فوكس حلب

مجلة الكترونية تغطي أخبار محافظة حلب وعموم الشمال السوري.

في الشيخ مقصود.. حدائق مهملة تحرم الأطفال اللعب ومبادرات مجتمعية تعيد تأهيل ما تيسر

سمية حميدوش

تغيرت ملامح حدائق الشيخ مقصود خلال فترة الحرب، وفقد الأطفال مساحاتهم الآمنة للّعب، واليوم تتواصل محاولة إحياء دور الحدائق كفضاء يجمع السكان ويوفر بيئة آمنة ومريحة للجميع

بين الأزقة الضيقة في حي “الشيخ مقصود شرقي” بمدينة حلب، يبحث الأطفال عن مساحة آمنة للّعب بعيدًا عن أعمدة الدخان المتصاعد من المدافئ. في هذا الحي، كانت حديقة “الساروك” سابقًا تعج بأصوات ضحكات الأطفال الذين يمرحون بالأراجيح والألعاب الأخرى، خاصة في فترة الأعياد، قبل أن تتحول اليوم إلى مساحة لا تحوي إلا مقاعد متهالكة.

السيدة الأربعينية خديجة خليل سيدو، “أم محمد”، من سكان حي بستان الباشا المجاور، اصطحبت أطفالها في أول أيام عيد الفطر إلى حدائق كانت تحتفظ بذكرى عنها في حي الشيخ مقصود شرقي. لكنها صدمت بوضعها الحالي.

تقول: “كان في الحي حديقتان تحملان اسم “الساروك” و”آرين”، وكانتا تتمتعان بخدمات جيدة، إذ تتوزع فيهما كاميرات المراقبة، ويتوفر عمال للصيانة، وحارس لكل حديقة يعتني بالأشجار ويسقيها يوميًّا ويهتم بنظافة الألعاب المنتشرة داخل الحديقة الأولى، وعلى السور الخارجي للحديقة الأخرى”. تضيف بأسى: “لم أجد تلك الألعاب اليوم، الأطفال يلعبون في الشوارع وبين السيارات بعد أن اختفت الألعاب من الحدائق”.

حديقة في حي الشيخ مقصود بمدينة حلب
حديقة في حي الشيخ مقصود بمدينة حلب

يطالب الناشط المجتمعي، مرعي الشبلي، وهو أحد سكان الحي، بتوفير ألعاب الأطفال، داعيًا الأهالي إلى عدم التقصير في الاعتناء بالنباتات الخضراء أيضًا، فهي لاتقلّ أهمية عن مساحات اللعب، لتكون الحدائق متنفسًا حقيقيًّا يجمع بين الراحة والأمان. محذرًا من أن إهمالها قد يحولها إلى مرتع للخراب.

يقع حي الشيخ مقصود في الشمال الشرقي من مدينة حلب، وينسب اسمه إلى مقام الشيخ “مقصود”، وهو شخصية صوفية عاشت في فترة من فترات العصر العثماني. ويعتبر النواة التي نشأت حولها الأحياء السكنية.

يشرف الحي على عدة أحياء مجاورة، منها بستان الباشا والميدان وبني زيد والأشرفية والشقيف، ويضم حدائق أهمها “طلة حلب” و “آرين” التي يطلق عليها الأهالي اسم حديقة “السوق المحلي” بعد أن اختفت الألعاب من القسم المخصص لها، وحل مكانها عربات لبيع الخضار تحولت لاحقًا لسوق قبل أن يغلق في العام الماضي.

أما في حديقة طلة حلب فقسم الألعاب الذي كان مستثمرًا من قبل أحد الأشخاص اختفى أيضًا، ولم يبقَ في الحديقة سوى المقاعد الخشبية. لذلك يأمل الشبلي وأهالٍ في الحي الذي يضم أكثر من نصف مليون إنسان، تخصيص مساحات آمنة للعب، وتوفير ألعاب للأطفال تجنّبهم مخاطر اللعب في الأزقة والشوارع.

إعادة تأهيل مقاعد في حديقة السوق المحلي بحي الشيخ مقصود في حلب
إعادة تأهيل مقاعد في حديقة السوق المحلي بحي الشيخ مقصود في حلب

ومع استلام مديرية الحدائق التابعة لمجلس مدينة حلب لحدائق الشيخ مقصود “شرقي وغربي ومعروف”، منذ أشهر، لم يرَ السكان تحسنًا في واقعها، باستثناء ما قدّمته مبادرة مجتمعية، تحمل اسم “إيد بإيد”، في شباط الماضي، لتنظيف وصيانة حديقة السوق المحلي.

تقول الدكتورة رغداء لحدو، الناشطة المدنية وعضو مبادرة “الحوار السوري” المنفذة للنشاط، لـ فوكس حلب إنهم رفقة متطوعين اختاروا حديقة مهملة في الشيخ مقصود لإعادة تأهيلها وتحويلها إلى مكان آمن للأطفال وذويهم.

شملت الأعمال المنفذة، بحسب لحدو، تركيب إنارة جديدة ليتسنى للأهالي الدخول إلى الحديقة في ساعات المساء، وإصلاح المقاعد المكسرة وطلائها، إضافة إلى زراعة مساحات خضراء ورسم لوحة جدارية تعبر عن التماسك المجتمعي، مع دراسة إمكانية توفير ألعاب للأطفال إن سمح التمويل، وبالتالي تلبية احتياجات الأهالي والأطفال لمساحة آمنة.

حديقة في حي الشيخ مقصود بمدينة حلب
حديقة في حي الشيخ مقصود بمدينة حلب

وفيما يخص التمويل، أوضحت الدكتورة لحدو أن المبادرة تعتمد على التعاون بين عدة جهات، إذ قدم مجلس الكنائس العالمي دعمًا ماليًّا، كما تتعاون المبادرة مع فريق ملهم التطوعي والكتلة الثانية التابعة لمحافظة حلب وبعض منظمات المجتمع المدني.

وأشارت إلى “الاستعانة بحرفيين من أهالي الحي مقابل أجور مادية، خاصة في ظل الظروف الاقتصادية الصعبة التي يمر بها السكان، وبالتالي توفير دعم مالي مقابل عملهم، في حين كانت أعمال الدهان والصيانة والتشجير من نصيب المتطوعين”. كما حثّت المبادرة الأهالي على الاعتناء بالحديقة، وعيّنت حارسًا دائمًا عليها، لضمان عدم تخريبها، كذلك المتابعة من قبل اللجنة الفرعية ومديرية الحدائق.

يشير سكان من حي الشيخ مقصود، إلى أن جهود المبادرات المجتمعية التي استهدفت الحديقة جاءت تلبية لاحتياج حقيقي. وأن نجاحها لن يكتمل دون تدخل المؤسسات الحكومية المعنية بدعمها وصيانتها ومتابعتها الدورية، إلى جانب مشاركة الأهالي وتحملهم لمسؤولياتهم تجاه أدق التفاصيل، بدءًا من النظافة وصولًا إلى الحفاظ على أدواتها من إنارة ومقاعد وألعاب. في الوقت ذاته يأمل سكان باقي الأحياء أن تطال الصيانة جميع حدائق مدينة حلب.