لم تنصف المفاضلة الطبية المركزية الموحدة، خريجي كلية الطب البشري في جامعة حلب، واعتبروها مجحفة بحقهم بعد أن قلّصت بشكل كبير فرصهم في مقاعد الاختصاصات الطبية التي يطمحون إليها، ما دفعهم إلى الخروج في اعتصام للمطالبة بإعادة النظر في آليات القبول وزيادة عدد مقاعد الاختصاصات الطبية النوعية، أسوة بزملائهم في المحافظات الأخرى.
المفاضلة الموحدة (أو المركزية الإلكترونية) في سوريا هي نظام قبول جامعي إلكتروني شامل أطلقته وزارة التعليم العالي، يشمل لأول مرة جميع الجامعات العامة والخاصة معاً، وصدرت أول مرة للعام الدراسي الحالي 2025-2026. تهدف بحسب الوزارة إلى تحقيق الشفافية، العدالة في توزيع الفرص، وتخفيف الأعباء الإدارية عبر تطبيق “جامعتي”.
كما خصصت مفاضلة موحدة لتوزيع خريجي الكليات الطبية (طب بشري، أسنان، صيدلة) على برامج التدريب والمستشفيات التعليمية. وكانت وزارتا التعليم العالي والصحة قد أعلنتا في 12 آذار الماضي عن صدور المفاضلة الطبية الموحدة للاختصاصات الطبية للعام الدراسي الحالي، ولكن ذلك الإعلان ترافق مع تصاعد اعتراضات الطلاب على قلة المقاعد ضمن عدة اختصاصات، ونتيجة لذلك أعلنت وزارة التعليم العالي والبحث العلمي في اليوم التالي سحب الإعلان مؤكدة أنها ستعيد نشره بعد إدخال تعديلات عليه.
وأوضحت الوزارة أن هذه الخطوة تأتي في إطار “تحقيق العدالة وتكافؤ الفرص” بين المتقدمين، من خلال إعادة النظر في أعداد المقبولين وتعديل بعض معايير القبول، بما ينسجم مع المصلحة التعليمية.
وبعد يومين عادت الوزارة وأعلنت عن فتح باب التقديم مجدداً إلى المفاضلة الطبية الموحدة لخريجي كليات الطب البشري وطب الأسنان والصيدلة، في خطوة تعكس استجابة رسمية للاعتراضات وإعادة ضبط مسار القبول، إلا أن هذه التعديلات بحسب الطلاب لم تكن كافية لمعالجة جوهر المشكلة.
“المشكلة لا تتعلق بعدد المقاعد بل بتوقيتها وسياقها أيضاً” تقول براءة أحمد، خريجة كلية الطب البشري في جامعة حلب، موضحة أن “عدد الخريجين هذه السنة أكبر من السنوات الماضية، وهناك طلاب من دفعات سابقة، ومع ذلك تم تقليص عدد المقاعد مقارنة بالسنة الماضية.
ورغم احتجاجنا، قيل لنا أن السنة الماضية كانت استثناءً، لكن حتى بعد تعديل المفاضلة لم نستفد فعلياً، لأن الزيادة كانت على حساب اختصاصات غير مرغوبة مثل التخدير وطب الأسرة”.
وتؤكد براءة أنّ بعض الاختصاصات المحددة لوزارة الصحة خُصص لها مقعد واحد فقط. تقول متسائلة عن انعكاس ذلك على واقع العمل الطبي مستقبلاً: “هل من المنطقي أن يتحمل طبيب مقيم واحد عبء المناوبات في اختصاص طبي كامل؟ هذا سيؤثر حتماً على جودة العمل والضغط داخل المستشفيات”.
حصلت براءة على معدل 81%، إلا أن تقدير “جيد جدًا” وفق المؤشرات الحالية قد لا يضمن لها أي اختصاص ضمن هذه المفاضلة. تقول: “بعد كل هذا التعب، قد لا أحصل على اختصاص مناسب، وهذا الشيء غير منطقي”.
لا ترتبط المشكلة بعدد المقاعد فحسب، بل تتجاوزها إلى طبيعة المسارات المتاحة، فالمستشفيات في حلب تنقسم بين ما يتبع لوزارة التعليم العالي، أو لوزارة الصحة، ولكل منهما طبيعة مختلفة من ناحية التدريب وطبيعة الشهادة المقدمة في نهاية سنوات الاختصاص.
في المستشفيات الجامعية مثل: مستشفى حلب الجامعي، والمستشفيات التخصصية كالقلب والتوليد، والتي تعرف بطابعها الأكاديمي واعتمادها على البحث العلمي، وإعطائها شهادة الماجستير في الاختصاصات الطبية، تبقى المنافسة شديدة نظراً لاعتمادها على معدلات مرتفعة ما يجعلها خياراً محدوداً ولكنه مرغوب بالدرجة الأولى لشريحة من الخريجين.
في المقابل فإنّ مفاضلة وزارة الصحة التي تعتمد بشكل أكبر على التدريب العملي ضمن مستشفيات تابعة لوزارة الصحة، مثل الرازي وابن رشد وزاهي أزرق، والتي تمنح الأطباء المقيمين فرصة التقدم للحصول على شهادة البورد السوري، شكلت المسار البديل لمعظم الطلاب الذين لم يتمكنوا من دخول الدراسات العليا.
ولكن توحيد المفاضلة أخيراً، بالتزامن مع تقليص عدد المقاعد في مستشفيات وزارة الصحة ألغى عملياً هذا التوازن، لتصبح الخيارات أمام خريجي الطب البشري أقل، إذ أصبحت المنافسة على “الخطة ب” لا تقل صعوبة عن “الخطة أ”، ما يترك عدداً كبيراً من الخريجين خارج الاختصاص تماماً.
ولا تقتصر الاعتراضات على الشهادات الفردية، بل تمتد إلى ممثلي الطلاب. يقول بشار طيفور، ممثل دفعة الخريجين للاعتراض على المفاضلة الطبية الموحدة، إنّ المشكلة الأبرز تتمثل في الانخفاض الحاد بعدد المقاعد المخصصة لوزارة الصحة والتي عادة ما تكون فيها فرصة الحصول على مقعد أقوى من الفرصة في مفاضلة وزارة التعليم العالي. موضحاً أن معظم الاختصاصات النوعية، مثل الجراحة العصبية وأمراض الكلية والاختصاصات الداخلية الدقيقة، خُصص لها مقعد واحد أو مقعدان فقط.
ويرى طيفور أن هذا الواقع لا ينعكس فقط على فرص الطلاب في متابعة الاختصاص، بل يهدد أيضاً كفاءة القطاع الصحي في محافظة حلب مستقبلاً، في ظل احتمال زيادة الضغط على المستشفيات ونقص الكوادر المؤهلة، خاصة مع افتتاح وزارة الصحة منشآت صحية جديدة مثل مستشفى منبج.
كما يشير إلى وجود فجوة كبيرة بين أعداد الخريجين والمقاعد المتاحة، لافتاً إلى أن عدد المقاعد في الاختصاصات المرغوبة في مفاضلتي التعليم العالي والصحة في حلب، لا يتجاوز 350 مقعداً لنحو 800 خريج، ما يعني أن أكثر من 400 طالب باتوا خارج المنافسة الفعلية.
وعلى المستوى الشخصي يقول: “معدلي التفاضلي 78% وكنت أطمح لدراسة اختصاص داخلية كلية، لكن عندما يكون هناك مقعد واحد فقط فإن أي طالب معدله أعلى مني سيكون أحق بذلك المقعد”.
ولا تقتصر المشكلة عند حدود المعدلات المتوسطة، فأمل المحمود، وهي إحدى خريجات كلية الطب البشري بجامعة حلب، حصلت على معدل تفاضل بلغ 86%، تؤكد أن فرصها في دخول الدراسات العليا هذا العام تكاد تكون معدومة، رغم تصنيف معدلها ضمن المعدلات الجيدة جداً، مشيرة إلى أن عدد المقاعد المطروحة في المفاضلة الحالية يُعد الأدنى مقارنة بالسنوات الثلاث الماضية.
وتوضح أن هذا التراجع حرمها من التقدم إلى عدد من الاختصاصات المطلوبة بين الطلاب، مثل العينية والجلدية والأذنيّة والقلبية والصدرية، رغم تحقيقها معدلاً من المفترض أن يؤهلها للمنافسة عليها.
وفيما يتعلق بواقع التدريب تشير أمل إلى أن تقليص عدد المقبولين ينعكس بشكل مباشر على ضغط العمل داخل المستشفيات، وبحسب قولها، فإن طالب الاختصاص في الأقسام الداخلية كان يُكلّف بنحو 10 مناوبات شهرياً في السنوات السابقة، في حين قد يرتفع العدد حالياً إلى نحو 15 مناوبة، مدة الواحدة منها 24 ساعة، تليها ساعات دوام إداري ما يفرض عبئاً كبيراً على الأطباء المقيمين.
وتضيف أن إعلان مفاضلة وزارة الصحة لم يحقق زيادة فعلية في عدد المقاعد رغم الحديث عن تعديلها، مشيرة إلى محدودية الأعداد المطروحة في بعض الاختصاصات، فقد طُلب طبيب واحد فقط في الجراحة العصبية وطبيبان في كل من اختصاصي الصدرية والغدد، متسائلة عن قدرة هذه الأعداد على تلبية احتياجات المستشفيات في مدينة بحجم حلب. تقول: “محافظة حلب لا تحظى بعدد كافٍ من مقاعد الاختصاص مقارنة بحجمها واحتياجاتها”.
تعكس شهادات خريجين قابلناهم، وجود فجوة واضحة بين أعداد المتقدمين والمقاعد المتاحة، ما يضعهم أمام خيارات يعتبرونها صعبة، فمنهم من سيقبلون باختصاصات طبية لا يرغبون بها، و آخرون يفكرون بالهجرة كبديل يضمن لهم مستقبلاً مهنياً أكثر استقراراً. وهو الخيار الأكثر تداولاً بينهم.
وهنا يبرز ملف، هجرة الأطباء السوريين للاختصاص خارج البلاد، كأحد أبرز النتائج المقلقة لتقليص فرص الخريجين محليّاً. فالمؤشرات تدل على أن الفرص في بلاد المهجر أوسع والإجراءات أقل تعقيداً. وتشير تقديرات نقابية وتقارير دولية إلى أنّ عشرات آلاف الأطباء السوريين غادروا البلاد منذ عام 2011، فمن أصل نحو 45 ألف طبيب مسجل في نقابة الأطباء السورية، هناك أكثر من 10 آلاف طبيب سوري يعملون حالياً خارج سوريا وفق تقديرات النقابة، فيما ترفع تقديرات أخرى عدد الأطباء المهاجرين إلى أكثر من 25 ألفاً.
ويظهر هذا الواقع بوضوح في الدول التي تستقطب الأطباء السوريين الذين يتصدرون قائمة أكبر الكوادر الطبية الأجنبية في ألمانيا مع تسجيل نقابة الأطباء الاتحادية أكثر من 7 آلاف طبيب سوري عام 2024، وسط تقديرات غير رسمية ترفع العدد الفعلي إلى ما بين 10 _ 15 ألف بعد احتساب الحاصلين على الجنسية. كما لم تكن الهجرة مقتصرة على أوروبا بل امتدت إلى دول أخرى تستقطب مئات الأطباء السوريين.
في المقابل ينعكس هذا النزيف على الداخل السوري، إذ يظهر نقص واضح في اختصاصات أساسية، مثل التخدير وطب الأسرة والطب الشرعي. وبين قلة المقاعد محلياً واتساع الفرص في الخارج يجد كثير من الخريجين أنفسهم أمام خيار السفر كمسار شبه إلزامي، ما يطرح تساؤلات جدية حول مستقبل الكوادر الطبية في البلاد.
وفي تعليقه على احتجاجات طلاب الطب في حلب، أوضح الدكتور محمد أسامة رعدون، رئيس جامعة حلب، لفوكس حلب، أن تقليص مقاعد الاختصاص يرتبط بالقدرة الاستيعابية الفعلية للمستشفيات التعليمية من ناحية عدد الأسرة وحجم الخدمات المقدمة وتوافر الكوادر المؤهلة للإشراف، مؤكداً أن الهدف هو الحفاظ على جودة التدريب الطبي وعدم الإخلال بالمعايير الأكاديمية والمهنية.
وأشار رعدون إلى أن هذا القرار ناتج عن تداخل عدة عوامل، أبرزها نقص الأطباء المشرفين والضغط الكبير على المستشفيات، ما يفرض تنظيم العملية التدريبية بما يضمن كفاءتها.
وبيّن رعدون أن المعايير المعتمدة لتحديد أعداد المقبولين تشمل عدد الكوادر المشرفة والقدرة الاستيعابية للمستشفيات وحجم الخدمات الطبية، إضافة إلى الحاجة الفعلية لكل اختصاص في سوق العمل، بهدف تحقيق التوازن بين جودة التدريب وتلبية الاحتياجات الصحية.
واعتبر أن توحيد المفاضلة بين وزارتي التعليم العالي والصحة خطوة إيجابية لتعزيز العدالة وتكافؤ الفرص رغم حاجتها إلى تقييم وتطوير مستمرين. وفيما يخص مخاوف الطلاب من اشتداد المنافسة لفت إلى أنها نتيجة طبيعية لتوحيد المعايير، بهدف اختيار الأكفأ، مع العمل على زيادة الطاقة الاستيعابية تدريجياً بالتنسيق مع الجهات المعنية.
و بشأن الخريجين الذين قد لا تتاح لهم الفرصة بالحصول على مقاعد للاختصاص، أقر رعدون بإمكانية حدوث تأخر لدى البعض، لكنه شدد على أن ذلك لا يعني خروجهم من المنظومة الصحية، مشيراً إلى بدائل متاحة، مثل التقدم إلى دورات مفاضلة لاحقة أو العمل في المستشفيات لاكتساب الخبرة، أو التوجه نحو اختصاصات أقل إقبالاً لكنها مطلوبة.
ورغم الإقرار بالحاجة المتزايدة للكوادر الطبية، فسّر الدكتور رعدون تقليص المقاعد بضرورة عدم التوسع الكمي على حساب جودة التأهيل، مؤكداً أن العمل جارٍ على تحسين البنية التحتية للمستشفيات ودعم الكوادر الطبية تمهيداً لرفع الجاهزية واستيعاب أعداد أكبر مستقبلاً.
وبحسب رعدون فإن أعداد المقبولين تخضع لمراجعة دورية بالتنسيق مع الجهات المعنية، مع وجود انفتاح على إعادة التقييم في ضوء الاعتراضات الطلابية، شريطة الحفاظ على جودة التدريب والمعايير العلمية.
وبين الحفاظ على جودة التدريب الطبي وضمان فرص عادلة للخريجين، يبقى تقليص مقاعد الاختصاص في المفاضلة الطبية الموحدة اختباراً قاسياً لمستقبل خريجي الطب البشري، ومع صعوبة الخيارات في الداخل وسهولتها في الخارج يزداد خطر تحوّل الهجرة إلى الخيار الأول أمام الكثير منهم، في بلد لم يعد يحتمل خسارة المزيد من أطبائه.
