فوكس حلب

مجلة الكترونية تغطي أخبار محافظة حلب وعموم الشمال السوري.

أبو عبدو.. طريق أطول من الذاكرة

هيام الباشا

يذهب الرجل الخمسيني يوميًا مشيًا على قدميه مسافة 15 كيلومترًا، ليلتقط العبوات المعدنية من الطرقات على أوتوستراد حلب – اللاذقية، وبعد عناء نهار كامل، يتمكّن في النهاية من جمع ما بين ثلاثة إلى خمسة كيلوغرامات منها

في عام 2011، التحق أبو عبدو وأولاده بالمظاهرات المطالبة بإسقاط النظام. غير أنّ عددًا من أبنائه التسعة، اعتقلوا بسبب مشاركتهم في المظاهرات. لهذا اضطرّ أبو عبدو الخمسيني لمغادرة مدينة اللاذقية، وتحديدًا في الشهر التاسع من عام 2011. لجأ إلى قرية الكبينة في الريف المحرّر، واستقرّ هناك، حيث رافقه ابنه البكر عبدو، بينما بقي الابن الأصغر محمد مع أمه وبناته الأربع.

انضمّ أبو عبدو بعدها إلى فصيل عسكري معارض ثم تنقّل بين فصائل مختلفة تتبع «الجيش السوري الحر». وفي عام 2022، رُفضَت مشاركته في القتال بسبب تقدّمه في السن، لكنه استمرّ باسمٍ بديل نيابة عن شخص آخر. أصيب مرّات عدّة، وأفقدته إحدى الإصابات البصر في عينه اليسرى.

حين سألته عن سبب انضمامه للجيش الحر، أجاب: «كان هناك ظلم لا أستطيع تحمله، والمجازر التي تحدث لم تترك لي خيارًا. تركتُ بيتي أولادي في اللاذقية، ولم يكن ينقصني شيء، لكنني قرّرت الخروج. لم يكن هناك رواتب، ولم نتوقع رواتب. لم أخرج لأجل 200 ليرة تركية، فهي لا تعني لي شيئًا. كنت أريد أن أقاتل حتى يسقط نظام بشار، والحمد لله سقط». 

بدّلت الثورة السورية حياة أبو عبدو بأكملها. فقد تزوّج للمرّة الثانية وأنجب ثلاث بنات هن حنين، وبيان، وجُودي، بعدما كان قد انفصل عن زوجته الأولى سنة 2008.

حين يتحدّث أبو عبدو عن أبنائه التسعة من زواجه الأوّل، لا يمكن أن يفعل ذلك من دون المرور بالسجون السورية. أربعة منهم دخلوا السجن. رمضان سيق من الزنزانة مباشرة إلى الخدمة العسكرية، وفي أوّل إجازة له، انشقّ وهرب إلى المناطق المحررة، ومنها إلى تركيا، حيث توفي هناك.

من خرجوا من المعتقل، لم يستطيعوا النجاة تمامًا. بقي ابنه حيدر لفترة في فرع فلسطين، وعندما خرج، كان فاقدًا لقواه العقلية، ولم يستعدها حتى الآن. أما مناف، فقد خرج من سجن صيدنايا، لكنه لا يزال يحمل ندوب السجن، ويعاني من إعاقة في قدمه. ابنه الأصغر محمد لم ينجُ، اعتقل وهو في الثالثة عشرة من عمره، وتمّت تصفيته خنقًا، قبل أن يُعاد جثمانه إلى أهله.

بعد سقوط نظام الأسد، لم يتم قبول أبو عبدو في الجيش أو الأمن بسبب سنه المتقدّم. وفيما كان يعمل عتّالًا في السابق، لم يعد لديه حرفة أو عمل واضح، لهذا اضطر للعمل في جمع العبوات المعدنية من الشارع وبيعها ليؤمن قوت بناته وزوجته.

يذهب أبو عبدو يوميًا مشيًا على قدميه مسافة 15 كيلومترًا، حتى لو كان الجو باردًا أو ممطرًا. يلتقط العبوات المعدنية من الطرقات على أوتوستراد حلب – اللاذقية، وبالقرب من الاستراحات الموزّعة على الطريق. بعد عناء نهار كامل، يتمكّن في النهاية من جمع ما بين ثلاثة إلى خمسة كيلوغرامات منها.

يقول أبو عبدو: «أنا بعدّهم بس صاروا 500 علبة، يعني صاروا 3 كيلو. حقهم 150 ليرة تركية (تعادل 3.40 دولار). أبيعهم ومن ثم أذهب أشتري في بعض الأحيان حبتين بندورة، وظرفي إندومي، وبسكويت للأطفال، وخبز، وأربع بيضات، وكيس حمص ناعم، وخيارتين». عليه فقط أن يعتمد على المال الذي يحصّله يوميًا، فأصحاب المحالّ التجارية لا يقبلون بشرائه بالدين لأنه لا يملك راتبًا ثابتًا نهاية الشهر.

مثلما تبدو طريق أبو عبدو اليومية لانهائية في البحث والتفتيش، كذلك تبدو المسافة بالنسبة إلى ابنته حنين، في ذهابها اليومي إلى المدرسة. عليها أن تقطع كيلومترين مشيًا على الأقدام، إلى أن تصل إلى نقطة لقائها بصديقاتها، ومنها يكملن الطريق إلى المدرسة لمسافة ثلاثة كيلومترات إضافيّة. هكذا تبلغ رحلتها إلى المدرسة والعودة منها حوالي عشرة كيلومترات. وفي طريقها، تلتقي أحيانًا بابن جيرانها يوسف الذي يفترض أن يكون في صفّها لكن عائلته لم تسجله هذه السنة بسبب الظروف المادية الصعبة.

يقضي أبو عبدو معظم وقته مع زوجته، عندما يكون الجوّ مناسبًا يجلسان أمام المنزل ويشربان الشاي، مشروبهما المفضّل. كما يشاهد أحيانًا مباريات كرة القدم على هاتفه، خصوصًا فريق برشلونة الذي يشجّعه منذ زمن. إلى اليوم، لا يزال الرجل يعيش مع عائلته في مخيم البراء (قرية الحنبوشية في محافظة إدلب) الذي كان يضمّ نازحين من مدينة اللاذقية ومن قرى جبل الأكراد (ريف اللاذقية). رحلت أغلب العائلات من المنطقة بعد سقوط نظام الأسد، وأخذت معها أسقف بيوتها (صفائح الزينك) لتسخدمها في البيوت الجديدة التي ستعمّرها في قراها. ومن بين 100 عائلة كانت تسكن القطاع السادس في المخيّم، بقيت سبع عائلات من بينها عائلة أبو عبدو. ورغم ظروف المخيّم الصعبة، وغياب الخدمات التي كانت تؤمّنها بعض المنظّمات في السابق، اضطرّ أبو عبدو للبقاء مع عائلته، لأنّه لا يملك بيتًا يذهب إليه. اليوم، فقد المخيّم ملامحه، خفتت أصوات الناس، القمامة مرميّة في الشوارع، والطرقات المهترئة تجعل من وصول شاحنات المياه أمرًا شبه مستحيل خصوصًا خلال الشتاء، أما القهوة التي كان يجلس فيها أبو عبدو فقد خلت من مرتاديها بعدما رحلوا وأخذوا أغراضها وسقفها معهم.

تنشر هذه المادة بالاشتراك مع موقع خط 30