فوكس حلب

مجلة الكترونية تغطي أخبار محافظة حلب وعموم الشمال السوري.

مشروع رياضي على أرض مستملكة في الدانا وإنذارات إخلاء تثير الجدل

فلك العبد الله

بالخط الأحمر العريض، خطّت بلدية مدينة الدانا في ريف إدلب الشمالي عبارة “إخلاء.. بلدية الدانا” على جدران أبنية سكنية ومحلات تجارية ومخيمات سكنية ومنشآتٍ صناعية حملت إنذارات موجهة لأصحابها وقاطنيها في منطقة أرض الملعب بالدانا، ضمن مدة زمنية محددة، وسط اعتراض الأهالي المتضررين على هذه الإجراءات

 تلقّى سكان أبنية سكنية ومحال تجارية، إلى جانب مالكي عقارات في منطقة أرض الملعب بمدينة الدانا بريف إدلب، إضافة إلى عائلات نازحة أقامت تجمعاً سكنياً فيها، إنذارات بضرورة إخلاء مواقعهم خلال مهلة لا تتجاوز 48 ساعة، سبقها إنذار أول وجه إليهم قبل ثلاثة أشهر، وتأتي هذه الإجراءات على خلفية مشروع تنظيمي تقول البلدية إنه مخصص منذ سنوات لإقامة ملعب ومنشآت خدمية عامة في المكان.

أعاد القرار فتح ملف استملاك أراض لصالح البلدية يعود إلى عام 2005، كان قد توقف تنفيذه بسبب الحرب، وخلال سنوات النزوح، تحوّلت هذه المساحات إلى أماكن سكن ومصدر رزقٍ لمئات العائلات، حيث أقيمت عليها أبنية سكنية ومحلات تجارية ومنشآت صناعية.

تتيح قوانين الاستملاك في سوريا للدولة نزع الملكية الخاصة للمنفعة العامة مع دفع تعويض عادل، سواء لمشاريع عامة مثل المستشفيات والطرق أو للاستثمار العمراني. أبرزها قانون رقم 20 لعام 1983 والتعديلات اللاحقة، ويشمل القانون الاستملاك المستعجل في حالات الطوارئ، واقتطاع جزء من الأرض مجاناً في بعض الحالات، مع حق المالك بالاعتراض قضائياً على القرار أو قيمة التعويض، وضمان دفعه خلال خمس سنوات.

انذارات إخلاء في مدينة الدانا في محافظة حلب
انذارات إخلاء في مدينة الدانا في محافظة حلب

يبرر رئيس مجلس مدينة الدانا، محمد يوسف فشيكو، أن هذه الإجراءات المتخذة تقوم على أسس قانونية وتنظيمية، موضحاً “أن كامل المنطقة المشمولة بقرارات الإخلاء تُعدّ مستملكة بموجب قانون الاستملاك رقم 20، ومصنفة ضمن مشاريع النفع العام وفق المخطط التنظيمي القديم”.

يقول فشيكو إنه من المقرر “إنشاء ملعب وحدائق عامة، وشريط أخضر، إضافة إلى توسعة الطريق الرئيسي، وتخصيص مواقف للسيارات”، نظراً لكون الموقع يشكل المدخل الرئيسي للمدينة، مؤكداً أن البلدية قامت بإبلاغ أصحاب المنشآت الصناعية والسكان قبل نحو أربعة أشهر بضرورة الإخلاء، مع تكرار توجيه الإنذارات أكثر من مرة خلال هذه الفترة.

ويضيف أنه منذ صدور قرار الاستملاك، قامت البلدية بوضع إشارات قانونية على العقارات، ورصدت تعويضات مالية لأصحابها، مشيراً إلى أن “عدم استكمال الإجراءات من قبل مالكين كان السبب في عدم حصولهم على التعويضات”.

وبحسب حديثه، فإن الأبنية القائمة أُنشئت خلال فترة غياب المؤسسات، وعلى أراضٍ لا يسمح بالبناء عليها قانونياً، لكونها مخصصة لمشاريع النفع العام، وأضاف أن بعض عمليات البيع والشراء جرت رغم وجود إشارات الاستملاك، وبأسعار تقل عن قيمتها الحقيقية، وتأتي استعادة هذه الأراضي ضمن إعادة تنظيم المدينة بعد سنوات الفوضى، مشدداً على أن تنفيذ المشروع لا يمكن تعطيله بسبب هذه الحالات.

انذارات إخلاء في مدينة الدانا في محافظة حلب
انذارات إخلاء في مدينة الدانا في محافظة حلب

في المقابل، يصطدم تطبيق القانون مع هواجس السكان وتساؤلاتهم عن مصير مئات العوائل وأصحاب العقارات والمنشآت الصناعية. يرى محمد جيعان، أحد وجهاء مدينة الدانا، أن ما حدث خلال سنوات الثورة لا يمكن فصله عن واقع الفوضى وغياب المؤسسات، إذ اضطرت الجهات المعنية إلى التعامل بمرونة مع ملف البناء لتأمين الحد الأدنى من الاستقرار للسكان النازحين.

يقول جيعان إن عدم تنفيذ أي مشاريع عامة على الأراضي منذ نحو عقدين من الزمن دفع الناس للبناء عليها والاستفادة منها في ظل غياب بدائل حقيقية. متسائلاً إن كانت الجهات المعنية جاهزة فعلاً للبدء بالمشاريع فور الإخلاء، أم أن الأرض ستبقى دون استثمار كما في السابق. داعياً إلى البحث عن حلول ترضي الأطراف جميعها، كإجراء تسويات أو إعادة تنظيم المنطقة، عوضاً عن اللجوء إلى الإخلاء الفوري.

أزمة الإخلاء طالت مئات العوائل في منطقة أرض الملعب، من بينهم الأربعيني أبو سعيد، وهو اسم مستعار، بناءً على طلبه. يروي أنه أقام ورشته الصغيرة التي يبيع فيها الآلات المخصصة لصنع الأبواب والنوافذ المصنوعة من مواد بلاستيكية “PVC” في منطقة الاستملاك بالدانا، بعد نزوحه من معرة النعمان قبل ثماني سنوات، مقابل مبلغ مادي، يدفعه بدل إيجار، لصاحب الأرض قبل أن يُفاجأ منذ أيام بقرار الإخلاء.

تعد ورشة أبو سعيد واحدة من عدة محلات وورش صناعية بنيت على شكل كتل إسمنتية ملاصقة لبعضها البعض، منها ماهو غير مكتمل الإكساء، وبأسقف من ألواح التوتياء.

يقول أبو سعيد “خسرت مصدر رزقي سابقاً بسبب النزوح، ثم بدأت من جديد هنا، وأنشأت ورشتي الصغيرة بإمكانيات محدودة، ولم أكن أعلم أن الأرض مستملكة، واليوم يطلب مني الإخلاء خلال مهلة قصيرة”. ويضيف أن التحدي الأكبر يكمن في غياب بدائل مناسبة له ولغيره من أصحاب المحلات والورش والعقارات، ولا يوجد الوقت الكافي لنقل أعمالهم واستئنافها في موقع آخر.

انذارات إخلاء في مدينة الدانا في محافظة حلب
انذارات إخلاء في مدينة الدانا في محافظة حلب

القلق والخوف من فقدان العمل ومصدر الرزق لا يقتصر على أصحاب الورش بل يشمل المستأجرين في المنطقة، والذين صدموا بقرارات الإخلاء. يخبرنا أحد الأهالي النازحين، مستأجر لمحل بيع للمواد الغذائية، أن المهلة المحددة، والتي لا تتجاوز أسبوعاً في بعض الحالات، غير كافية حتى لنقل المعدات. يقول إن “تفكيك ورشة أو نقل بضاعة المحل يحتاج وقتاً وجهداً، وتكاليف مادية، إضافة إلى صعوبة إيجاد مكان بديل ضمن فترة قصيرة”.

خسائر كبيرة قد تطال أصحاب هذه المشاريع والمحلات التجارية والورش الصناعية في حال تم تطبيق قرار الإخلاء حسب من قابلناهم في المنطقة، يقول عمر حميدي، يملك أحد الآبار الجوفية التي تزود المدينة بالمياه، إن مشروعه يخدم آلاف العائلات، وقد طُلب منه الإخلاء خلال 48 ساعة. يؤكد حميدي أنه لا يعارض القرار، لكنه يطالب بوجود بديل واضح، خاصة أن المشروع يخدم شريحة واسعة من السكان، متسائلاً عن “إمكانية تعويض هذه الخدمات في حال إزالتها”.

يتشارك هذه المخاوف سكان وقاطني مخيم تجمع خان شيخون السكني الذي أقيم في منطقة أرض الملعب بعد زلزال شباط 2023، حيث اجتمعت عائلات نازحة ومتضررة من الزلزال، واستأجرت أرضاً وبنت عليها كتلاً سكنية واستقرت فيها، إذ يضم المخيم اليوم نحو 80 عائلة مهددة بخسارة مكان سكنها.

أم محمد، وهي إحدى سكان التجمع، تخبرنا أن المخيم كان ملاذها الأخير بعد تنقلها بين عدة مناطق منذ  نزوحها قبل سبع سنوات من مدينة خان شيخون. تقول “لم نكن نعلم سابقاً بأن الأرض مستملكة”. وتضيف أنهم اليوم يواجهون خطر الإخلاء دون وجود بديل، فهي لا تدري أين تذهب بعائلتها فمنزلها في خان شيخون مدمر وغير صالح للسكن.

انذارات إخلاء في مدينة الدانا في محافظة حلب
انذارات إخلاء في مدينة الدانا في محافظة حلب

شملت إنذارات الإخلاء العقارات المملوكة رسمياً بأوراق ثبوتية، يقول من تحدثنا إليهم “حتى العقارات التي لديها طابو أخضر، وهو سند تمليك دائم، لم تسلم من قرارات الإخلاء”، ويؤكدون أنهم اشتروا عقاراتهم بوثائق رسمية، دون إدراك لوجود إشارات استملاك عليها. إضافة إلى حصولهم على تراخيص بناء صادرة عن المجالس المحلية وحكومة الإنقاذ سابقاً!

يخبرنا أحدهم إنه اشترى شقته قبل سنوات، واستقر فيها مع عائلته، ليُفاجأ الآن بقرار الإخلاء، متسائلاً عن سبب السماح بالبناء والبيع أساساً إذا كانت هذه الأرض مخصصة لمشروع عام!. تؤكد البلدية أن “هذه الوثائق لا تلغِ الصفة القانونية للاستملاك، وأن الإشارات كانت موجودة، لكن تم تجاهلها خلال فترات سابقة”.

وتسعى البلدية إلى تنفيذ القرار واتخاذ إجراءات قانونية في حال عدم الالتزام بالإخلاء، وتضيف أن هذه الخطوة تأتي “ضمن استكمال إجراءات قانونية مرتبطة بالمخطط التنظيمي للمدينة”.

يطالب السكان المتضررون من قرار الإخلاء بمهل أطول أو حلول بديلة أو تسويات تضمن الحد الأدنى من الاستقرار، عوضاً عن “الانتقال المفاجئ إلى المجهول”، حسب وصفهم. حتى الآن، اقتصرت الإجراءات على توجيه إنذارات بالإخلاء لعدة أبنية ومنشآت وتجمعات سكنية، دون تنفيذ فعلي على الأرض. بينما يقف نحو 800 شخص من  سكان وأصحاب منشآت في المنطقة أمام استحقاق الإخلاء والهدم، بانتظار قرارات تراعي ظروفهم.