم وعملهم، قسمٌ منهم اختار العودة إلى سوريا، للنجاة بأرواحهم وعوائلهم، تاركين وراءهم أعمالهم وأثاث منازلهم، ليصطدموا بواقع أشد قسوة، منازل مدمرة، وبطالة، وبداية من الصفر

عاد حيان العلي، 31 عاماً، إلى قريته البرسة في ريف معرة النعمان الشرقي، منذ نحو شهر، هرباً من الحرب في لبنان ناجياً بعائلته، بعد 14 عاماً من اللجوء، أمضاها في منطقة الحوش بمدينة صور جنوبي لبنان، عمل خلالها في مهنة تركيب البلاط والسيراميك وأعمال البناء.

يقول حيان واصفهاً رحلة عودته “خرجت من سوريا عام 2012 هرباً من الحرب والقصف، واليوم عدت إليها مع زوجة وطفلة أيضاً هرباً من الموت والقصف”.

منذ بداية الحرب الإيرانية الإسرائيلية الأمريكية، بداية آذار الماضي، وتوسّع دائرتها إلى لبنان، تعرّضت حياة آلاف السوريين اللاجئين للخطر، شأنهم شأن أبناء لبنان الذين تعرّضت مدنهم وبلداتهم لقصف “إسرائيلي” شبه يومي.

في 13 نيسان، قتل عمّال سوريين بغارة “إسرائيلية” على بستان بلدة العباسية في قضاء صور، لينضموا إلى عشرات السوريين الذين قتلوا بالقصف.  وسائل إعلام دولية قالت إن الجيش الإسرائيلي أصدر إنذارات إخلاء فورية لسكان نحو 41 قرية في جنوب لبنان، تمهيداً لعمليات عسكرية واسعة، على إثرها شهدت المنطقة حركة نزوح لنحو 1.2 مليون لبناني بينهم لاجئين سوريين.

ويقدّرعدد اللاجئين السوريين في لبنان بنحو 1.8 مليون، بينهم نحو 880 ألفاً مسجلين لدى مفوضية الأمم المتحدة لشؤون اللاجئين، عاد منهم بشكل طوعي بعد سقوط نظام الأسد نحو  355 ألف من المسجّلين.

لم يكن الإخلاء سهلاً على حيان وعائلته، كذلك على بقية سكان في منطقة الحوش بقضاء صور، بعد ورود إنذارات بإخلاء المنطقة كونها هدفاً القصف، يقول “كنا نعد سحور رمضان عندما أُعلمنا بضرورة إخلاء المنطقة ومغادرة المنزل فوراً”.

خرجت العائلة رفقة معظم سكّان المنطقة “بثيابهم وأرواحهم”، يؤكد حيان أن أكثر من ألف عائلة سورية تقيم في القضاء جنوبي لبنان من بينهم عشر عوائل من قريته البرسة، كلها هربت ونزحت باتجاه صيدا أو شمال لبنان تمهيداً للعودة إلى سوريا.

أمضت العوائل النازحة أياماً دون سكن، يقول حيان إنه نام ليلتين في المسجد ومثلها في الحديقة، قبل أن يعود إلى سوريا، فيما شهدت منطقة صيدا ارتفاعاً كبيراً في إيجارات المنازل وصلت إلى نحو ألف دولاراً للمنزل، ما جعل خيار البقاء في لبنان غير ممكن.

العودة إلى سوريا أيضاً لم تكن سهلة، على الأقل بالنسبة له، يقول “خرجت من لبنان مثلما دخلته، عبر طرق التهريب”، ويضيف أنه وعند وصلوله إلى منفذ جوسية من الجانب اللبناني حجز الأمن بطاقته الشخصية بسبب مخالفة أوراقه، بينما تمكنت زوجته وابنته من المغادرة عبر المنفذ ذاته. وبعد يومين سلك هو طريقاً غير شرعياً رغم خطورته بتكلفة 60 دولاراً للوصول إلى الأراضي السورية.

عائلة حيان كانت واحدة من نحو 197 ألف شخص، دخلوا سوريا من الأراضي اللبنانية خلال شهر آذار الماضي، توزّعوا على ثلاثة منافذ حدودية هي جديدة يابوس، وجوسية، والعريضة. بحسب مازن علوش، مدير العلاقات في الهيئة العامة للمنافذ والجمارك.

وأوضح علوش أن الحصة الأكبر من حركة العبور سُجّلت عبر منفذ جديدة يابوس، إذ تجاوز عدد المسافرين 123 ألفاً، فيما بلغ عدد العابرين عبر منفذ جوسية أكثر من 66 ألف مسافر. إضافة إلى دخول نحو 4500 سيارة محمّلة بالأثاث المنزلي تعود لعائلات عادت طوعاً إلى البلاد، مؤكداً أن هذه الأمتعة معفاة من الرسوم والضرائب في إطار تسهيلات العودة.

المنافذ البرية أيضاً مع لبنان لم تسلم من تداعيات الحرب، إذ تعرض منفذ جديدة يابوس إلى إغلاق مؤقت في 5 نيسان الجاري، حرصاً على سلامة المسافرين إلى حين زوال أي مخاطر محتملة، على خلفية نشر تحذيرات من الجانب “الإسرائيلي” لاستهداف المنطقة القريبة منه، قوبلت برد من الجانب السوري، أكد فيه عبر الهيئة العامة للمنافذ والجمارك أن منفذ جديدة يابوس مخصص حصراً لعبور المدنيين، ولا يُستخدم لأي أغراض عسكرية، مع نفيها وجود أي مجموعات مسلحة أو ميليشيات، إضافة لعدم السماح باستخدامه لأي نشاط خارج الأطر المدنية والقانونية.

خلال هذه الفترة والتي امتدت لأربعة أيام بقي منفذ جوسية، المنفذ الوحيد مع لبنان لعبور المسافرين، وسجّلت الحركة نحو 19 ألف مسافر بين قادمين ومغادرين، وفق علوش، وشهد المنفذ ازدحاماً ملحوظاً في حركة المسافرين.

 وفي صباح التاسع من نيسان استئنف العمل في منفذ جديدة يابوس، وعادت حركة العبور إلى نشاطها الطبيعي، مع تسجيل دخول وخروج مستمر للمسافرين. أما منفذ العريضة فما يزال يعمل بشكل جزئي أمام عودة السوريين إلى وطنهم، ضمن الإجراءات والمواعيد المحددة وبما يضمن استمرار حركة العودة بشكل آمن ومنظم.

تعمل المنافذ بين البلدين على مدار الساعة، ووفق علوش مع اتخاذ  إجراءات لتسهيل دخول المسافرين إلى الجانب السوري أو مغادرتهم باتجاه الجانب اللبناني، إضافة إلى تخصيص حافلات تقل المسافرين داخل المنفذ بشكل مجاني، مع توفير نقطة طبية وسيارات إسعاف، للتعامل مع الحالات الصحية الطارئة ونقل المرضى عند الحاجة إلى المستشفيات أو تقديم العلاج ضمن النقطة الطبية داخل المنفذ.

عودة العوائل السورية المفاجئة في هذه الظروف لم تكن في حسبانهم، حسب قول من تحدثنا إليهم، فالحرب أثرت على حياتهم وأعمالهم ولقمة عيشهم، ومعظم العوائل التي عادت إلى ريف إدلب الجنوبي، وجدت منازلها مدمرة، واضطرت للسكن في الخيام مجدداً، فضلاً عن خسارة أثاثهم المنزلي وكل ما جنوه خلال سنوات لجوئهم وعملهم في لبنان. 

عائلة زهرة حساوي،37 عاماً من مدينة حلب، إحدى العائلات التي عادت في منتصف شهر آذار الماضي بطفلتيها هرباً من أصوات القصف والحرب، تقول إنها لجأت إلى لبنان مع زوجها في 2017، واستقروا في محافظة كسروان، عمل زوجها سائق شاحنة إلا أن القصف الذي شهده لبنان الشهر الفائت جعل العائلة تفكر بالعودة فوراً إلى سوريا تقول زهرة “إن صوت بكاء طفلتيها وذعرهما عند أي قصف لم يترك لها خيار البقاء والانتظار، خاصة أنها عاشت تجربة مشابهة في سوريا”.

سلكت العائلة طريقاً غير شرعي من منطقة وادي خالد للوصول إلى سوريا عن طريق صديق العائلة وهو أحد سماسرة التهريب، توضح زهرة “لم نستطيع العودة عن طريق المعابر لأن زوجي أراد ايصالنا إلى سوريا ثم العودة إلى لبنان للعمل، فنحن لا نملك منزل وليس لدينا أي عمل في سوريا، ومجرد الخروج من المعبر يعني صعوبة في العودة”. 

تعيش زهرة اليوم لوحدها مع ابنتيها وسط ظروف معيشية تصفها بالقاسية، بينما عاد زوجها منذ أيام إلى لبنان للبحث عن عمل جديد وتأمين مصدر رزق لعائلته التي سكنت مؤقتاً في منزل قديم لأقاربهم في مدينة داريا بريف دمشق. تقول إنها لم تسلم من آثار الحرب بعد أن خسرت استقرار عائلتها.

عائلة حيان كذلك تغيرت حياتهم كلياً، فبعد عودتهم إلى سوريا نصبوا خيمة قرب أنقاض منزلهم المدمر في ريف المعرة الشرقي، يقول بحسرة “بعد غربة 14 عاماً عدت إلى نقطة الصفر، لا منزل، ولا عمل، ولا استقرار، وكأنه كتب علينا أن تأكل الحرب كل ما نجنيه”. 

 مفوضية السامية للأمم المتحدة لشؤون اللاجئين وصفت في تقرير لها حالة العائدين إلى سوريا بأنهم يصلون منهكين ويعانون من الصدمات، وليس في جعبتهم سوى القليل من الأمتعة. وذكرت أن سوريا شهدت خلال الفترة من 2 إلى 27 مارس عودة أكثر من 200 ألف شخص إلى عبر المعابر الرسمية الثلاثة، كما عبر أكثر من 28 ألف لبناني إلى سوريا، معظمهم من الفارين من القصف الإسرائيلي المكثف.

حال حيان العلي وزهرة مثل حال آلاف السوريين، الذين وجدوا أنفسهم مجدداً أسرى لحروب لا يملكون قرارها. فبين لجوءٍ انتهى على وقع القصف، وعودةٍ بدأت فوق أنقاض المنازل، تنتهي رحلة لجوء سوريين عادوا من لبنان  بخسارات متعددة، في ظل غياب مقومات الاستقرار وانعدام البدائل في مناطقهم.