فوجئ مسعود، أحد سكان حي الأشرفية في مدينة عفرين، بتجاوز متعهد بناء على الطريق العام الواقع قرب منزله بنحو ثلاثة أمتار. فأبلغ البلدية فور اكتشافه التجاوز، لتحضر الضابطة وتوجّه إنذاراً رسمياً لصاحب العقار.
يقول مسعود لفوكس حلب، اشترى المتعهد محضر الأرض من أحد جيراني قبل نحو أربعة أشهر، وبدأ على الفور بتشييد بناء طابقي. ويضيف من المثير للاستغراب أنّ المتعهد استأنف عملية البناء بعد أسبوع من حضور الضابطة وكأن شيئاً لم يكن. ويضيف أنّ “هذا التجاوز سيقلص مساحة الطريق والرصيف، كما أنّ عدم وجود عقوبة رادعة سيشجّع غيره من المتعهّدين على فعل الشيء نفسه”.
شهدت مدينة عفرين في ريف حلب، بعد سقوط نظام الأسد في الثامن من كانون الأول 2024، حركة عمرانية، ارتفعت وتيرتها مع انسحاب الفصائل العسكرية وبدء عودة النازحين إلى منازلهم، وخاصة من حيي الأشرفية والشيخ مقصود في حلب، ومناطق شمال شرقي سوريا.
تزامناً مع ذلك تحوّلت البيوت التقليدية داخل المدينة إلى أبنية طابقية، نتيجة زيادة الطلب على الشقق، ما أدى إلى ارتفاع الأسعار بنسبة تجاوزت 100 بالمئة. يقول أحمد شيخو، وهو تاجر بناء لفوكس حلب إن سعر متر الأرض كان قبل السقوط يتراوح بين 150 و200 دولار، واليوم ارتفع إلى ما بين 350 و400.
رافق هذا التوسع العمراني، بحسب شيخو، جملة من المخالفات، تمثّلت في تجاوز عدد الطوابق المسموح بها، والتعدي على الطرقات العامة، فضلاً عن البناء على أراضٍ زراعية خارج المخطط التنظيمي للمدينة.
يقول حسن جعفر، وهو صاحب مكتب عقاري، في حديث لفوكس حلب، إن الشروع في البناء يتطلّب الحصول على ترخيص قانوني، إذ يبدأ المتعهد باستصدار رخصة بناء نظامية، ثم ينطلق في تنفيذ المشروع. غير أن بعض المتعهدين يتجاوزون لاحقاً بعدد الطوابق المسموح بها.
وفي حال اكتشاف هذه المخالفة من قبل الضابطة العدلية، يُنظَّم إنذار أو ضبط يُحال إلى المكتب القانوني، ثم إلى المحكمة المدنية، وعندها يلجأ صاحب البناء إلى “المصالحة” ودفع غرامة لا تتجاوز مليون ليرة سورية عن كل طابق مخالف، ومن ثمّ يستكمل أعمال البناء. ويضيف جعفر أنّ هذا النمط أصبح شائعاً بين متعهدي البناء في المدينة، وغالبااً ما يلجأ البعض إليه بسبب ارتفاع أسعار المحاضر المخصصة للبناء.
لا تقتصر المخالفات، بحسب جعفر، على تجاوز عدد الطوابق، بل يلجأ بعض المتعهدين أيضاً إلى التعدّي على الأملاك العامة، ولا سيما الطرق الرئيسة. ويؤكد هذه الظاهرة فوزي ناصر، أحد سكان حي الأشرفية، في حديث لفوكس حلب.
يقول ناصر، هناك متعهدون تجاوزوا على الشوارع الرئيسية قرب طريق الباسوطة الرئيسي بنحو ستة أمتار، ويضيف “حضرت الضابطة وهدمت جزءً من البناء، لكن بعد أسبوعين عاد صاحب البناء ليغطي الجزء المهدوم بعازل، ويستكمل البناء على مرأى من الجميع”.
مع بداية عام 2025، شهدت المناطق الواقعة غرب الأوتوستراد الغربي، جنوب شارع العشرين في حي المحمودية، وحتى الطريق الرئيسي بين عفرين وجنديرس -الحد الفاصل للمخطط التنظيمي -نشاطاً ملحوظاً في بناء تجمعات سكنية.
وعلى الرغم من أن هذه المنطقة تُصنّف زراعية يُمنع منح تراخيص بناء فيها، فقد أُقيمت عدد من التجمعات السكنية تحت اسم “جمعيات”. إذ أقدم متعهدون على شراء بساتين زيتون، وتقسيمها إلى محاضر، ثم بيعها والبناء عليها.
يقول بركات حسن، أحد المشترين في المنطقة لفوكس حلب “اشتريت محضراً على طريق قرية كفر شيل غرب عفرين، وبدأت منذ ستة أشهر ببناء منزل عليه بمساحة 120 متراً مربعاً. ويضيف، أنّ هذه المنطقة تتميّز المنطقة ببعدها عن الازدحام، وقربها نسبياً من مركز المدينة، إضافة إلى توفّر مدارس فيها، ما يجعلها خياراً مناسباً لعائلتي.
يرى المهندس نعيم قاسم، وهو صاحب مكتب هندسي متخصص في البناء، أن غياب تحديث المخطط التنظيمي للمدينة يشكّل السبب الرئيسي لنشوء هذه التجمعات السكنية.
ويوضح في حديث لفوكس حلب أن المخطط الحالي وُضع قبل عقود، ولم يعد يواكب الزيادة السكانية المتسارعة و التوسع العمراني ولا النشاط التجاري المتنامي، سواء للأهالي أو للوافدين من مناطق سورية أخرى.
وقد أسهم ذلك، بحسب قاسم، في إحداث فجوة كبيرة بين العرض والطلب، ودفع المدينة إلى بلوغ أقصى طاقتها الاستيعابية، في ظل غياب الرقابة وعدم مواكبة متطلبات سوق العقارات.
من جهته، يوضح المهندس زكوان حسن، المسؤول عن تنظيم تراخيص البناء في بلدية عفرين، أن إجراءات منح الترخيص تبدأ بتقديم الوثائق الثبوتية للملكية أو الوكالة، مرفقة ببيان قيد عقاري وبيان مساحة.
وبعد دراسة هذه الأوراق من قبل مكتبي المساحة والشؤون القانونية، تُحال إلى لجنة فنية لمعاينة الموقع ميدانياً، والتحقق من وقوعه ضمن المخطط التنظيمي، قبل منح الترخيص والإشراف على التنفيذ وفق الشروط الهندسية المعتمدة.
وخلال مرحلة البناء تتولى الضابطة التابعة للبلدية مراحل التشييد حسب الرخصة الممنوحة لصاحب العقار، كونها الجهة المسؤولة عن تقديم التقارير والضبوط بحال وجود أي مخالفة أو تجاوز، ومن ثمّ التصرف حسب القوانين النافذة.
هذا الواقع يعكس تحديات كبيرة تواجه مدينة عفرين مع التوسع العمراني السريع، في المرحلة التي تتطلّب إعادة النظر بالمخطط التنظيمي وتشديد الرقابة لضمان التوازن بين الحاجة السكنية والقوانين التنظيمية.
