في صباح بارد من يوم 17 شباط الماضي، وقف عشرات من أطباء الأسنان على الرصيف أمام وزارة التعليم العالي في دمشق، يحملون قلقاً واحداً وإن اختلفت سنوات خبرتهم وتجاربهم. بعضهم جاء حديث التخرج، وبعضهم الآخر أمضى سنوات في المهنة، لكن ما جمعهم كان شعوراً متزايداً بأن الطريق إلى الاستقرار المهني يضيق أكثر فأكثر.
تبادل بعضهم الأحاديث عن تجاربهم الشخصية، وعن الاختصاص، وخدمة الريف، وصعوبة إيجاد فرصة مستقرة لممارسة المهنة، فيما اكتفى آخرون بالصمت. لكن حتى هذا الصمت كان واضحاً في معناه: أطباء يغادرون عياداتهم أو أعمالهم لساعات، ويقفون في البرد لأن مستقبل المهنة، بالنسبة إليهم، بات سؤالاً لم يعد يحتمل التأجيل.
لم يكن المشهد محصوراً في دمشق. ففي حلب أيضاً، وقف أطباء أسنان أمام مبانٍ حكومية حاملين لافتات كُتبت بخط اليد، تطالب بتنظيم المهنة والحد من الزيادة المستمرة في أعداد الخريجين، في تحرك عكس شعوراً عاماً داخل الوسط الطبي بأن السوق لم يعد قادراً على استيعاب المزيد.
فبينما تبدو العيادات من الخارج أماكن مستقرة، ما يجري داخل المهنة مختلف، فعدد الأطباء يزداد، وفرص العمل تضيق، وكل طبيب يحاول أن يجد لنفسه موطئ قدم في سوق بات أكثر ازدحاماً وأقل قدرة على منح الاستمرار.
سوق مزدحم
وفق نقيب أطباء الأسنان في سوريا، الدكتور زكريا الباشا، بلغ عدد الأطباء المسجلين في النقابة عام 2024 نحو 30 ألف طبيب، مقابل عدد سكان يُقدَّر بين 20 و22 مليون نسمة، أي نحو 11.5 طبيباً لكل 10 آلاف مواطن.
هذه النسبة تفوق بكثير المتوسط في الدول منخفضة الدخل، الذي يبلغ نحو طبيب واحد لكل 10 آلاف مواطن، بحسب مؤشر منظمة الصحة العالمية. ويُستخدم هذا المؤشر لمتابعة كثافة أطباء الأسنان مقارنة بعدد السكان، بهدف تقييم مدى توفر خدمات طب الأسنان في كل منطقة.
مطالب المعتصمين تمحورت حول تنظيم مسار التخصص وضبط سوق العمل. طالب الأطباء بزيادة مقاعد الاختصاص، التي لا تستوعب سوى نحو 8% من الخريجين سنوياً، مع إيقاف قبول الطلاب الجدد في كليات طب الأسنان للحد من الفائض السنوي، معتبرين أن الاختصاص هو المسار الرئيس للخروج من ضغط السوق.
كما أعاد الأطباء طرح مسألة خدمة الريف، التي أقرها القانون رقم 8 لعام 2008 بهدف إلزام الأطباء بالعمل في المناطق الريفية وضمان وصول الخدمات الطبية إليها، لكنها تحولت، وفق شهادات مشاركين في الاعتصام، إلى عبء إضافي بسبب ممارسات “الاستضافة”، حيث يستضيف طبيب في عيادته خريجاً جديداً مقابل مبالغ مالية.
الضغط يبدأ من الجامعة
لا يبدأ الاكتظاظ عند باب العيادة، بل قبل ذلك بسنوات، داخل كليات طب الأسنان نفسها. فبحسب مصادر من كلية طب الأسنان في دمشق، لا يتناسب عدد الكراسي المتاحة للتدريب العملي مع أعداد الطلاب المقبولين، إذ يوجد في جامعة دمشق نحو 270 كرسياً، علماً أن نصف هذا العدد معطّل أو لا يعمل بشكل جيد، مقابل قبول يقارب 900 طالب في السنة الأولى.
في بعض المحاضرات النظرية، يصل عدد الطلاب إلى 400 طالب، فيما يبلغ عددهم في التدريب العملي نحو 100 طالب، وسط نقص واضح في الكوادر التدريسية مقارنة بالمعايير الأكاديمية المعتمدة.
هذا الواقع ينعكس مباشرة على جودة التدريب، إذ يلتف ستة طلاب حول كرسي أسنان واحد، ولا تتجاوز حصة كل طالب نصف ساعة لإنجاز حالته، بحسب شهادات طلاب في كلية طب الأسنان بدمشق.
كما يدفع هذا النقص بعض الطلاب إلى البحث عن بدائل خارج الجامعة. تقول آية، وهي طالبة في التعليم الحكومي، إنها أصبحت تنجز بعض الحالات في عيادات خاصة تُؤجَّر بالساعات، في محاولة لإتمام متطلبات التدريب العملي، في ظل تراجع الإشراف المباشر مع تزايد الأعداد.
مقترحات بلا جواب
لم تصدر وزارة التعليم العالي أي تعليق حول الاعتصام طوال عشرين يوماً. وبعد ذلك، عقد ممثلون عن نقابة أطباء الأسنان اجتماعاً مع الوزارة، والتقينا أحد الأطباء الذين شاركوا فيه ورفض كشف اسمه، وقال إن ممثلي النقابة سلّموا الوزارة مجموعة من المقترحات العملية، ركزت على تخفيض أعداد الطلاب المقبولين سنوياً في كليات طب الأسنان بنسبة لا تقل عن 50%، بحيث لا يتجاوز عدد المقبولين ألفي طالب سنوياً.
كما شملت المقترحات، بحسب الطبيب، تطبيق معايير جودة تضمن توفر كرسي تدريبي لكل طالبين بدلاً من ستة، وتحقيق توازن بين أعداد الطلاب وأعضاء الهيئة التدريسية وفق المعايير الأكاديمية، إلى جانب اعتماد فحص قبول أو سنة تحضيرية إلزامية لطلاب السنة الأولى في الجامعات الخاصة، بما يسمح بانتقاء من يمتلكون المستوى العلمي المناسب لدراسة هذا الاختصاص.
وتضمنت المطالب أيضاً تحديد حد أدنى للقبول في اختصاص طب الأسنان لا يقل عن 90% في شهادة الثانوية العامة، إضافة إلى إلزام الخريجين بسنة امتياز أو خبرة عملية بعد التخرج ضمن برنامج تدريبي واضح، بما يساعد على ردم الفجوة بين الدراسة وسوق العمل. ورغم ذلك، لم تصدر الوزارة أي بيان رسمي حول الاجتماع أو ما تمخض عنه.
الهجرة.. خيار لا بدّ منه
في ظل هذا الواقع، لم يعد كثير من أطباء الأسنان الشباب ينظرون إلى سوق العمل داخل سوريا بوصفه خياراً قابلاً للاستقرار. بعضهم حاول البحث عن فرصة خارج البلاد، ليس بدافع الطموح وحده، بل هرباً من فائض الخريجين وضيق السوق.
موسى، الذي تخرج عام 2018، وجد نفسه سريعاً داخل هذا الواقع. كانت محطته الأولى العراق، حيث عمل لمدة ثمانية أشهر، لكن من دون ترخيص رسمي أو عقد يضمن له الحماية. يقول: “الخطر لم يكن فقدان الوظيفة فقط، بل الاحتجاز والترحيل”. وبالفعل، انتهت تلك التجربة باعتقاله لمدة 48 يوماً بسبب غياب الترخيص، قبل أن يتم ترحيله.
بعدها، كانت وجهته الثانية الصومال، بعدما صادف إعلاناً على فيسبوك يطلب أطباء أسنان للعمل هناك، فتواصل مع المركز مباشرة. هذه المرة كانت التكاليف على عاتق المركز باستثناء الفيزا.
يقول موسى: “في الصومال لا يوجد طبيب أسنان صومالي الجنسية، لذلك كان الطلب على الأطباء مرتفعاً والمردود جيداً نسبياً”. لكن التجربة لم تستمر طويلاً، إذ يضيف: “لم أستطع التأقلم مع طبيعة البلد ومناخه، وهذا أثّر على حياتي اليومية وصحتي النفسية.. لم أستطع تحمّل أكثر من سنة في الصومال”.
أما محطته الثالثة فكانت لبنان، حيث بدأ العمل في مركز داخل مخيم فلسطيني، وكان أغلب مرضاه من السوريين. في البداية، كان العمل جيداً، ولم يكن لديه راتب ثابت، بل كان يحصل على نسبة من تكاليف العلاج التي يدفعها المرضى. واستمر في العمل هناك حتى سقوط نظام الأسد، حين بدأ كثير من السوريين بالعودة من لبنان، ما انعكس مباشرة على عدد المرضى، وبالتالي على دخله، الذي انخفض، بحسب قوله، إلى حد بات بالكاد يغطي أجار السكن وتكاليف المعيشة.
عودة إلى العيادة.. والازدحام نفسه
بعد اثني عشر عاماً من التنقل بين أكثر من بلد، عاد موسى إلى سوريا عقب سقوط نظام الأسد، وافتتح عيادته في ضاحية قدسيا. كل صباح عند الساعة العاشرة، يفتح باب العيادة، لكن يوم العمل الذي يُعد جيداً بالنسبة إليه قد لا يتجاوز فيه عدد المرضى اثنين أو ثلاثة فقط.
هذا الواقع لا يخص موسى وحده، بل يعكس حال كثير من الأطباء الذين عادوا أو دخلوا سوق العمل حديثاً، ليجدوا أنفسهم أمام سوق مكتظة، تتوزع فيها أعداد كبيرة من الأطباء على عدد محدود من المرضى، في ظل تراجع القدرة الشرائية وارتفاع تكاليف العلاج.
الضغط المتراكم الذي يشعر به كل طبيب في عيادته، لا يرتبط فقط بعدد المرضى، بل أيضاً بكلفة التجهيزات الطبية، من أجهزة ومواد، والتي تشكل عبئاً كبيراً، خاصة على الأطباء حديثي التخرج. وبين قلة الدخل وارتفاع التكاليف، تتحول العيادة من مشروع استقرار مهني إلى محاولة يومية للاستمرار.
تنظيم المهنة أم تركها للازدحام؟
من هنا، يرى الخبير الاقتصادي سمير طويل أن تنظيم أعداد خريجي كليات طب الأسنان أصبح أولوية ملحّة، داعياً إلى خطة دقيقة توائم بين عدد الأطباء واحتياجات المرضى، مع الأخذ بعين الاعتبار كلفة تجهيز العيادات والأجهزة المتخصصة، التي تشكل عبئاً كبيراً على الطبيب حديث التخرج.
يشدد طويل على ضرورة وضع حد أدنى وحد أقصى لفتح العيادات في كل حي أو منطقة، مع توزيع الأطباء على التخصصات المطلوبة، مثل جراحة الفم والتقويم وزراعة الأسنان، لتجنب الفائض في بعض المجالات والنقص في أخرى.
كما يشمل هذا التنظيم، بحسب طويل، ضبط تسعيرة المعالجات الطبية بما يضمن قدراً من الاستقرار في السوق، ويحمي المرضى والأطباء معاً، خصوصاً في ظل عودة أعداد كبيرة من الخريجين إلى سوق العمل، وزيادة الضغط في بعض المناطق.
الضغط الذي يبدأ من قاعات التدريب في الجامعة، ثم يمتد إلى التخصص وسوق العمل وافتتاح العيادات، لا يبدو مرحلة عابرة في حياة أطباء الأسنان في سوريا، بل مساراً كاملاً من القلق وعدم اليقين. وهو الضغط نفسه الذي دفع بعضهم إلى الوقوف أمام وزارة التعليم العالي، مطالبين بتنظيم المهنة وفتح مساحة أوسع للاستقرار المهني، بعد سنوات من الدراسة والتدريب والإنفاق.
لكن حتى الآن، ما تزال هذه المطالب معلّقة، مثل كثير من أحلام أطباء الأسنان الشباب، الذين ينتظرون فرصة حقيقية لا تبدأ من الاكتظاظ، ولا تنتهي عند كرسي الأسنان.
——————————————————————————————————————————————————————————————————–
“هذه المادة هي نتاج ورشة صحفية مشتركة لشبكات الإعلام والصحافة التعاونية في سوريا، نظمتها مؤسسة MiCT الإعلامية بالتعاون مع 12 مؤسسة إعلامية سورية مستقلة”.
