فوكس حلب

مجلة الكترونية تغطي أخبار محافظة حلب وعموم الشمال السوري.

دمج مؤسسات أرياف حلب في الدولة.. التأخّر ينعكس على الرواتب وطبيعة العقود

خالد سلطان

التأخّر في عملية دمج مؤسسات مناطق عفرين والباب وأعزاز ومنبج وجرابلس في ريف حلب، جعل الموظفين يخشون التخلّي عنهم، والعقود المؤقتة التي وقّعت معهم كانت برواتب أقل من السابقة

بعد سقوط نظام الأسد في كانون الأول عام 2024، برزت مشكلة تبعية المؤسسات في مناطق عفرين والباب وجرابلس ومارع والراعي وأعزاز بريف حلب، وهي مناطق كانت تُدار عبر مجالس محلية بإشراف منسقين أتراك، ما انعكس مباشرة على رواتب العاملين واستقرارهم الوظيفي في عدة قطاعات.

وفي محاولة لمعالجة المشكلة، أطلقت الحكومة برنامجاً لدمج هذه المؤسسات الحكومية ضمن محافظة حلب. وشكّلت في حزيران 2025 لجنة برئاسة معاون المحافظ، عقدت اجتماعات مع المنسقين الأتراك ومسؤولي المجالس المحلية، وانتهت إلى إنهاء دور المنسقين والبدء بإعادة ربط المؤسسات بالإدارة المركزية.

ومع بدء الجولات الميدانية وطلب جداول تفصيلية للموظفين والموجودات، ظهرت سريعاً مشكلات بنيوية، في مقدمتها الرواتب، وفوضى الوضع الوظيفي، واختلاف سلم الأجور بين المناطق.

أبرز هذه المشكلات تمثلت في غياب الأرقام الوظيفية لغالبية الموظفين، ما دفع إلى اعتماد عقود سنوية كحل مؤقت بانتظار التثبيت. بالتوازي مع ذلك، أُعيد تنظيم الهيكل الإداري، فتحولت المجالس المحلية إلى بلديات خدمية، وأُلحقت بقية المؤسسات، بما فيها الأحوال المدنية والقضاء، بالمديريات المختصة في حلب.

وفي منبج، التي عادت إلى سيطرة الحكومة لاحقاً، تكررت الإشكالات نفسها، خاصة مشكلة تأخر الرواتب واستمرار العمل بالعقود المؤقتة. وشملت الصعوبات قطاعات المياه والزراعة والصحة والسجل العقاري والأحوال الشخصية والمحاكم.

في القطاع القضائي، برزت تعقيدات في تثبيت الوقائع. يقول أسامة بكور، وهو من سكان مدينة حلب، إنه ما يزال يراجع الدوائر لتثبيت طلاقه المسجل في جنديرس عام 2023، بسبب طلب وثائق إضافية وعدم الاعتراف الكامل بالسجلات السابقة.

ولا يختلف الحال في الأحوال المدنية كثيراً. يقول مصطفى عبد الرحمن، المهجّر من ريف دمشق المقيم في عفرين، إنه اضطر للعودة من دوما إلى عفرين لاستخراج وثائق زواجه وولادة أطفاله، حتى يتمكن من تسجيلهم، بسبب عدم الربط بين السجلات.

في المقابل، يبقى ملف الرواتب الأكثر إلحاحاً. حسن الموسى، موظف في مؤسسة المياه بمدينة الباب، يقول لفوكس حلب، إنه يعمل في المؤسسة منذ سبع سنوات، وكان يتقاضى نحو 150 دولاراً عبر الـPTT، بينما لا يتجاوز راتبه حالياً 100 دولار، لأنه يعمل بعقد مؤقت. ويضيف أن الوعود بالدمج لم تُنفذ، ما دفع العاملين إلى تنفيذ إضراب انتهى دون نتائج ملموسة.

هذا الواقع امتد إلى قطاعات أخرى. فقد شهدت مناطق مثل أعزاز وجرابلس وعفرين إضرابات لعمال النظافة بسبب تأخر الرواتب لعدة أشهر، تخلّلتها مطالبات بالتثبيت والحصول على التأمين الصحي والحقوق التقاعدية، خاصة أن كثيرين منهم يعملون منذ سنوات ضمن البلديات.

وفي أعزاز، أضرب موظفو المكتب الصحي بعد انقطاع رواتبهم لخمسة أشهر. يقول حسن الأحمد، وهو أحد موظفي المكتب لفوكس حلب، إنهم استمروا بالعمل بعد الدمج، لكن الرواتب توقفت مع انتقال تبعية المكتب إلى مديرية الصحة في حلب، وكانت الإجابة المتكررة “الإجراءات لم تكتمل بعد”، ما دفعهم لإغلاق المكتب مؤقتاً.

من جهته، يرى محمد شيخ رشيد، رئيس المجلس المحلي في عفرين، أن جوهر المشكلة يكمن في الانتقال السريع من نموذج المجالس المحلية إلى الإدارة المركزية. ويوضح أن المجالس كانت تتمتع بمرونة مالية، وتعتمد على موارد مثل المعابر والدعم الخارجي والمنظمات، ما سمح باستقرار نسبي في الرواتب والخدمات.

ويضيف أن النظام المركزي أعاد البيروقراطية وأبطأ اتخاذ القرار، مع غياب مخصصات مالية كافية وتأخر في إصدار تشريعات تثبيت الموظفين، إضافة إلى فروقات واضحة في الرواتب بين المناطق، ما انعكس على تراجع الخدمات وازدياد حالات التوقف عن العمل.

الصورة ذاتها تظهر في منبج. يقول أحمد الجمعة، موظف في مكتب الزراعة، إن الموظفين لم يتقاضوا رواتبهم منذ ثلاثة أشهر، وما يزال مصيرهم غير واضح في ظل استمرار العقود المؤقتة.

في القطاع الصحي، تراجعت الخدمات بشكل ملحوظ بعد إغلاق عدد من المراكز، خاصة في جنديرس وبلبل وميدانكي، عقب توقف دعم المنظمات الإنسانية. يقول الصيدلاني أحمد عيسى إن الكوادر تعمل بعقود مؤقتة، وتتأخر الرواتب لأشهر، ما أثر على الالتزام الوظيفي، خاصةً أن بعض العاملين يتقاضون أقل من 100 دولار شهرياً.

ويضيف أن تحديات تنظيمية جديدة برزت أخيراً، منها تسوية أوضاع الأطباء العاملين خارج اختصاصاتهم، وفرض تسجيل الأطباء والمنشآت الصحية لدى مديرية الصحة، ومنع إصدار التقارير الطبية دون ترخيص رسمي.

في موازاة ذلك، يوجّه بعض الموظفين انتقادات لآلية الدمج. يقول موظف في بلدية أعزاز فضّل عدم الكشف عن اسمه، لفوكس حلب، إن العملية تفتقر إلى الشفافية، إضافة إلى تقييد صلاحيات البلديات.

ويوضح عمّار نصّار، مدير المكتب الإعلامي في منطقة الباب، في حديث لفوكس حلب أن المشكلة تمتد إلى بنية السجلات نفسها. فكل منطقة كانت تمتلك سابقاً نظاماً خاصاً للأحوال المدنية والهويات وحتى لوحات السيارات، ما خلق فجوة عند محاولة توحيد البيانات مع النظام الحكومي القائم على رقم القيد.

ويضيف أن غياب هذا الرقم في السجلات السابقة أضعف موثوقية كثير من الوثائق، وربط البيانات بالأصول العائلية والجغرافية، ما جعل عملية الدمج أكثر تعقيداً. ورغم ذلك، تحقق تقدم جزئي في الباب، وفقاً لنصار، إذ تم إنشاء نافذة للأحوال المدنية وربط أكثر من مليوني واقعة بالسجلات المركزية خلال أشهر، إلى جانب دمج قطاعات مثل الزراعة والتجارة والصحة.

ويؤكّد أن ملف السجل العقاري ما يزال الأكثر تعقيداً، بعد فقدان الوثائق الأصلية منذ سيطرة تنظيم داعش عام 2014 ونقلها إلى منبج، ما دفع الجهات المحلية سابقاً لإنشاء سجل بديل، ويجري العمل حالياً على توحيده مع السجلات الرسمية.